البلد خانةسليدر

27 دائرة بـ10 محافظات تحسم “النصاب” البرلماني

مشهدٌ يفيضُ بالدلالات الوطنية، ويؤكدُ رسوخَ التجربة الديمقراطية في وجدان الدولة المصرية، حيث طوت مصر الفصل الأخير من ملحمة انتخابات مجلس النواب؛ فبين جنبات عشر محافظاتٍ عريقة، وفي قلب سبعٍ وعشرين دائرة انتخابية، كانت صناديق الاقتراع هي المنبر والميزان، حيث تدفقت جموع الناخبين لتكتب بمداد الإرادة الحرة ملامح غدها التشريعي، إذ إن ختام هذه الجولة الحاسمة لا يمثل مجرد نهاية لمنافسةٍ انتخابية، بل هو إعلانٌ عن اكتمال عِقد السيادة الشعبية، وانطلاقةٌ واثقة نحو فجرٍ برلماني جديد، ينهضُ بأمانة الكلمة وجسامة المسؤولية، ليُجسد تحت قبة البرلمان طموحاتِ شعبٍ آمن بأن صوته هو حجر الزاوية في بناء مستقبله.

مع دقات التاسعة من مساء يوم الأحد، الرابع من يناير 2026، أُغلقت صناديق الاقتراع في 27 دائرة انتخابية، لتنتهي بذلك واحدة من أكثر الجولات الانتخابية حسمًا في تاريخ مجلس النواب المصري. هذه الجولة، التي امتدت عبر 10 محافظات، لم تكن مجرد تكملة لعدد المقاعد، بل كانت “معركة نَفَس طويل” اختار فيها الناخبون من يمثل صوتهم تحت قبة البرلمان في مرحلة فارقة من عمر الوطن.

تفاصيل المشهد الانتخابي

على مدار يومين، شهدت لجان الاقتراع تدفقاً منظماً عكس إصرار الشارع على استكمال المسار الدستوري. وفي محافظات كبرى كالجيزة والبحيرة وأسيوط، فرضت الروح التنافسية نفسها على المشهد، حيث سعى كل مرشح لاستقطاب الكتلة التصويتية الحرجة في الساعات الأخيرة. ورغم سخونة المنافسة في الدوائر السبع والعشرين، إلا أن الانضباط الأمني والحياد القضائي كانا هما الضمانة التي منعت خروج المشهد عن مساره القانوني.

تفاصيل خريطة دوائر “الإعادة”

تصدرت محافظة الجيزة المشهد الانتخابي بست دوائر شملت البدرشين، بولاق الدكرور، العمرانية، الأهرام، أول أكتوبر، ومنشأة القناطر، تلتها محافظة المنيا بخمس دوائر هي قسم أول المنيا، مغاغة، أبو قرقاص، ملوي، ودير مواس. وفي محافظة البحيرة، احتدمت المنافسة في أربع دوائر ضمت المحمودية، حوش عيسى، الدلنجات، وكوم حماده.

أما في صعيد مصر، فقد توزعت جولات الإعادة في أسيوط بين دوائر قسم أول أسيوط والقوصية وأبو تيج، وبالتساوي مع محافظة أسوان التي شهدت منافسات في قسم أول أسوان ونصر النوبة وإدفو، فيما اقتصرت جولة الحسم في الأقصر على دائرتي القرنة وإسنا.

واكتملت الخريطة الانتخابية بدوائر منفردة شهدت حراكاً واسعاً، شملت دائرة المنتزه بمحافظة الإسكندرية، ودائرة سنورس بالفيوم، ودائرة البلينا بسوهاج، وصولاً إلى دائرة الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، ليواري الستار بذلك على تشكيل ملامح المجلس النيابي الجديد وسط ترقب لإعلان النتائج النهائية الرسمية.

المشاركة الشعبية

لم تغب “الكتلة الحرجة” عن المشهد؛ حيث سجلت غرف العمليات حضوراً ملحوظاً للمرأة المصرية التي أثبتت مجدداً أنها المحرك الأساسي للعملية الانتخابية، كما برز دور الشباب في لجان المدن، بينما حافظت التحالفات العائلية والقبلية على ثقلها في دوائر الصعيد والوجه البحري، مما أعطى للعملية طابعاً يجمع بين الحداثة الرقمية والولاءات التقليدية.

بانتهاء التصويت اليوم، تبدأ لجان الفرز الفرعية في إحصاء الأصوات، لتبدأ مرحلة “حبس الأنفاس” لدى المرشحين ومؤيديهم. وبينما تترقب الأوساط السياسية النتائج الرسمية التي ستعلنها الهيئة الوطنية للانتخابات يوم السبت المقبل (10 يناير)، يبدو واضحاً أن البرلمان القادم سيشهد تنوعاً كبيراً يعكس موازين القوى التي تشكلت خلال هذه الجولة الحاسمة.

حسم المقاعد

لم تكن الساعات الأخيرة من اليوم الأخير مجرد وقت ضائع، بل تحولت إلى “ساعة ذروة” انتخابية، حيث كثف المرشحون ومندوبوهم جهودهم لحث الناخبين المترددين على النزول. وفي الدوائر التي شهدت منافسة شرسة بين أسماء لها ثقل سياسي وتاريخي، كان الرهان الحقيقي على قدرة كل طرف في تحريك كتلته التصويتية الصلبة، مما خلق حالة من الحراك الذي لم يهدأ إلا بصدور قرار إغلاق الصناديق وبدء عمليات الجرد.

الرقابة والشفافية

على الجانب التنظيمي، أثبتت غرف العمليات المركزية فاعلية عالية في التعامل مع أي معوقات لوجستية بشكل فوري، مما حال دون وقوع أي تعطل لمسار التصويت. وقد ساهم الوجود المكثف للمراقبين من منظمات المجتمع المدني، إلى جانب التغطية الإعلامية الواسعة، في إضفاء طبقة من الشفافية طمأنت الناخب والمرشح على حد سواء، وجعلت من “صندوق الاقتراع” الحكم الوحيد والنهائي في هذه الخصومة السياسية الشريفة.

بانتهاء هذه الجولة، يستكمل مجلس النواب نصابه القانوني، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل الرقابي والتشريعي؛ إذ إن هذه المقاعد التي حُسمت في المحافظات العشر ستكون حجر الزاوية في تشكيل التوازنات داخل البرلمان القادم، حيث ينتظر الشارع من هؤلاء النواب أن يكونوا صوتاً حقيقياً لقضاياهم الملحة، خاصة في ملفات الاقتصاد والخدمات، وترجمة هذه الجولات الانتخابية المرهقة إلى واقع ملموس يخدم المواطن البسيط.

لقد أثبتت جولة الإعادة في يناير 2026 أن المواطن المصري بات يدرك قيمة صوته كأداة للتغيير والرقابة، وبإسدال الستار على هذه الانتخابات، تنتقل الكرة الآن من ملعب الناخبين إلى ملعب النواب؛ بانتظار أداء برلماني يوازي حجم التحديات والطموحات المعقودة عليه.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=11068

موضوعات ذات صلة

مدير معهد البساتين: زراعة النباتات الطبية والعطرية تواجه التغيرات المناخية

المحرر

مقترحات حزبية بشأن قانون الإيجار القديم

المحرر

محمد الشافعي: القضية الفلسطينية هي القضية المركزية في أدب المقاومة

المحرر

الأحزاب تشيد بإحباط مخطط حسم الإرهابي

المحرر

مأوى الصيادين” بالقباري: من العشوائية إلى الحياة الكريمة

أيمن مصطفى

زيادة جديدة في أسعار السجائر

المحرر