
بكى الملايين حول العالم أمس استشهاد “أبي عبيدة” لسان المقاومة الفلسطينية، والذي أطل علينا منذ “طوفان الأقصى” أو العملية التي كبدت جيش المحتل الصهيوني خسائر بشرية لم يشهدها بتاريخه.
ثار جدل حول الطوفان لكن الثابت أن احدا لم يكن يتخيل أن تصل المقاومة لعقر إسرائيل في السابع من أكتوبر، وان تحلق الطائرات الشراعية بإنزال جوي داخل مناطق العدو. لجأت إسرائيل بخستها المعروفة للرد عبر استهداف المدنيين؛ تجويعهم وإجبارهم على النزوح ثم قصف تجمعات النازحين لإسقاط الشهداء، لكن في ذروة هذا الألم الذي ترى أهل غزة ينثرون كلمات الأمل بالعودة وبناء مدينتهم وزرع الزيتون في محيط الأقصى وفي مدينتهم المطلة على البحر.
قبل استشهادها كتبت الروائية الفلسطينية هبة أبو ندى: “معتم ليل المدينة إلا من وهج الصواريخ، صامتٌ إلا من صوت القصف، مخيف إلا من طمأنينة الدعاء، أسود إلا من نور الشهداء”. .. “نحن تحت الطائرات والله أعلى منا ومنهم.. إذا متنا اعلموا أننا راضون وثابتون وبلّغوا عنّا أصحاب الحق”.
ولفهم تلك الروح التي يقاوم بها أهل غزة، نعود لكتاب صادر حديثا للكاتبة سهام ذهني عن دار “فاصلة” وباسم “طوفان الأقصى” وكأنه يستعيد تلك الجذوة الإيمانية التي انتصر بها المؤمنون في زمن رسول الله، والتي تلوح منها بشارة النصر رغم السماء الملبدة بغيوم الاحتلال البغيض.
خندق المقاومة
في كتابها، تقارن الكاتبة بين خندق المدينة المنورة الذي لجأ له الصحابة الكرام في غزوة “الأحزاب” ليتحقق النصر أمام جبابرة الشرك من كل قبائل الجزيرة العربية، وبين أنفاق غزة التي يتخندق فيها مقاومو فلسطين اليوم أمام عدو استئصالي يريد إبادة الشعب واحتلال أرضه كاملة. أمس واليوم كان العدو يفوق في العدّة والعتاد، لكنه فوجيء بثبات المؤمنين..
لا يزال نتنياهو حائرا في الأنفاق التي أغرقها وسعى لهدمها ففشل، ومهما أسقط من شهداء لا تزال المقاومة تلقن جيشه دروسا مؤلمة.لقد تحركت شعوب العالم الحر لمناصرة القضية الفلسطينية، وتغيرت بفضل هذا الصوت مواقف المجتمع الدولي تجاه فلسطين والتي لأول مرة يتم الاعتراف بعضويتها في الأمم المتحدة، وبدأ الوعي بأن المقاومة الفلسطينية هي مناهضة لاحتلال وإبادة وليست إرهابا كما تسوّق آلة الإعلام الصهيونية.
وترى الكاتبة أن أنفاق غزة كانت بالأساس الاختراع الذي دفعت إليه حاجة الفلسطينيين الذين عانوا الحصار سنوات طويلة، ثم تطور الأمر وتم استخدامها في قتال إسرائيل، ولا تزال تلك الأنفاق لغزا كبيرا أمام إسرائيل بشبكة بنائها الهندسية المعقدة، وكأنها تعود بالذاكرة لمشهد جمع الصحابة والنبي في بناء الخندق قبيل غزوة الأحزاب، لما همّت جيوش الكفر على حصار المدينة واستئصال المسلمين، بادر الصحابي سلمان الفارسي النبي بفكرة حفر خندق، فرحب النبي برغم صعوبة التنفيذ.
قبيل غزوة الأحزاب كان الجو شديد البرودة ولم تكن هناك أية معدات لحفر خندق يصل عمقه ثلاثة كيلو مترات بطول ستة كيلومترات، ومع معاناة المسلمين من الجوع ومن التعب، لم يستسلموا أبدا، بل وتقدمهم رسول الله وصاحبه أبا بكر لحمل التراب والحفر وتقاسموا تمرات بسيطة تسد جوعهم، وراح النبي يبشرهم بفتح الشام واليمن وهو يضرب بيده الحجر فيتحطم، وينشد فيهم: اللهم لولا أنت ما اهتدينا.. ولا تصدقنا ولا صلينا.. فأنزلنّ سكينة علينا.. وثبت الأقدام إن لاقينا.
لم يكن غريبا أن تنتهي المعركة قبل أن تبدأ وأن يقتل المغوار علي بن أبي طالب كرم الله وجهه رجل من المشركين يعد بألف فارس وهو عمرو بن ود.. تتذكر الكاتبة هنا مشهد الفتى المقاوم من جباليا وهو يغتال من تلقبه إسرائيل بالذئب الدموي الذي تم قنصه كما تم استهداف عشرات الأهداف للعدو بنجاح والتي ترتسم فوقها المثلثات الحمراء الأثيرة ورمز كرامة هذا الشعب.
