
في عالم يغرق في بحر من الخوارزميات والشاشات التي تملأ كل زاوية من حياتنا، وحيث أصبحت التكنولوجيا تحدد اختياراتنا اليومية وتتنبأ برغباتنا، يبرز سؤال وجودي ملح يفرض نفسه بإلحاح: هل لا يزال للحب الحقيقي مكان؟ هذا المقال لا يبحث في الرومانسية الحالمة، بل يغوص في تحليل اجتماعي عميق لمفهوم الحب كضمانة وحيدة لعدم تحولنا إلى مجرد “أرقام” في قاعدة بيانات ضخمة، مؤكداً أن الأمان النفسي والاستثمار في الإنسان هما العملة الأغلى في زمن بات يقدس “الكمال الزائف” ويسعى خلف الشغف العابر.
لغة صامتة
بينما ينشغل العالم بتطوير تقنيات الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي لخلق تجارب حسية مصطنعة، ننسى أن جوهر الحب يكمن في تلك المنطقة التي لا تصلها الألياف البصرية؛ في نظرة طمأنينة لا تلتقطها العدسات، وفي صمت مشترك يغني عن ألف رسالة نصية مزينة بالرموز التعبيرية (Emojis)؛ فالحب الحقيقي هو “مساحة خاصة” غير قابلة للاختراق، هو تلك اللحظات التي نقرر فيها إغلاق الشاشات لنفتح قلوبنا، مدركين أن الدفء البشري هو التكنولوجيا الوحيدة التي لا يمكن محاكاتها أو استبدالها.
فعل “مقاومة” ضد التنميط
إن اختيارك لأن تحب بصدق في زمن الزيف هو في حد ذاته “فعل مقاومة”؛ فأنت تقاوم تحويل مشاعرك إلى بيانات تُباع وتُشترى، وتقاوم اختزال إنسانيتك في صورة “بروفايل” مثالية؛ فالحب هو الثورة الهادئة ضد عزلة المدن الإسمنتية وضد جفاف الأرقام؛ إنه المحرك الذي يجعلنا نتحمل مشاق الحياة المادية بقلب جسور؛ فإذا أردت أن تعرف حجم حريتك في عام 2026، انظر إلى قدرتك على العطاء دون انتظار “إعجاب”، وعلى التمسك بالآخر حين تدعوك كل الظروف للتخلي.
الحب ليس “تريند”
لقد علمتنا تجارب السنوات الأخيرة أن الحب الذي يُعرض في “الفيديوهات القصيرة” والمقاطع المجتزأة غالباً ما يكون قشوراً لا تصمد أمام أول عاصفة اجتماعية؛ فالحب الحقيقي في مفهومنا المعاصر هو “الاستثمار في الإنسان”؛ فهو تلك القدرة على رؤية الآخر بعيوبه قبل مميزاته، وقبوله في عالم بات لا يقبل إلا “الكمال الزائف”.
إن الدراسات الاجتماعية تشير إلى تحول كبير في مفهوم العلاقات؛ فبعد سنوات من الركض وراء “الشغف المشتعل”، بدأ جيل الشباب يدرك أن “الأمان النفسي” هو العملة الأغلى. أن تجد شخصاً يمثل لك “الوطن” في زمن القلق العالمي، هو أعظم انتصار يحققه الإنسان؛ فالحب اليوم هو “الاستماع” في زمن الصراخ، و”الاحتواء” في زمن التخلي.
الحب كمسؤولية اجتماعية
بعيداً عن الرومانسية الحالمة، الحب هو “فعل اجتماعي” بامتياز؛ فهو الخلية التي تبني أسرة متماسكة، والأسرة هي الدرع الذي يحمي المجتمع من التفكك؛ فعندما نحب، نحن لا نسعد أنفسنا فقط، بل نضخ في عروق المجتمع دماءً من الرحمة والتكافل، وهو ما نحتاجه بشدة لمواجهة ضغوط الحياة المعيشية والمادية التي يفرضها واقعنا الراهن.
مفهوم “العشرة” الحديثة
لم يعد الصدام بين جيل الأمس وجيل اليوم مجرد اختلاف في العادات، بل هو صدام في المفاهيم الجوهرية لمعنى “الصبر العاطفي”. ففي حين كان الرعيل الأول يرى في العلاقات “بناءً وترميماً”، يميل المجتمع المعاصر المتأثر بثقافة “الاستبدال الفوري” إلى التخلص من العلاقات عند أول خدش. إن التحدي الاجتماعي الأكبر اليوم هو إعادة إحياء مفهوم “العشرة” بمعناها العميق، لا كقيد، بل كاستثمار طويل الأمد يمنح الفرد جذوراً ثابتة في تربة اجتماعية قلقة، ويحول دون تحول المجتمع إلى جزر معزولة من الأفراد التائهين.
اقتصاديات المشاعر
لا يمكن فصل الحب عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يحيط به؛ فالحب في مفهومه الناضج هو “تضامن اقتصادي” قبل أن يكون كلمات منمقة؛ ففي ظل ضغوط الحياة المعيشية المتزايدة، يتحول الشريك الصادق إلى “شريك كفاح”، حيث يصبح الدعم المتبادل هو الحصن الذي يحمي الأسرة من الانهيار تحت وطأة الماديات؛ حيث إن المجتمعات التي تروج للحب كرفاهية فقط، تتناسى أنه في الحقيقة هو “شبكة أمان اجتماعي” فطرية، تساهم في تقليل نسب القلق والاكتئاب، وتخفف من حدة التوحش المادي الذي يفرضه واقعنا الراهن.
من الناحية الاجتماعية، أحدثت “المثالية الزائفة” المصدرة عبر الشاشات فجوة في الرضا الزوجي داخل البيوت؛ فمقارنة الواقع اليومي البسيط بصور “التريند” اللامعة خلقت حالة من الاغتراب العاطفي؛ إذ إن الدور الاجتماعي للحب اليوم هو كسر هذا القالب، وإعادة الاعتبار “للعادي والمألوف”؛ فالجمال الحقيقي يكمن في تفاصيل الحياة اليومية المشتركة، وفي القدرة على احتواء الضعف البشري بعيداً عن أضواء الشهرة الافتراضية، إذ إن الحب الذي ينجح اجتماعياً هو ذلك الذي يعترف بأننا “بشر نخطئ” وليس “أيقونات لا تُمس”.
“وانقلب السحر..” في الحب أيضاً
حتى في الحب، يرتد المكر على صاحبه. فمن يدخل علاقة بنية “الاستهلاك” أو التلاعب بمشاعر الآخرين، يجد نفسه وحيداً، محاطاً بآلاف المتابعين الوهميين لكن دون قلب واحد صادق. لقد أثبتت الأيام أن “الصدق العاطفي” هو السحر الوحيد الذي لا ينقلب على صاحبه، بل يزيده نوراً واستقراراً.
