
بين مطرقة الشائعات وسندان النسيان، يبرز دور الصحفي كحارس للتاريخ ومحقق لا يهدأ. وفي هذا الحوار، نلتقي بالكاتب الصحفي خليل زيدان، في لقاء يأتي احتفاءً بتكريمه مؤخراً من قبل نقابة الصحفيين؛ تقديراً لنجاحه المستحق في الوصول إلى القائمة القصيرة لجائزة “إحسان عبد القدوس” لعام 2025 عن فئة السبق الصحفي.
آمن “زيدان” بأن الكلمة أمانة، وأن التاريخ لا يُكتب بالأهواء بل بالبرهان؛ لذا يأخذنا في رحلة بدأت بمكالمة هاتفية عابرة، وانتهت بإنصاف الشاعر الكبير “محمود فهمي إبراهيم”، كاشفاً زيف الروايات المتداولة، ومؤكداً أن “سر الصنعة” يكمن في كيفية تضفير الوثيقة بالتحليل الرشيق.
حوارٌ يغوص في كواليس البحث داخل الأرشيفات المنسية، ويستعرض معارك الوعي لاسترداد كرامة رموز الفن والأدب، ليقدم رسالة ملهمة للأجيال الجديدة حول قدسية الحقيقة في زمن يضج بالمعلومات المغلوطة.. وإلى نص الحوار:
الوصول للقائمة القصيرة يعني أن العمل كان قاب قوسين أو أدنى من الجائزة الأولى؛ هل تعتبر هذا التقدير انتصاراً لصحافة التوثيق والبحث في الأرشيف؟
بالفعل، يعد التكريم أو التقدير انتصاراً وإنصافاً لصحافة البحث والتوثيق، والإنصاف الأكبر كان الفوز بالجائزة الأولى؛ لأن هناك من يرى أن البحث والتوثيق في كنوز الماضي “شغل أرشيف”!
موضوعك الفائز كان بعنوان “الشاعر محمود فهمي إبراهيم صحفي وليس ماسح أحذية”؛ ما الذي دفعك للنبش في هذه القضية وتصحيح تلك الرواية التاريخية؟
بدأت قضية الشاعر محمود فهمي إبراهيم معي منذ أن دُعيت للحديث عنه في حلقة تليفزيونية؛ وأثناء التحضير غمرني شعور بأن هذا الرجل شاعر متمرس ومتمكن، وليس هاوياً يمتهن مهنة ويتخذ الشعر هواية، فمن خلال تحليل أعماله قلت إن الرجل ليس ماسحاً للأحذية، فقد بحثت في أرشيف مؤسسة دار الهلال عن ملف له، فلم أجد أي قصاصة عنه أو صورة له، ومن عادتي ألا أتحدث أو أكتب إلا من خلال الوثائق.
كيف عثرت على الوثيقة الأدبية التي كانت “كلمة السر” في تغيير الصورة الذهنية عن الشاعر الراحل؟ وما هي الصعوبات التي واجهتك لإثبات صحتها؟
الوثيقة الأولى التي دفعتني للنبش في تلك القضية كانت مكالمة من المهندس عادل ابن الشاعر محمود فهمي إبراهيم، فقد اتصل بي ليشكرني على إنصاف والده في الحلقة التليفزيونية، وأكد لي أنني محق فيما قلته وأن والده لم يكن ماسحاً للأحذية بل كان فقط شاعراً وصحفياً وأيضاً من مؤسسي جمعية المؤلفين والملحنين.. ومنه بدأت رحلتي بحوار مسجل ثم ذهبت إلى جمعية المؤلفين والملحنين للتأكد أولاً من صدق أقواله وثانياً للحصول على وثائق عن الشاعر محمود فهمي إبراهيم، وهناك وجدت كل ما يثبت أن الرجل شاعر ولا علاقة له بمسح الأحذية مع كامل احترامي لكل المهن الشريفة.. ولم تكن هناك صعوبات في النشر لإثبات الحقيقة، بل كان هناك ترحيب من الدكتور محمد الباز للنشر في جريدة الدستور.