اقرأ ايضا: “قناع بلون السماء” تحرر الروح من الجلاد الصهيوني
فداء الأرض.. والأقصى
في كل يوم تزلزل الفجيعة قلوب الفلسطينيين؛ ولم ينس أحد الشاب ابو القمصان النازح بدير البلح والذي استشهد رضيعيه التوأم في نفس اليوم الذي عاد إليهما يحمل شهادة ميلادهما، فظل يقفز وكأن الأرض لا تسع حزنه! لم ينس أحد صوت هند رجب الطفلة التي استغاثت من سيارة شهدت استهداف أسرتها، فلحقت بهم. أصبحت هند أيقونة واسما لمنظمة حقوقية اوروبية لصالح أطفال فلسطين.
مع كل نزوح، ومع كل استهداف، يجأر الصغار بأقدامهم الحافية وظهرهم المثقل بما بقي من متاع أسرهم: “وين بدنا نشرد”.
تتفنن إسرائيل في نزع حياة الفلسطينيين بالقصف والأسر والتعذيب، وقد شاهد العالم بطل كمال الأجسام معزز عبيات وهو لا يستطيع السير بعد خروجه، وهي حالات تتكرر كل يوم مع نساء ورجال يقاومون هذا الظلم بالتسبيح واليقين.
حين تعود “ذهني” لتقارن بعصر المسلمين الأوائل تتأمل كيف كان كفار قريش يعذبون المؤمنين ويجوّعونهم. كان قلب الصحابة مع الدار الآخرة، ولم يلتفتوا لما ضاع حتى لو كان الثمن هو الروح، ولقد جاءت آل ياسر بشارة الجنة وأقدامهم لا تزال تلامس الأرض.
هي نفس الروح التي تجعل شاب احترقت خيمته يقول: “لو كل دورنا راحت، ولو كل أهلنا راحوا، ما رح نساوم”.
ونحن نحب الحياة
برغم الدمار، لم تتعطل إرادة الحياة في فلسطين. لم يتوقف صوت الفلسطينيين يوما منذ بدأت الحرب، لم يتوقف نقلهم للأحداث، وحكيهم، وقد راينا فيلم “أنا بيسان من غزة” والذي تناقلته قنوات دولية. رأينا إصرار الفلسطينيين على النجاح، وقد تمكن الشاب أنس القانوع من مناقشة الدكتوراه من جامعة العلوم الماليزية عبر تقنية النانو، بعد أن كتبها وسط ركام البيوت والموت الذي يخيم على كل شيء.
تغلب الفلسطينيون على انهيار المرافق من حولهم، فرأينا مهندسة تصنع جهازا لتحلية البحر، وأشياء بسيطة يبتكرها صبي لإضاءة المخيمات.
لا يزال الفلسطينيون يسعون لإشاعة الحياة في مدينة يحاصرها الموت، يزرعون ما يدخل البهجة وسط المخيمات وما يصلح للطعام، يقيمون الفصول لأطفالهم ويدعونهم للتعلم والرسم والغناء، وكأنا بصوت الشاعر محمود درويش حين قال:
ونرقص بين شهيدين، نرفع مئذنة للبنفسج بينهما، أو نخيلا.. نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا
مع اليقين
.تودع نساء فلسطين أطفالهن بأسى ودموع ولكن قلبهن لا يحيد عن اليقين، فتقول إحداهن لشهيدها: “سلم لي على رسول الله.. قل له أمي صابرة”. وعن هذا الصبر والمقاومة، يقول الشاعر مريد البرغوثي حين يصف المرأة في ديوانه “رنة الإبرة” :خافي قليلا ثم مرّي من نداءات الجدود.. إلى زقاق فيه حصة خوفهم.. خوف الغريب من المقيم.. وخوف زي العسكر الكاكي من الألوان تزحف في الطريق.. وخوف عين القاتل من أن يحدّق في ارتباكهما القتيل!
تستدعي سهام ذهني في كتابها مشهد المقاومين الثلاثة فوق سطح البناية والذين تناوبوا استهداف العدو حتى طالتهم طائرة غدر. وقد ذكرها المشهد بأبطال غزوة مؤتة والذين قال فيهم النبي: لقد خرجوا إلى الغزوة معا، وصعدوا إلى الجنة معا.
تقترب عدسة المؤلفة من حياة هؤلاء الأبطال، والذين يعيشون مع القرآن الكريم، ومع زاد كتب تعلي من همتهم.رأينا ثبات الصحافي وائل الدحدود حين رحلت زوجته الصائمة وعدد من ابنائه. شاهدنا الشهيد الساجد تيسير أبو طعمية، وعشرات الشهداء الذين صدقوا ما عاهدوا الله وكأننا في استعادة معاصرة لقصة الصحابة الكرام في مدافعة الباطل حتى جاءتهم البشرى والنصر النبين.
قبل أن يرحل أبو عبيدة الناطق باسم كتائب المقاومة، ترك لنا كلماته: “نحن غزة، بسمائها، وهوائها، وبحرها، ورمالها، وسنذكركم في كل مرة بأنها مقبرة الغزاة”.
–
