“يما مويل الهوى.. يمّا موليا.. ضرب الخناجر ولا حُكم الندل فيا” كلمات أيقونية من تراث المقاومة الفلسطيني أعادها للصدارة مسلسل “صحاب الأرض” لا لنبكي معًا وجعنا على فلسطين وكل حجر انهدم وكل إنسان قُتل على يد جيش الغرباء المحتل الصهيوني؛ لكن لندرك أن فلسطين ستنتصر .. فالأرض تعرف أصحابها ومفتاح الدار يعطيه الجد للحفيد.
المسلسل من إنتاج الشركة المتحدة وقد كتبه السيناريست عمّار صبري وساهم في تطوير الدراما والحوار الكاتب محمد عبية وأخرجه بيتر ميمي؛ ويشكل وثيقة درامية لتسجيل جرائم المحتل الصهيوني منذ 2023 وحتى الآن، مستندا لعشرات الوثائق والشهادات الحقيقية. وهو حجر مقاومة يستند أيضا لباب أصيل وهو أصحاب الأرض؛ الإنسان الذي جسده ببراعة ناصر (إياد نصّار) فأصبحنا أقرب لأحلامه البسيطة بالأمن وروحه المحبة للحياة ولو في ذروة الألم.
برع السيناريو في رسم حبكة إنسانية تستند بجدارة لواقع الحرب، وتحوي تفاصيل منسوجة بترابط شديد بين أقدار الأبطال. رحلة تنطلق بنا من رجل فلسطيني يأتي للتضامن مع أخيه وأسرته في غزة؛ فإذا بالبيت بمن فيه يسقط شهيدا تحت قصف إسرائيلي ولا ينجو إلا البطل (ناصر) وابن شقيقه الطفل (يونس) مع دلالة اسميهما؛ بين نصرة الأرض والنجاة من الظلمات.حين يصل “ناصر” بابن أخيه الناجي للمستشفى يلتقي الطبيبة “سلمى” ومنذ ذلك الحين تبدأ حكايات النزوح بين المستشفيات والخيام وركام البيوت، رحلة الألم والدموع والخوف والذي تتخلله لحظات الأمل.

يخاطب مسلسل “صحاب الأرض” ضمير العالم ليبكي ثم ينهض لدوره مع شعب يعيش كابوس الإبادة؛ يحل الظلام عليه فتحلق “الكوادكابتر” لتقنص من يتحرك، وتتوغل الدبابات فتبث فحيحها للناس بالإخلاء من بيوتهم، وللمصابين بمغادرة المستشفيات، فيصبح فرار المنكوبين من الموت إلى المجهول، عنوانا عريضا للقهر.
الغريب أن هذا المحتل وكما يظهر في المسلسل تزداد هشاشته كلما ازداد جبروته؛ وقد كانت الرصاصات التي اخترقت رأس القائدة الإسرائيلية كابتن سارة (روان الغابة) حين انتحرت تعبيرا عن الخدعة التي عاشوها وعن فشلهم في تبرير وجودهم على هذه الأرض.. عن حصاد كراهية الفلسطينيين وقتل أطفالهم وعجائزهم حتى تسربت لأرواح اليهود الأسرى، وفق قانون هانيبال والبقاء للأقوى!!
أبطال فلسطين
اختار المسلسل أبطالا يمثلون زوايا المشهد جميعا في قطاع غزة وقد جسدوا جميعا أدوارهم بشكل عفوي بارع من صميم الروح؛ وقد جمعتهم مستشفى “الوديان” قبل أن يجري قصفها بحجة وجود “إرهابيين”.
كان الأبطال يعبرون عن أبناء غزة المسالمين والمقاومين، في مواجهة أبطال ثانويين يجسدون المحتل الصهيوني وعدد من الخونة المعاونين لهم من الداخل الفلسطيني ويمثلهم المسعف “توفيق” والذي يقرر المسلسل القصاص منه مبكرا.
