
في لفتة إنسانية ووطنية تعكس عمق الوفاء المصري لأجيال بذلت الغالي والنفيس، وتجسيداً لقيم الوفاء التي لا تعرف حدوداً زمنية، سطّرت الدولة فصلاً جديداً من فصول العرفان بجميل أبنائها، معلنةً عن مبادرة رئاسية تاريخية تتجاوز مفاهيم التكريم التقليدية، حيث تأتي توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بصرف تعويضات مالية قدرها ١٠٠ ألف جنيه لأسر شهداء ومصابي الحروب السابقة، كرسالة بليغة تؤكد أن مصر لم ولن تنسى دماءً سُفكت لتكتب تاريخ كرامتها، حتى وإن مرّت عليها عقود من الزمان.
هذا التحول النوعي في سياسة الرعاية الاجتماعية يضع أبطال حروب ١٩٤٨ و١٩٥٦ واليمن والاستنزاف وأكتوبر المجيد في قلب اهتمامات الدولة، ليمنح ذويهم حقاً مادياً ومعنوياً مستحقاً، ويُرسخ عقيدة راسخة بأن الوطن هو الحصن الذي يحفظ حقوق حماته، تكريماً لماضيهم المجيد وصوناً لحاضر أسرهم التي صمدت بصمود الوطن.
هذه الخطوة الاستثنائية تُترجم فعلياً ببدء صرف مبلغ ١٠٠ ألف جنيه لأسرة كل شهيد أو مصاب بعجز كلي من أبطال تلك الحروب، وذلك عبر صندوق تكريم الشهداء والمصابين وبالتنسيق مع القوات المسلحة وجمعية المحاربين القدماء، حيث تمثل هذه القيمة المالية تعويضاً مادياً رمزياً يُصرف لمرة واحدة تقديراً لتلك البطولات، كما يمتد ليشمل الورثة الشرعيين وفقاً لإجراءات قانونية ميسرة تعتمد على إعلام الوراثة والوثائق الرسمية التي تثبت الحالة.
مستقبل ممتد بعبق البطولات
وشملت الدعوة شهداء ومصابي حروب 1948، وحرب اليمن، والعدوان الثلاثي 1956، وحرب الاستنزاف، وحرب أكتوبر 1973، وهي حروب شكّلت محطات فارقة في التاريخ العسكري والسياسي لمصر، وأسهمت في ترسيخ مفاهيم التضحية والفداء، حيث إن بعض هذه المعارك مضى عليها أكثر من سبعة عقود، دون أن يسقط حق أبطالها في التكريم أو الرعاية.
وتُعد حرب عام 1948 أولى المعارك التي خاضها الجيش المصري في فلسطين، أما العدوان الثلاثي عام 1956 فقد واجهت خلاله مصر هجوماً ثلاثياً مشتركاً، لتؤكد قدرتها على الصمود والحفاظ على سيادتها.
كما مثّلت حرب الاستنزاف مرحلة كفاح طويل لاسترداد الكرامة العسكرية عقب الاحتلال الإسرائيلي لسيناء، وصولاً إلى حرب أكتوبر 1973 التي أعادت الثقة في قدرات القوات المسلحة وغيّرت موازين الصراع.
حزمة متكاملة من الخدمات النوعية
ولا يتوقف هذا التكريم عند الدعم المادي المباشر، بل يتصل بحزمة متكاملة من الخدمات النوعية التي أقرتها الدولة في يناير ٢٠٢٦، والتي تشمل توفير الرعاية الصحية الكاملة للمصابين وأسر الشهداء في المستشفيات التابعة للدولة، مع منح أبنائهم الأولوية في الرعاية التعليمية والاشتراك في الأندية الرياضية بأسعار رمزية، بالإضافة إلى توقيع بروتوكولات تأمينية تضمن حقوق القُصّر من الأبناء والمستحقين، مما يعزز من مفهوم الحماية الاجتماعية الشاملة لهؤلاء الأبطال الذين سطروا بدمائهم تاريخ مصر الحديث.
إن هذا القرار التاريخي هو وثيقة عهد تعمدت بالوفاء، تؤكد من خلالها مصر أن دماء أبطالها هي العملة الأغلى في خزانة الوطن، لا تبلى مع السنين ولا يطويها النسيان. إنها رسالة فخر لكل جندي حمل سلاحه في قلب النقب أو على ضفاف القناة، تخبرهم وتخبر أحفادهم من بعدهم أن الدولة، وهي تعبر نحو مستقبلها الجديد في عام، لا تترك خلفها من شيدوا حصونها بصدورهم، لتظل تضحياتهم منارةً تضيء درب الأجيال، وقصة صمود ستظل ترويها الأرض التي ارتوت بدمائهم الزكية.