في موضوعك، انتصرت لكرامة “المثقف” والصحفي؛ هل تعتقد أن دور الصحفي اليوم هو “رد الاعتبار” لمن ظلمهم التاريخ أو الروايات الشفهية؟
يلعب الصحفيون والإعلاميون دورًا هامًا في تقديم معلومات دقيقة للجمهور، ومن بين أدوارهم التحقق من الشائعات وتوضيح الحقائق المتعلقة بالشخصيات العامة، مثل نجوم الفن والأدب؛ حيث يتطلب هذا الدور البحث الدقيق، والاعتماد على مصادر موثوقة، وتقديم الأدلة التي تدعم المعلومات المنشورة؛ إذ يُعد هذا جزءًا أساسيًا من المسؤولية المهنية للصحفي والإعلامي لضمان المصداقية ومكافحة المعلومات المضللة، خاصة في ظل انتشار الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
الجائزة مرتبطة بـ”السبق الصحفي”؛ في عصر السرعة، كيف يمكن للصحفي أن يحقق سبقاً من خلال “الوثائق القديمة” وليس الأخبار العاجلة؟
يمكن لأي صحفي أن يأتي بسبق أو انفراد من الوثائق القديمة من خلال عدة نقاط؛ أولاً: أن تكون له رؤية وينظر لأحداث الماضي من زاوية أخرى، ثانياً: أن يجيد البحث عن كل الوثائق الصحفية التي تغطي الحدث، ثالثاً: أن يدعم الموضوع بتحليل رشيق من إبداعه، فمثلاً يمكن لأي صحفي تحقيق سبق لو عثر على وثائق أو أدلة تؤكد أن هناك متورطين في حادث غرق أسمهان أو سقوط طائرة كاميليا وغيرها من الأحداث المبهمة.
اقتران اسمك باسم الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس في هذا التكريم؛ ماذا يضيف لمسيرتك المهنية؟
يعتبر ذلك إضافة إلى مسيرتي الصحفية؛ فمعنى الوصول إلى القائمة القصيرة لجائزة إحسان عبد القدوس هو بمثابة الفوز بالجائزة التي تحمل اسم هذا الأديب والكاتب الكبير، ومن قبله كانت أم كلثوم التي نلت جائزة الصحافة عن سيرتها في 2020، ويعتبر ذلك تحقيقاً لنجاحات في مشواري.
لقد أثبتَّ من خلال موضوع الشاعر محمود فهمي أن “الوثيقة” هي الحقيقة الوحيدة؛ هل ترى أن أرشيفنا المصري ما زال يخفي الكثير من الكنوز التي لم تكتشف بعد؟
نعم، الوثيقة هي الحقيقة الوحيدة، وقد تكون صحفية أو صوتية “إذاعية” أو مرئية.. وبالفعل أرشيفنا الصحفي والإذاعي والتلفزيوني مليء بالكنوز والجوانب الخفية في حياة النجوم والأدباء وكل المشاهير، وسر الصنعة لا يكمن فقط في نشر الوثيقة، بل يتجلى في كيفية طرح الموضوع وتضفيره وتحليله مع ربط أحداثه بأحداث مشابهة.. هنا تكون قد وصلت للقمة في الكتابة.
بعد هذا التقدير من النقابة لعام 2025، ما هي الشخصية أو القضية التاريخية التي يسعى خليل زيدان لفك طلاسمها في عمله القادم؟
هناك شخصيات تستحق جهد البحث ونشر الحقائق عنها وعن مسيرتها، لأنهم كانوا رواداً ولهم فضل على الفن بكل فروعه، منهم الرائدة عزيزة أمير التي ولدت السينما المصرية على يديها وإصرارها.. وأيضاً استيفان روستي أول مخرج في تاريخ السينما؛ فتاريخ السينما مليء بالأسرار والمنافسات والمقالب والحكايات الشيقة.
من هم شركاء هذا النجاح الذين تود أن توجه لهم الشكر بعد تسلمك شهادة التقدير في احتفالية النقابة؟
أولادي وإخوتي هم شركاء النجاح أولاً، لهم كل الحب والشكر، وقبلهم أخي الصحفي الكبير أشرف غريب؛ فهو صاحب منهج الكتابة من خلال الوثائق الصحفية، ومعه خليل زيدان وصديقنا الصحفي الكبير محمد دياب.
ما هي رسالتك للصحفيين الشباب حول أهمية الدقة والتوثيق قبل الانجراف خلف الروايات الرائجة (التريند)؟
رسالتي للصحفيين عموماً، الكبار قبل الشباب، ألا ينساق أحدهم وراء الأخبار والروايات المعسولة على وسائل التواصل أو في أي موقع؛ فتاريخنا الكبير يتعرض لهجمات شرسة للتقليل من حجم ودور الفنانين والشعراء والكُتّاب، وذلك من خلال نشر روايات كاذبة عنهم على وسائل التواصل، وللوصول إلى الحقيقة هناك الأرشيف، أو جمعية المؤلفين والملحنين، أو أسر نجوم الفن والأدب والثقافة.