على الجانب المصري، تجسد الدكتورة سلمى (منة شلبي) ببراعة شريان التضامن الحي مع فلسطين؛ كما يجسد السائق الشهم سمير (عصام السقا) مشاعر أولاد البلد وهو الذي لم يتردد لحظة في المخاطرة بحياته وتحدي قطاع الطرق المستوطنين اليهود.
في هذا المشهد الكابوسي تظهر شخصيات تعيدنا للحياة بتفاصيل الفرح البسيطة والتي يجيد الفلسطينيون حياكتها لمواصلة الحياة؛ فتراهم يصنعون كعكا بسيطا للعيد بل ويقيمون أعراسا وسط المخيمات المعرضة للقصف؛ كانت شخصية أبو علي والد المسعف وصديق البطل ناصر من هذا النوع الذي ينتزع ضحكتك حين يقول عن شراء الدجاج لعرس ابنه “في الجنة ان شاء الله”، وهو ما كان ناصر نفسه يفعله وهو يسخر من كونه زملكاوي يعيش بغزة!.
مدينة الفقد
على الجانب النفسي؛ يربط شعور الفقد الطبيبة المصرية ورفاقها الفلسطينيين؛ لقد فقدت ابنها المريض في مصر، وانفصلت عن زوجها، أما ناصر الفلسطيني ففقد زوجته مريضة السرطان التي لم تسعفه الحرب لعلاجها ثم فقد عائلة أخيه بالكامل.
يحيط الفقد بسلمى من الجهات الأربع؛ فتجلس في سيارة الإسعاف المتهالكة في طرق مغلقة وتسابق الزمن لإنقاذ أطفال على حافة الموت وتفشل في إنقاذ فدوى التي أجبرها المحتل على النزوح بعد وضع وليدها مباشرة. هنا يصبح للفقد شكلا نراه في الدموع وصوت الأنين المكتوم. لكن ما تدركه الطبيبة بأن هذا الوجع يجعل قلوبنا أوسع للحب، ويجعلنا أشجع في مواجهة الباطل لأنه لم يعد لدينا الكثير لنخسره!.
تتأرجح مشاعر البطلة بين الفزع والحزن والرجاء؛ وقد شاهدت جرائم القتل والاعتقال وانتهاك الجثث من قبل إسرائيل، مع ذلك ظلت تتشبث بخيط أمل لإنقاذ المصابين. كان القوس العاطفي للبطل نصار متأرجحا أيضا بين اليأس والأمل حتى انتصر الأخير.
سلمى.. البسمة والبارود
في مشهد أخير لسلمى تهرع مع الطفل يونس حين دخل معبر رفح لإنقاذه، لن نرى طبيبة بل أم تحتضن ابنها وهو بين الحياة والموت، كانت تلك الروح الأمومية طاغية طيلة العمل على إنسانة منحت الطمأنينة لقلب المحيطين قبل أن تمنحهم الإسعاف لجرحهم.
سلمى على الوجه الآخر هي النضال المصري بالكلمة مع النضال الفلسطيني الذي يجسده الصحفي “مجد” شقيق البطل “ناصر”؛ فحين زارته صديقته الصحفية الأمريكية كارلا، والمتأثرة بالدعاية الصهيونية عن مواجهة إرهابيي “خماش”؛ صرخت في وجهها: عن أي مقاتلين تتحدثين؟! ألم تري في طريقك جثث أمهات يحتضن أولادهن، وبيوت ومستشفيات مهدّمة، هل كانوا يحملون سلاحا؟ هنا جرى تحول حقيقي في مشاعر وقناعات الصحفية الأمريكية وقد عاينت لاحقا قسوة المحتل الذي قتل أمامها الصحفي “مجد” رمز عيون الحقيقة في فلسطين.
تستمر سلمى في تحطيم قناع الصهيونية، وحين تفاجأ بنفسها أمام أسيرة يهودية فتخبرها بالحقيقة: هترجعي بيت مش بيتك وأرض مش أرضك وتفضلوا عايشين شايلين سلاح وخايفين.

