ثقافة وأدبسليدر

عزة رشاد تُفتش عن سعادة البنات

 

في أحدث فيوضاتها الأدبية الصادرة عن دار بدائل للنشر والتوزيع مطلع العام 2026، تضع د. عزة رشاد حجر الأساس لعالمها السردي الجديد «أسعد بنت في الكون»، مشيدةً صرحاً روائياً يزاوج ببراعة فائقة بين دقة الواقعية التربوية ومسابر العمق الإنساني؛ إذ تتخذ الكاتبة من مسابقة مدرسية لكتابة «موضوع تعبير» منطلقاً لاستكشاف المسافات الفاصلة بين الادعاء والواقع في مفهوم السعادة لدى فتياتنا، فمن خلال عيني المعلمة التي تتأمل نصوص الطالبات في لجنة الفرز، نجد أنفسنا أمام بوحٍ يتجاوز حدود التكليف المدرسي ليدخل في مناطق شائكة تلامس الوجدان.

ومن خلال أجواء الرواية، تتحول الأوراق الإنشائية إلى شهادات حية تطرح تساؤلات قلقة حول ما إذا كانت السعادة تكمن في الطمأنينة التي يمنحها الوطن الآمن والبيت الهادئ، أم أنها تتجلى في قدرة المجتمع على احتواء الحالات الخاصة والمرضية بوعيٍ ورحمة بدلاً من إقصائها بالتنمر والذعر غير المبرر؛ لتكشف الأسطر عن رغبة عارمة في الانعتاق نحو مجتمع أكثر تفهماً وإنسانية.

معركة الوعي

يتصاعد هذا التدفق السردي ليكشف عن معركة الوعي التي تخوضها الفتيات ضد قوالب الجمال الجاهزة التي تستنزف عافيتهن، معلناتٍ أن الغاية الأسمى هي تحقيق الذات عبر التميز والفعل المبدع الذي يمنحهن تقديراً حقيقياً بعيداً عن زيف المظاهر، كما تتوغل الكاتبة بشجاعة في تشريح الأغلال الفكرية والموروثات الضارة التي تقتل الطموح وتغتال البراءة، وعلى رأسها قضية “ختان الإناث” التي تُطرح كواحدة من أبشع العادات التي تُنتهك فيها سلامة الفتاة الجسدية والنفسية بحجة الحماية، بينما هي في جوهرها حرمان صريح من الحق في الحياة والسعادة، لتصل الرواية في ختامها إلى رؤية فلسفية عميقة تتبلور في ذهن المعلمة وهي تقلب الأوراق، مؤداها أن السعادة ليست هبةً عابرة، بل هي صيرورة من العمل الجاد الذي يستلزم تحرير الأجساد والعقول من قيودها.

وفي حديث خاص لـ”صوت البلد”، تستحضر الكاتبة الأجواء الثقافية المحيطة، مشيرة إلى أن معرض القاهرة الدولي للكتاب يمثل طاقة نور وعطاء تتجاوز كونه عرساً ثقافياً، فهو مساحة تواصل بين الكتب والكتّاب والقراء، قاطرة الوعي التي تضع القوى الناعمة في خندق الدفاع الأول عن الوطن، وتعترف الكاتبة أن علاقتها بالمعرض علاقة عشق قديمة بدأت كقارئة نهمة قبل أن تكون مؤلفة، تحملت فيها مشقة الأعباء المادية والجسدية في سبيل اقتناء المعرفة، مؤكدة أن كل ذلك يهون في محراب القراءة وفعلها الذي يمثل جانباً أساسياً من رؤيتي للعالم والحياة.

رحلة شاقة

إن مولد الرواية، كما تصفه عزة رشاد، هو نهاية رحلة شاقة تبدأ بشرارة فكرة وتتضخم بخبرات الحياة، وتستمر عبر الكتابة والنشر في مغامرة غير مضمونة المآل، فالكتابة في جوهرها إنفاق من الذات: فكر وصحة وأعصاب، دون يقين من المردود، ورغم مسيرتها الطويلة ككاتبة للقصة والرواية، لم تتخيل قط أن تكتب لفئة الناشئة واليافعين (13-18 عاماً)، لكن هذا العمر الفاصل بين الطفولة والنضج، بما يحمله من هواجس وأحلام وشكوك وصدمات تنسلخ فيها الذات من عالم وردي مزيف لتواجه حقيقة العالم والمجتمع والأسرة، بدا مغرياً لمخيلتها، فانطرح عليها سؤال السعادة بإلحاح: هل هي إضافة أشياء مادية أم حذف موروثات سلبية؟ فوجدت نفسها تكتب أكثر مما توقعت، ليفرض العنوان نفسه بقوة: “أسعد بنت في الكون”.

وتختتم الكاتبة حديثها بالإشارة إلى التوفيق الذي حالفها في رحلة ميلاد هذا العمل، مثمنة التعاون الخلاق مع الناشرة الجادة سنية البهات بدار البدائل، والفنانة الموهوبة مروة إبراهيم، مما منح الكتاب فرصة ميلاد سعيد، لتظل الرواية في مجملها صرخة تنويرية تدعو لإعادة تعريف السعادة بوصفها رحلة شاقة نحو الحرية والتحقق الإنساني الكامل.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=12708

موضوعات ذات صلة

الأزهر يحقق إنجازًا كاملًا بالاستراتيجية السكانية

محمود على

الحناء في اليونسكو بقوائم التراث العربي المشترك

المحرر

المدن التراثية في المنتدى الحضري العالمي

المحرر

بين جدران الصمت.. معاناة الطلاب ذوي الإعاقة في المدارس

المحرر

الإصلاح الزراعي: منع صرف الأسمدة للمتعدين على الأراضي

المحرر

حقوق الإنسان تهيمن على لجان الأعلى للثقافة في 7 ندوات

المحرر