
بين عراقة التاريخ وطموحات التجديد، تستعد القاهرة لاستعادة إحدى أهم مناراتها الإبداعية؛ حيث أعلنت وزارة الثقافة رسميًا عن فك قيد الغياب الذي استمر لثلاث سنوات، ليعود “المهرجان القومي للسينما المصرية” في دورته الخامسة والعشرين، متزيناً ببريق “اليوبيل الفضي”، حيث تأتي هذه العودة لتُدشن مرحلة فارقة في مسيرة السينما الوطنية، تهدف من خلالها الوزارة إلى إعادة صياغة المشهد السينمائي تحت مظلة من المؤسسية والاحترافية، وبقيادة منتجة تدرك جيداً ملامح السوق ورؤى الفن، إذ إنها دعوة صريحة لاسترداد الهيبة الفنية لـ”مرآة الداخل”، واحتفاء بالهوية البصرية التي صاغت وجدان الأمة على مدار عقود.
ويأتي اختيار المنتج هشام سليمان لرئاسة هذه الدورة المفصلية كرسالة دالة على توجه الوزارة نحو المزاوجة بين الخبرة الإنتاجية والرؤية الإبداعية؛ حيث يُنتظر من هذا الاختيار ضخ دماء جديدة في عروق المهرجان، وتحويله من مجرد تظاهرة احتفالية إلى سوق فكرية وإنتاجية قادرة على مواكبة التحولات الرقمية والجمالية التي طرأت على صناعة السينما العالمية خلال سنوات التوقف الثلاث الماضية.
ويرتبط هذا “اليوبيل الفضي” برؤية استراتيجية أوسع، تهدف إلى ردم الفجوة بين الأجيال السينمائية؛ فالمهرجان القومي ليس مجرد مسابقة لتوزيع الجوائز، بل هو “مرآة الداخل” التي تعكس جودة الإنتاج المحلي وتوفر مساحة نقدية جادة للمبدعين. ومن المقرر أن تنطلق الفعاليات في أبريل 2026، لتشكل جسراً يربط بين عراقة السينما المصرية التي أتمت مئويتها، وبين تطلعات جيل جديد من السينمائيين الشباب الباحثين عن اعتراف رسمي بمغامراتهم الجمالية.
عودة المهرجان في هذا التوقيت وبالتعاون بين المركز القومي للسينما وصندوق التنمية الثقافية، تضع الصناعة أمام استحقاق تاريخي؛ فالتحدي الحقيقي لن يتوقف عند حدود التنظيم اللوجستي، بل يمتد ليشمل صياغة فلسفة جديدة للمهرجان تجعل منه منصة اشتباك حقيقي مع قضايا المجتمع، وضمان استدامته كأهم محفل وطني يمنح السينما المصرية صك الجدارة والتميز.
وفي سياق العودة المرتقبة لـ”المهرجان القومي للسينما المصرية” في دورته الخامسة والعشرين، التي تحمل عنوان “اليوبيل الفضي” بعد توقف دام ثلاثة أعوام، أُعلن اليوم رسميًا عن تفاصيل جديدة وتصريحات محورية من قيادات وزارة الثقافة ورئاسة المهرجان خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد في سينما الهناجر بالجزيرة.
استراتيجية شاملة
أكد د. أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، أن قرار عودة المهرجان يمثل ركيزة أساسية ضمن استراتيجية الوزارة المتكاملة للارتقاء بصناعة السينما المصرية. وأوضح الوزير في تصريحاته، أن عودة المهرجان القومي للسينما تمثل خطوة مهمة ضمن استراتيجية متكاملة للارتقاء بصناعة السينما المصرية ودعم المبدعين في هذا المجال، وتشجيع الإبداع الفني الوطني، وتقديم منصة حقيقية للاحتفاء بالسينما وتعزيز قدرة صناع الأفلام على الابتكار والتجديد.
وشدد الوزير على أن الوزارة تضع كافة إمكانياتها لدعم هذا الحدث الفني، مشيراً إلى أن اختيار المنتج هشام سليمان لرئاسة الدورة الـ25 جاء بناءً على “ما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية”، مؤكداً التزام الدورة باحترام صناع السينما وترسيخ مكانة الفن السابع كأحد أبرز روافد القوة الناعمة للبلاد.
تكاتف الخبرات
شهد المؤتمر الإعلان عن تشكيل اللجنة الثلاثية العليا للمهرجان، والتي تضم إلى جانب الرئيس هشام سليمان، كلاً من المعماري حمدي السطوحي (مساعد وزير الثقافة والمشرف على صندوق التنمية الثقافية)، ود. أحمد صالح (رئيس المركز القومي للسينما).
كما تم الكشف عن أسماء اللجنة الفنية، التي تضم نخبة من الشخصيات الفنية والخبراء والنقاد، من بينهم: الفنانة ليلى علوي، والكاتبة الصحفية آمال عثمان، والناقد أحمد شوقي، والسيناريست مريم نعوم، ونقيب السينمائيين مسعد فوده، ورئيس غرفة صناعة السينما هشام عبد الخالق.
تتويج للماضي ورؤية للمستقبل
من جانبه، وصف المعماري حمدي السطوحي عودة المهرجان بعد التوقف بأنها “تتويج لنجاح الدورات الأربع والعشرين السابقة”، موجهاً الشكر للوزير على دعمه الكامل، ومشدداً على أن النسخة الجديدة تهدف إلى وضع “قاعدة صلبة لدورات مستقبلية تتسم بالتطور والنمو”.
وبدوره، أكد د. أحمد صالح أن التعاون بين المركز القومي للسينما وصندوق التنمية الثقافية يهدف إلى تقديم دورة “تليق بتاريخ المهرجان وبمكانة السينما المصرية وبطموحات صناعها”.
واختتم رئيس المهرجان، المنتج هشام سليمان، التصريحات بالتعبير عن سعادته، مؤكداً أن المهرجان يمثل “مساحة حقيقية للاحتفاء بصناع السينما المصرية، وتقدير جهودهم وإبداعاتهم، بما يسهم في دفع الصناعة للأمام وترسيخ معايير الجودة والتميز.
يمثل إعلان عودة المهرجان القومي للسينما المصرية في دورته الخامسة والعشرين “اليوبيل الفضي” نقطة تحول محورية تتجاوز مجرد تنظيم فعاليات فنية، إذ إنه تعبير عن التزام حكومي وثقافي عميق باستعادة الريادة المصرية في المشهد السينمائي الإقليمي، واستثمار حقيقي في القوة الناعمة للبلاد. وبينما يعول الكثيرون على اللجنة العليا برئاسة المنتج هشام سليمان، يظل التحدي الأكبر هو ترجمة هذه التصريحات الطموحة والرؤى الاستراتيجية إلى واقع ملموس ومستدام، يضمن ألا تكون هذه العودة مجرد ومضة احتفالية، بل بداية لمسار جديد يعزز من مكانة السينما كقاطرة للتنوير والإبداع في مصر، ويرسخ أقدام الأجيال الجديدة من المبدعين على خارطة الفن السابع.
