
بين عبق التاريخ وجلال القداسة، تأخذنا الكلمات في رحلة عبر الزمن، تقتفي أثر خطى باركت أرض مصر منذ آلاف السنين. فحين يمتزج البحث التاريخي الرصين بالخيال المسرحي المجنح، يولد عملٌ يستحق التتويج.
وفي مشهد ثقافي مفعم بالزخم، استطاع الكاتب صلاح أحمد عبد الحليم أن يحفر اسمه بجدارة في سجل الفائزين بجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب، في مجال الفنون، من خلال نص مسرحي ملحمي، أعاد رسم ملامح رحلة العائلة المقدسة بزوايا فنية لم تُطرق من قبل، مبرزًا فضل مصر كحضارة تحتضن الغريب وتُغيث الملهوف.
في هذا الحوار، تغوص صوت البلد مع الكاتب لتكشف أسرار هذا العمل، والمحطات الصعبة التي واجهته في دهاليز التاريخ، والرسائل التي يود غرسها في وجدان الأجيال القادمة.
كيف تلقيت خبر فوز مسرحيتك بجائزة معرض الكتاب؟
اللحظة التي تلقيتُ فيها الخبر السعيد من الأستاذ الحسيني عمران، مدير النشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة، مثلت مفاجأة غمرتني بالفخر، خاصة وأن الجائزة تأتي ضمن حدث دولي استثنائي كمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يمثّل عرسًا ثقافيًا يتابعه الملايين. إن قيمة العمل تكتمل بحضور الجمهور الذي يرى في الكتاب وعاء للهوية ومصدرًا لإثراء العقل والوجدان.
لمن تهدي هذا التتويج؟
أهديه لزوجتي الصابرة، شريكة الحياة ورحلة الكفاح.
مصر الملاذ
رحلة العائلة المقدسة مادة تاريخية غنية طرقتها أقلام كثيرة؛ ما هي البصمة الفنية المختلفة التي حاولت وضعها في نصك ليكون جديرًا بهذا الاحتفاء؟
ركزتُ على الدمج بين الأبعاد التاريخية والإنسانية والحضارية. فتاريخيًا، تتبعتُ مسار الرحلة في نحو 25 مدينة مصرية -تعمل الدولة حاليًا على تطويرها كمزارات سياحية ودينية عالمية-.
وإنسانيًا، أبرزتُ معدن الشخصية المصرية البسيطة التي احتضنت العائلة الهاربة من بطش ملك غادر خشي أن يتزلزل عرشه على يد طفل مبارك، وأبرزت الجانب المتأصل في أخلاق المصريين من حيث الشهامة والمحبة والايثار وإغاثة الملهوف.
أما حضاريًا، فقد تجلت قيمة مصر كمركز إشعاع روحي وملاذ آمن؛ فالحضارة في نظري ليست جدرانًا صماء، بل هي منظومة أخلاقية ضاربة في عمق التاريخ. فمصر هي الغوث والملاذ الآمن دائمًا، لقد اخترتُ الإجابة على سؤال جوهري “لماذا اختار الوحي مصر دون سواها؟” من خلال استعراض هذه القيم السامية.
أنسنة الشخصيات
خلف كل نص عظيم رحلة طويلة من التقصي؛ ما العقبات التي كادت أن توقف تدفق قلمك أثناء الكتابة؟
استغرق التحضير وقتًا طويلًا من البحث في العهد القديم ونبوءاته. وكانت أصعب المحطات هي محاولة “أنسنة” وتجسيد الشخصيات التي عاصرت الرحلة، خاصة في المسافة الممتدة من بيت لحم إلى تل بسطا وسط الصحراء. عكفتُ على القراءة في دهاليز التاريخ حتى عثرت على شخصية مصاحبة للعائلة موثقة تاريخيًا عبر “أيقونة وحيدة”، وهي الشخصية التي دونتُ مصدرها في نهاية الكتاب، بالإضافة إلى شخصية اللص التائب.
غلاف المسرحية
هل اعتمدت في المسرحية على “البعد الملحمي” أم ذهبت إلى المسرح الغنائي والاستعراضي؟
المسرحية ذات طابع ملحمي بامتياز، تبدأ من الميلاد المجيد، ثم الوحي بالهروب، وصولًا إلى العودة بعد رحلة استمرت نحو ثلاث سنوات وسبعة أشهر. ونظرًا لثراء الأحداث وكثرة المزارات، اعتمدتُ تقنية التكثيف؛ حيث جعلت الكثير من التفاصيل تُروى على لسان “سالومي الداية أو القديسة سالومي” ابنة خالة السيدة مريم، مما أضفى حيوية وتركيزًا دراميًا على النص.
بين الروحاني والإنساني.. كيف استطعت بعث الروح في شخصياتك دراميًا لتتفاعل بهذا الصدق مع البيئة المصرية القديمة؟
كنتُ أرى الشخصيات بوضوح أمامي بكل انفعالاتها وأسمع أصواتها نتيجة الدراسة والمعايشة الطويلة. لقد سافرتُ عبر الزمن لأكثر من ألفي عام لأمزج بين الروحاني في المعجزات، والإنساني في مودة الناس تجاه العائلة، والاجتماعي في مشاعر الإيواء والتعاطف وحزن الفراق عند الانتقال من مكان لآخر.
قدسية الفصحى
انحزت لاستخدام الفصحى لغة للنص؛ هل كان ذلك تلبيةً لجلال الحدث أم لغايات أخرى؟
اللغة العربية الفصحى أكثر ما يليق بجلال القصة التاريخية ووقار شخصياتها. كما أن العمل يحمل طابعًا عالميًا، والفصحى تسهل وصوله لكل الشعوب الناطقة بالعربية، وتيسر ترجمته بدقة إلى اللغات الأخرى. وأرى أن الاستسهال في استخدام العامية هنا قد يؤثر سلبًا على جودة المحتوى الثقافي والإعلامي.
من خلال هذا العمل، ما هي الرسالة الفلسفية التي ترغب في غرسها في وجدان الأجيال الجديدة؟
رسالتي هي القراءة؛ فهي السبيل للارتقاء الإنساني وقبول الاختلاف. لقد بنى الله الكون على قانون الاختلاف: الليل والنهار والحر والبرد؛ لكي تستمر الحياة وتتكامل. ولو شاء تعالى لجعل الناس أمة واحدة، ولو حدث التشابه لتجمدنا وتجمدت الحركة وساد الملل. لهذا في الاختلاف رحمة وحياة ودوام. والقراءة تمنحنا الحكمة لنتعايش بسلام رغم تبايننا. وأقول للجيل الجديد: اقرأ اليوم وأنت في مقتبل العمر، فما تقرؤه الآن سيشكل وجدانك ويظل راسخًا في ذاكرتك للأبد.
بعد أن حصدت هذا التتويج.. ما هي الوجهة القادمة لمشروعك الإبداعي؟
أعكف حاليًا على إعداد بعض المشاريع الفنية الجديدة، وأرجو من الله التوفيق في خروجها للنور بالشكل الذي يليق بالقارئ العربي.
اقرأ أيضا:
عمرو العادلي: لا أؤمن بالوحي والقوى الكبرى تحتضر
رنا هاني: “دائرة الأمان” درع لحماية الطفل
سعيد شحاتة: “فريدة” جدارية وجع.. أشفق على مقتنيها
بعد فوزها.. الشرقاوي تكشف أسرار “ترنيمة عصفور أزرق”
هناء متولي: هكذا تتحول الغرفة الضيقة لأفق للتنفس
الأمثال الشعبية.. بوصلة أخلاقية في عالم التجارة والأعمال

