
أفادت بلومبيرغ بأن المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران أخذت منحى اقتصاديًا أكثر وضوحًا، بعدما انتقل جزء كبير من أثرها إلى أسواق الطاقة، في ظل تصاعد الهجمات على البنية التحتية النفطية في الخليج وتزايد المخاوف من اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز. ومع تعاملات الثلاثاء، تجاوز خام برنت مستوى 104 دولارات للبرميل، فيما جرى تداول خام غرب تكساس الوسيط قرب 97 دولارًا، وسط تقلبات حادة تعكس ارتفاع علاوة المخاطر في السوق.
وبحسب الوكالة، فإن جوهر الأزمة لم يعد عسكريًا فقط، بل بات مرتبطًا بقدرة السوق على الحفاظ على تدفق الخام والغاز من الخليج. فكلما اتسع نطاق الاستهداف ليشمل الحقول والموانئ وخطوط الشحن، ارتفعت احتمالات نقص المعروض، وهو ما يدفع الأسعار للصعود حتى من دون توقف كامل للصادرات. كما يزداد الضغط على الولايات المتحدة مع انتقال الأزمة من ساحة القتال إلى كلفة الوقود والشحن والتأمين والطيران.
ويكتسب مضيق هرمز هذه الحساسية لأنه أحد أهم الممرات النفطية في العالم. ووفق وكالة الطاقة الدولية، مر عبر المضيق في 2025 نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية، بما يعادل قرابة 25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، فيما تمر عبره أيضًا نسبة تقارب 19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب فيه كفيلًا بإرباك الأسواق العالمية على الفور.
وتزداد المخاوف لأن البدائل المتاحة تبقى محدودة. فوكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن القدرة البديلة عبر خطوط الأنابيب خارج المضيق تتراوح بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يوميًا فقط، وهي أقل بكثير من الكميات التي تعبر هرمز عادة. وهذا يعني أن أي تعطيل ممتد لن ينعكس على الأسعار فقط، بل قد يضغط على الإمدادات الفعلية في عدد من الأسواق، خاصة في آسيا التي تستقبل الجزء الأكبر من الخام العابر للمضيق.
وفي تطور ميداني يفسر جزءًا من القفزة السعرية، ذكرت بلومبيرغ أن العمليات في حقل شاه للغاز في الإمارات تم تعليقها، كما توقفت مجددًا تحميلات الخام في ميناء الفجيرة، وهو منفذ رئيسي لتصدير النفط خارج مضيق هرمز. وتُظهر هذه التطورات أن الاستهداف لم يعد نظريًا أو مرتبطًا فقط بتهديدات الملاحة، بل امتد إلى منشآت إنتاج وتصدير ذات أثر مباشر في السوق.
تحد مزدوج
وترى بلومبيرغ أن هذه التطورات تضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أمام تحد مزدوج: احتواء التصعيد الأمني من جهة، ومنع انفلات أسعار الطاقة من جهة أخرى. ولهذا كثف ترمب دعواته لحلفاء الولايات المتحدة للمساعدة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، غير أن الاستجابة الدولية بدت حتى الآن محدودة، مع تردد واضح لدى عدد من الشركاء الأوروبيين والآسيويين في الانخراط عسكريًا في هذا المسار.
ولا تقف التداعيات عند سوق الخام وحده، إذ تشير التقديرات الدولية إلى أن اضطراب الملاحة في الخليج يضغط أيضًا على أسواق المشتقات والغاز والشحن البحري. كما أن استمرار القلق في سوق الطاقة يربك حسابات البنوك المركزية الكبرى، لأن صعود النفط يهدد بإحياء الضغوط التضخمية ويؤثر في مسار أسعار الفائدة والنمو العالمي خلال الأشهر المقبلة.
وفي محاولة لاحتواء الصدمة، أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن الدول الأعضاء اتفقت في 11 مارس 2026 على إتاحة 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة للأسواق، في أكبر تحرك من نوعه في تاريخ الوكالة، بهدف تخفيف أثر اضطراب الإمدادات الناجم عن الحرب. غير أن الوكالة شددت على أن العامل الحاسم يبقى عودة العبور المنتظم والآمن عبر مضيق هرمز، لأن الاحتياطيات وحدها لا تكفي لمعالجة أزمة طويلة الأمد إذا استمرت المخاطر الميدانية.
وبذلك، لم تعد الحرب على إيران تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، بل بقدرتها على تحويل النفط إلى أداة ضغط اقتصادي واسعة التأثير، تمتد من محطات الوقود إلى شركات الطيران، ومن معدلات التضخم إلى قرارات الفائدة، بما يجعل أسواق الطاقة في قلب المواجهة.
المحرر الاقتصادي
