سليدرمنوعات

سيكولوجيا الغيرة الزوجية

بين خفقة الحب التي تُحيي الروح، وبين لظى الغيرة التي تأكل وشائج المودة، خيطٌ رفيع لا يراه إلا ذوو البصيرة؛ فالغيرة في محراب الحياة الزوجية ليست مجرد انفعال عابر، بل هي مرآةٌ صقيلة تعكس تارةً عمق التعلق، وتكشف تارةً أخرى عن تصدعاتٍ خفية في جدار الثقة بالذات. وفي ظل عالمٍ باتت فيه الخصوصية عُملةً نادرة، أضحت الغيرةُ قضيةً وجودية تقتحمُ البيوت من نوافذ الفضاء الرقمي قبل الأبواب الموصدة.

وفي رحاب الرابطة المقدسة، وفي تلك المساحة الضوئية التي تجمعُ بين قلبين، تطلُّ الغيرة برأسها كأعقدِ الانفعالات البشرية وأكثرها التباساً؛ فهي ذلك الشعور الذي يراوحُ مكانه ببراعةٍ بين كونه برهاناً ساطعاً على وهج العاطفة، وبين استحالته إعصاراً مدمراً يقتلعُ جذور الطمأنينة من تربة السكينة الزوجية.

الغيرة في أصلها الفطري هي “حارس الفضيلة” و”ترمومتر العاطفة”؛ فهي تلك النبضة التي تخبر الشريك بمكانته السامية، وهي القوة الدافعة لحماية حِمى العلاقة من دخلاء الروح؛ حيث إن هذه المشاعر، إن لم تُلجم بِلجام العقل، تتحول من “توابل” تُصلح طعم الحياة، إلى “نارٍ” لا تُبقي ولا تذر؛ فالانتقال من الغيرة المحمودة إلى الغيرة المرضية يمثل انزلاقاً خطيراً من الحب إلى التملك؛ حيث ينشدُ المحبُّ الحقيقي حرية شريكه، بينما يسعى “المستبدُّ عاطفياً” لتحويله إلى أيقونةٍ حبيسة في قفص اهتماماته، متناسياً أن العصافير لا تُغردُ وهي رهن الاعتقال، بل تنزفُ صمتاً واغتراباً.

الغيرة المفرطة

وقد أعاد العصر الرقمي صياغة هذا المفهوم، فخلق ما يمكن تسميته بـ”السيولة العاطفية” التي جعلت الزوجين في حالة استنفار دائم؛ حيث لم يعد التهديد شخصاً غريباً يطرق الباب، بل أصبح “إعجاباً” عابراً خلف الشاشات؛ إذ إن هذه “الشفافية القسرية” جعلت من الخصوصية منطقة نزاع، وهنا تبرز المعضلة: هل الولوج إلى هاتف الشريك استحقاقٌ زوجي أم انتهاكٌ لسيادة الفرد؟ إن الإجابة تكمن في أن الثقة لا تُنتزعُ انتزاعاً بالمراقبة، بل تُمنحُ طواعيةً بالاحتواء والصدق.

إن تتبع جذور هذه المشكلة يرحل بنا إلى أغوار النفس، حيث نكتشف أن الغيرة المفرطة غالباً ما تكون صرخة استغاثة من جروحٍ قديمة لم تندمل؛ فخلف نظرات الشك يكمنُ شعورٌ مرير بالدونية أو خوفٌ من فقدان الهوية؛ فحين يختزلُ المرءُ كينونته كاملةً في وجود شخصٍ آخر، يصبحُ فقدانُ ذلك الشخص مرادفاً للفناء، مما يولدُ غيرةً شرسة هي في حقيقتها دفاعٌ عن البقاء لا عن الحب. ولا تقتصر آثار هذا التوجس على المشاحنات الليلية، بل هو سمٌّ يسري في عصب الأسرة، حيث يُحول البيت من “سكنٍ” إلى “ساحة استجواب”، ويترك الأبناء ضحايا صامتين يلتقطون ذبذبات الشك لتنشأ لديهم مفاهيم مشوهة عن الأمان.

