
على أنغام “يا كحك العيد يا احنا.. يا بسكويت يا احنا”، تعيش البيوت المصرية حالة من الاستنفار “الحلو”، حيث تفوح روائح السمن البلدي والمخبوزات لتعلن اقتراب ساعة الصفر. ورغم غزو المحلات الكبرى والبراندات الشهيرة للأسواق بتشكيلات “مودرن”، إلا أن رائحة “خبيز الدار” لا تزال تقاوم، لتظل صينية الكعك هي البطل غير المتوج لليلة العيد، وجسر التواصل بين الأجيال.
طقوس الخبيز
لم يكن كحك العيد يوماً مجرد “حلوى” تؤكل، بل هو طقس اجتماعي تتوارثه الحفيدات عن الجدات. ففي أحياء السيدة زينب والحسين، وبمنطقة شبرا ومحافظات الأقاليم، لا تزال “المنقاش” والنقش اليدوي هما سيدي الموقف. تجتمع الجارات والقريبات في “مظاهرة حب”، حيث يتوزع الأدوار بين “عجن الدقيق” و”النقش” و”الرص في الصاجات”، وصولاً إلى مرحلة “الفرن البلدي” التي تضفي على الكعك مذاقاً لا تجده في أفخم المحلات.
هذا العام، رصدت “صوت البلد” عودة قوية لـ“خبيز البيت” كنوع من الحنين للماضي، وأيضاً كمحاولة لضبط الميزانية في ظل ارتفاع أسعار الجاهز؛ فالكعك البيتي يمنح الأسرة “بركة” في الكمية وجدوى اقتصادية، فضلاً عن ضمان جودة المكونات من سمن ودقيق ومكسرات، لتظل “فرحة العجين” في يد الأطفال هي الذكرى التي لا تشترى بالمال.
بورصة الحلويات
على الجانب الآخر، اشتعلت المنافسة في “بورصة الحلويات” بالأسواق والمولات الكبرى؛ فهذا العام، لم يقف الكعك عند حد “الملبن والعجمية”، بل اقتحمت نكهات “اللوتس” و”الريد فيلفيت” و”النوتيلا” المشهد، لتخاطب ذوق جيل “الزيد” والشباب. وتسابقت المحلات في تقديم علب “هدايا العيد” بتصاميم فاخرة، وصلت أسعار بعضها إلى أرقام فلكية، خاصة تلك التي تضم “البيتي فور” المزين بالشوكولاتة السويسرية والمكسرات المحمصة.
“الغريبة” و”البيتي فور” و”البسكويت بالنشادر” شكلوا مثلث الرعب لجيوب المواطنين، حيث سجلت الأسعار ارتفاعات متفاوتة بحسب المنطقة ونوع السمن المستخدم. ورغم ذلك، شهدت السلاسل الشهيرة زحاماً من المواطنين الذين يفضلون “الراحة” وشراء الجاهز لضمان الشكل الجمالي والوقت، وسط عروض وتخفيضات “اللحظات الأخيرة” التي تجذب المتسوقين في ليلة الوقفة.
أسرار الصنعة
سر نجاح كحك العيد يكمن في “النفس” والمقادير الدقيقة؛ إذ إن الخبراء يؤكدون أن “السمن المقدوح” هو سر الكعكة الناعمة التي تذوب في الفم، بينما “البيتي فور” يتطلب زبدة باردة لضمان القوام الهش. وفي المحافظات، يظل “بسكويت النشادر” هو رفيق الشاي الأول في صباح العيد، حيث يتسابق الجميع على غمسه في الكوب الدافئ عقب صلاة العيد مباشرة.
ولم تخلُ نصائح خبراء التغذية من التحذير السنوي المعتاد؛ فجمال الكعك يكمن في مذاقه لا في كثرته، خاصة مع السعرات الحرارية العالية التي قد تفسد فرحة العيد بمتاعب صحية. ورغم التحذيرات، يبقى “طبق المشكل” هو الراعي الرسمي لضيافة المصريين، والرسالة الصامتة التي تقول لكل زائر: “كل سنة وأنت طيب.. نورتنا في العيد”.
سيمفونية الصاجات
لا يكتمل مشهد ليلة العيد إلا بذاك “الضجيج المحبب” الناجم عن رص الصاجات المعدنية فوق بعضها البعض. ففي الممرات الضيقة والحارات، تحولت الصاجات السوداء الكبيرة إلى “نوتة موسيقية” تعلن قدوم الفرحة؛ حيث يتسابق الجيران في إعارة “صاجاتهم” لبعضهم البعض في تكافل اجتماعي عفوي؛ إذ إن مشهد “ترزية الكعك” وهم يحملون الصاجات فوق رؤوسهم بخفة ومهارة، متوجهين بها نحو الأفران، صار أيقونة مصرية بامتياز، تعكس حالة من الصبر والبهجة في انتظار نضوج “اللقمة الحلوة” التي تعبوا في عجنها ونقشها لساعات.
فرحة الصغار
أما الأبطال الحقيقيون لهذا المشهد فهم الأطفال، الذين وجدوا في “طبلية العيد” ساحة للعب والابتكار. بملابسهم التي تلطخت بقليل من الدقيق، وجلساتهم القرفصاء حول الأمهات، تحول العجين في أيديهم إلى أشكال هندسية وعصافير صغيرة تعبر عن براءتهم؛ ففرحة الطفل وهو يمسك “بالمنقاش” ليضع بصمته الخاصة على قطعة كعك، أو وهو ينتظر خروج صاج “البسكويت” من الفرن ليلتقط أول قطعة ساخنة، هي الفرحة الحقيقية التي لا تضاهيها أغلى الألعاب الإلكترونية، حيث ينمو لديهم الشعور بالانتماء لطقوس العائلة ودفء البيت.
طوابير الأفران
ومع اقتراب منتصف الليل، تحولت “أفران المنطقة” إلى خلية نحل لا تنام، حيث اصطفت طوابير الصاجات في مشهد مهيب ينتظر دور “التسوية”.. “الفرّان” في هذه الليلة هو الملك المتوج، يمتلك سر الصنعة ودرجة الحرارة المثالية التي تحول العجين الشاحب إلى ذهب خالص.. روائح “المحلب” و”السمسم” الممتزجة بحرارة الفرن ملأت الشوارع، لتخلق حالة من السكر الطبيعي في الهواء، تجعل المارة يتبادلون التهاني والابتسامات حتى دون سابق معرفة، فالرائحة وحدها كفيلة بفتح أبواب القلوب وتصفية النفوس.
طقوس التوزيع
ولم تنتهِ الرحلة عند خروج الصاجات من الفرن، بل بدأت مرحلة “التحلية” بالسكر البودرة وتنسيق الأطباق. ففي تقليد مصري أصيل، بدأت العائلات في تبادل “أطباق الكعك” بين الجيران؛ “طبق من عندنا وطبق من عندكم”. إذ إن هذا التبادل ليس مجرد تذوق للمذاق، بل هو رسالة مودة تعمق الروابط الاجتماعية؛ فكل “نفس” في الخبيز يحمل معه دعوات بالخير والبركة، لتتحول قطعة الكعك البسيطة إلى وسيلة صلح بين المتخاصمين، وتأكيد على أن “كحك العيد” لا يحلو إلا إذا شاركنا فيه الأهل والجيران.
