
في مشهد إنساني مهيب، يختلط فيه الفخر بالدموع، والوفاء بسنوات الكفاح، أكدت أ.د/ نهلة الصعيدي، مستشار شيخ الأزهر لشؤون الوافدين، أن الأزهر الشريف لا يمنح خريجيه شهادة طب فحسب، بل يزرع في ضمائرهم رسالة أخلاقية وهوية إنسانية تجعل من الطبيب الأزهري حاملًا للأمانة قبل أن يكون صاحب مهنة، مشددة على أن تخرج طلاب الطب الوافدين يمثل انتقالًا حقيقيًا من مرحلة التلقي إلى فضاء المسؤولية، حيث تصبح حياة الإنسان وكرامته في صدارة الواجب.
لحظة فارقة
قالت د.نهلة الصعيدي إن يوم التخرج ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل محطة مفصلية في مسيرة العمر، ينتقل فيها الخريجون من مقاعد الدراسة إلى ساحات المسؤولية، ومن حدود المعرفة النظرية إلى الأمانة العملية، حيث يصبح الإنسان أمانة في الأعناق، والحياة وديعة بين الأيدي.
وأضافت، خلال حفل تخرج الطلاب الوافدين من كلية الطب بجامعة الأزهر، أن اختيار دراسة الطب هو اختيار لرسالة عظيمة ومسؤولية جسيمة، مؤكدة أن الطب رسالة إنسانية لا تنتهي بانتهاء ساعات العمل، وأن الطبيب الحقيقي يدرك أن خلف كل ملف مريض قصة إنسان، وخلف كل شكوى قلبًا خائفًا وأسرة تتألم.
خصوصية أزهرية
وأوضحت مستشار شيخ الأزهر لشؤون الوافدين أن خصوصية هذا اليوم تتضاعف لأن الخريجين تخرجوا في رحاب الأزهر الشريف، الذي لم يكن يومًا مجرد جامعة، بل ضمير الأمة الحي ومرجعها العلمي والأخلاقي، ومنارة الاعتدال والوسطية عبر أكثر من ألف عام.
وأشارت إلى أن الأزهر جمع بين علوم الدين وعلوم الدنيا، وربط العلم بالإيمان، والمعرفة بالأخلاق، فجعل من الإنسان غاية لكل علم، ومن عمارة الأرض مقصدًا لكل فكر.
رحلة الوافدين
وتابعت «الصعيدي» أن الطلاب الوافدين قدموا إلى مصر حاملين الشغف، تاركين أوطانهم وأهلهم طلبًا للعلم، إيمانًا بأن الأزهر يستحق الرحلة، وأن العلم الذي يُؤخذ فيه علم مشبع بالقيم والإنسانية.
وأكدت أن الخريجين وهم يقفون على منصة التخرج يحملون هوية أزهرية عالمية، ورسالة أخلاقية عظيمة، وثقة كبرى منحها لهم هذا الصرح العريق.
وشددت على أن الطبيب الأزهري ليس طبيبًا عاديًا، لأنه تربى على أن حفظ النفس مقصد شرعي، وأن كرامة الإنسان مقدمة على كل اعتبار، وأن الرحمة قوة لا ضعف.
ضمير إنساني
وبيّنت أن الأزهر علّم طلابه كيف يُصغون إلى أنين الإنسان، ويفهمون الألم بأبعاده الجسدية والنفسية والاجتماعية، وكيف يكون الطب رسالة رحمة لا مجال فيها للتجارة أو الاستغلال. فالعالم يشهد تقدمًا تقنيًا طبيًا متسارعًا، لكنه يعاني في الوقت ذاته فقرًا في القيم، واختلالًا في العدالة الصحية، وتفاوتًا بين من يملك العلاج ومن يُحرم منه.
وأضافت أنه للأسف أصبح الطب في بعض البيئات سلعة، وتحوّل المريض إلى رقم، وتراجع البعد الإنساني أمام منطق الربح والمصلحة.
وأكدت أن هذه التحديات تبرز الحاجة إلى الطبيب الأزهري، الذي لا يقيس نجاحه بعدد العمليات، بل بقدر ما يزرع من طمأنينة، ويحفظ من كرامة، ويخفف من معاناة، وأشارت إلى أن الطبيب الأزهري يستحضر في عمله قول الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}، فيجعل من مهنته عبادة، ومن علمه أمانة.
وقدمت «الصعيدي» ثلاث وصايا جامعة، مؤكدة أن التخرج هو بداية التعلم لا نهايته، وأن الأخلاق روح المهنة، وأن الإنسان يجب ألا يُنسى، مع ضرورة الاقتراب من الفقراء ومساندة الضعفاء.
وتابعت أن الخريجين سيعودون إلى أوطانهم حاملين علم الأزهر وفكره المعتدل، داعية إياهم إلى أن يكونوا سفراء خير، وبناة جسور، وعناوين أمل.
رسالة عالمية
وأكدت أن رسالة الطبيب لا تعرف حدودًا أو أعراقًا أو أديانًا، فحيثما وجد الإنسان، هناك ميدان الطبيب، وحيثما وجد الألم، هناك رسالته.
واختتمت مستشار شيخ الأزهر لشؤون الوافدين كلمتها بالتأكيد على أن الأزهر يزف خريجيه إلى ميادين العمل مطمئنًا، واثقًا بأنهم سيحفظون العهد ويصونون الأمانة، ويرفعون اسم الأزهر بأخلاقهم قبل مهاراتهم، وبإنسانيتهم قبل شهاداتهم.