ولرسم خارطة طريق نحو غيرةٍ راشدة، يبرز العلاج في “تحرير الذات” قبل “السيطرة على الآخر”، إذ يبدأ ذلك بالمكاشفة النفسية الصادقة للوقوف على أسباب هذا القلق، ثم يمتد لإرساء ميثاق ثقة يحدد مساحات الخصوصية والخطوط الحمراء بوضوح، فما يُتفق عليه بالحب لا يُكسر بالشك. كما يتطلب الأمر تعزيز الاستقلال الوجداني عبر امتلاك كل طرف لاهتماماته وطموحاته الخاصة، فالحياة الزوجية شراكةٌ وليست انصهاراً يمحو الشخصية، وصولاً إلى بلاغة العتاب التي تستبدل الهجوم بـ”البث الوجداني” الهادئ.

الذكاء العاطفي

يظل التساؤل الجوهري قائماً: كيف يستقيمُ ميزان الحب في كفّة، والحرية في كفّة أخرى؟ إن الإجابة تكمن في “الذكاء العاطفي” الذي يمنح الشريكين القدرة على قراءة المسافات الفاصلة؛ فالحب العظيم هو الذي يترك مساحةً كافية للتنفس، والغيرة الراشدة هي التي تعمل كبوصلة توجه القلوب نحو الاهتمام لا نحو الحصار. وحين يدرك الزوجان أن العلاقة ليست صراعاً على القوة، بل هي رقصةٌ متناغمة من الدعم المتبادل، تتلاشى ظلال الشك لتفسح المجال لضوء اليقين الذي لا تُطفئه عواصف العصر وتحدياته المتسارعة.

إن الرهان الحقيقي في عام 2026 لم يعد في القدرة على “حماية” الشريك من الآخرين، بل في القدرة على “بناء” حصانة داخلية تجعل من الخيانة فكرةً مستحيلة ومن الشك شعوراً غريباً، حيث إن هذه الحصانة لا تُبنى بالأسوار العالية أو بالتفتيش في الضمائر، وإنما تُشيد بلبنات الصدق اليومي، والتقدير المستمر، وجعل البيت واحةً يهرب إليها المرء من ضجيج العالم، لا سجناً يهرب منه ليبحث عن السكينة في مكان آخر؛ فالوفاء ليس قراراً يُتخذ تحت التهديد، بل هو ثمرةٌ طبيعية لروحٍ وجدت كمالها في رحاب روحٍ أخرى تحترم خصوصيتها وتصون كرامتها.

ستبقى الغيرةُ “ملح الحياة” ما دامت في إطارها الفطري الرقيق، فالحب الذي لا يغارُ هو حبٌّ مسلوب الروح. ولكن، علينا أن ندرك أن أمتن العلاقات؛ ليست تلك التي تخلو من العواصف، بل هي التي تملكُ مرساةً قوية من الثقة المتبادلة، فالعيون التي تحرس المحبوب بالثقة، أكثر قدرةً على الاحتفاظ به من العيون التي تلاحقه بالارتقاب والشك، فالثقة هي أقصى درجات الحب، والحرية هي أجمل قيوده.

وفي ختام هذا الاستشراف النفسي، نخلص إلى أن الغيرة الزوجية ستظل بمثابة “النار”؛ إن بقيت في موقدها أدفأت البيت وأنارته، وإن هي خرجت عنه أحرقت النسل والحرث. إنها دعوةٌ لكل زوجين لإعادة صياغة “عهد الثقة” في قلوبهما قبل أوراقهما، فالحب الذي يبدأ بالثقة وينتهي بالاحترام هو الحب الوحيد الذي لا يهرم؛ فليكن شعارنا في مواجهة رياح التوجس: “أنا أثق بك لأنني أحب نفسي معك”، فالثقة بالآخر هي في نهاية المطاف انعكاسٌ لسلامنا الداخلي وطمأنينة أرواحنا التي لا يزعزعها اضطراب الأزمان.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=11295

موضوعات ذات صلة

أبو صدام يطالب الفلاحين بتنمية إنتاج البيض البلدي في المنازل

المحرر

براءة الأيوبي لـ”صوت البلد”: الرواية متنفس الروح ومساحة الذات

أيمن مصطفى

الغضب يجتاح الاتحاد

أيمن مصطفى

انعقاد المؤتمر العلمي … “نيقيةإيمان حي ” 

حازم رفعت

نبض الشارع يصنع المشهد الانتخابي في الرمل بالإسكندرية

أيمن مصطفى

حكاية شتاء يهمس بالجمال

أيمن مصطفى