تلعب عناصر الدراما بطولة مطلقة كما هو الحال في “صحاب الأرض” بدءًا من الحبكة والسيناريو الذي يضعنا في عمق حياة الناس تحت وطأة الحرب، ثم الحوارات المفعمة بالحياة وغير المعلبة عن دوافع الأبطال ونظرتهم للحرب.
في التصوير تبدو أيضا براعة محاكاة الحياة وتجسيد لوحات شعورية من عينة مشهد السيارة التي تقلّ الطبيبة داخل القطاع بين ظلمة المدينة وركامها المقبض تحت ضوء القمر الحارس تقطعه الزنانات الصهيونية. كما يتجسد ذلك في مشهد الفرح الفلسطيني بأهازيجه التراثية بمدرسة النزوح وفي مشهد نقيض يشبه يوم القيامة مع نزوح الجرحى من مستشفى الوديان، مع خلفية غنائية تراثية بصوت شجي: يا طالعين الجبل يا موقدين النار.
وتعد الموسيقى التصويرية بطلا حقيقيا للعمل، فاختيارات أمين أبو حافة تلتحم بعمق المقاومة والحالة الشعورية للعمل، مع كلمات الترويدة الفلسطينية المحفورة داخل كل فلسطيني والتي منها تلك التي تقول:
شيل شيل ع الجمالة شيل يا حوَّطتك بالله
دم الشهيد معطّر بالهيل ليل يا ليلو
ويل ويل ع الظالمي ليلو ويلُه من الله
لأسهر على نجوم الليل أنا أداويلُه
وعلى جانب آخر، سنرى كيف نقلنا الديكور لمحاكاة دمار غزة تماما كما نقلنا لبيوت الضفة الغربية وأزقتها العتيقة، خاصة وأن الضفة دفعت أثمانا باهظة جسدتها ابنة البطل ناصر كارما وجدتها وحبيبها وقد واجهوا جميعا التهجير والقتل والاعتقال بلا رحمة.
ثم ننتقل مع الشاطيء والوجع الذي يهز الجبال مع المجاعة والتدافع المميت للحاق بصندوق معونات تلقي به طائرات الإغاثة، تحت وابل من رصاص القناصة الصهاينة وسقوط الشهداء، فيصبح الدقيق بطعم الدماء.

في “صحاب الأرض” يقول الجد إبراهيم وكان أستاذا في مدرسة بمدينة غزة: لسنا أرقاما يا ولدي. ونراه وهو المصاب بالزهايمر يتغلب على الشباب في وصف الحارات التي يحفظها وتحفظه ويصارعهم للعودة لبيته في الشمال. هنا يتحول معنى أصحاب الأرض لذاكرة وهوية وحق لا يمحوه عابر. وكيف يمحوه والجدات في غزة والقدس والضفة يحملن في صدرهن مفتاح الدار ويحتفظن بالصور القديمة للأحفاد.
ينتصر “صحاب الأرض” – بعيدا عن أي تيارات سياسية او أيديولوجية – للمقاومة الشريفة للمحتل الغاصب. ويختتم بفيلم تسجيلي مع أمهات الأطفال الخدج الذين قصفت إسرائيل المستشفى عليهم لكن كتبت لهم الحياة، وكأنه يخبرنا بأن الواقع أكثر كابوسية مما شاهدناه بالدراما.
يظهر البطل الفلسطيني هنا من لحم ودم وهو يريد حياة آمنة فوق أرضه. قويا بتضامنه مع أهله في الفرح والحزن. بابتسامته التي تطهر أحزانه وتقوي هشاشته أمام آلة الحرب. يقول ناصر: سأعود من جديد لأدفن أهلي. سأعود لأبني ليونس دارا يسكنها. يهاتف الطبيبة التي نما شوقه إليها ويسمعها “طاير يا هوا” لمحمد قنديل من داخل بيت أخيه المهدم وابنه الناجي وهو يلعب كرة القدم.. يبتسم صاحب مفتاح باب الأمل فتنهزم إسرائيل!
صرخات العالم قبل أن تلتهم حرب التجويع أطفال غزّة
