شؤون سياسية

وداعًا للزعيم المسلم الكبير… مهاتير محمد

بمشاعر يملؤها الأسى والتقدير، ودّعت الأمة الإسلامية أحد أبرز رموزها السياسية والفكرية في العصر الحديث، الزعيم الماليزي مهاتير محمد، الذي رحل بعد مسيرة طويلة من العطاء والعمل العام، امتدت لعقود، وأسهم خلالها في صياغة تجربة تنموية متكاملة، وضعت بلاده في مصاف الدول الصاعدة، ورسخت اسمه كأحد صناع النهضة في العالم الإسلامي.

منذ نشأته في ولاية قدح، قدّم مهاتير محمد نموذجًا للإنسان العصامي، الذي شق طريقه بالعلم والانضباط والاجتهاد، بعدما وُلد في أسرة بسيطة، وتلقى تعليمه في المدارس الحكومية، قبل أن يتجه إلى دراسة الطب. وأسهمت هذه المرحلة في تشكيل وعيه الاجتماعي، وقربته من هموم المواطنين، ورسخت لديه قناعة مبكرة بأن بناء الدول لا يتحقق إلا بفهم احتياجات الناس والعمل على تلبيتها.

بداية مهاتير

عبر انخراطه في الحياة السياسية، بدأ مهاتير مسيرته العامة مدفوعًا برؤية إصلاحية واضحة، تقوم على تمكين الدولة وتعزيز قدرتها على إدارة مواردها بكفاءة، في وقت كانت فيه ماليزيا تواجه تحديات اقتصادية وهيكلية كبيرة بعد الاستقلال. ولم يكن صعوده السياسي وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مواقف صريحة وأفكار جريئة حول التنمية والهوية الوطنية والاستقلال في القرار.

منذ توليه رئاسة الوزراء عام 1981، دخلت ماليزيا مرحلة جديدة من تاريخها الحديث، اتسمت بالتخطيط طويل المدى، والاعتماد على التصنيع، والاستثمار المكثف في البنية التحتية. وخلال أكثر من عقدين من القيادة، تحولت البلاد من اقتصاد يعتمد في الأساس على الزراعة والمواد الخام، إلى اقتصاد متنوع قائم على الصناعة والتكنولوجيا، مع تحقيق معدلات نمو مستقرة وتحسن ملحوظ في مستوى معيشة المواطنين.

مشروع تنموي

وضع مهاتير محمد الإنسان الماليزي في مقدمة الأولويات، مؤمنًا بأن التعليم هو الأساس الحقيقي لأي نهضة مستدامة. وشهدت البلاد في عهده توسعًا كبيرًا في الجامعات، وتحديثًا للمناهج التعليمية، وربطًا بين التعليم واحتياجات سوق العمل، بما أتاح إعداد كوادر وطنية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا دون التفريط في الهوية الثقافية.

على مستوى القيم الدينية، قدّم مهاتير محمد نموذجًا متوازنًا في إدارة العلاقة بين الدين والدولة، خاصة في مجتمع متعدد الأعراق والديانات. وتعامل مع الإسلام باعتباره منظومة قيم أخلاقية تحث على العمل والانضباط والعدل، وليس مجرد شعارات، وهو ما انعكس على السياسات العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مفهوم المسؤولية المجتمعية.

في المحافل الإقليمية والدولية، اتسمت مواقف مهاتير بالوضوح والاستقلالية، حيث دافع عن قضايا الأمة الإسلامية، وانتقد السياسات الدولية غير العادلة، ودعا إلى نظام عالمي أكثر توازنًا، يضمن للدول النامية حقها في التنمية بعيدًا عن الهيمنة والتبعية. ولم يتردد في التعبير عن آرائه، حتى عندما خالفت توجهات القوى الكبرى، انطلاقًا من إيمانه بحق الشعوب في تقرير مصيرها.

خلافات سياسية

رغم ما واجهته مسيرته من خلافات سياسية وانتقادات، ظل مهاتير محمد مؤمنًا بأن القيادة الحقيقية تُقاس بقدرتها على بناء مؤسسات قوية، وتحقيق تنمية قابلة للاستمرار. وحتى بعد مغادرته منصبه، بقي حاضرًا في المشهد العام، بصوته وتجربته، وبنصائحه التي استندت إلى خبرة طويلة ورؤية استراتيجية عميقة.

اليوم، وبرحيل مهاتير محمد، تفقد ماليزيا قائدًا ترك أثرًا واضحًا في مسار الدولة الحديثة، وتفقد الأمة الإسلامية رمزًا آمن بأن التقدم لا يتناقض مع الهوية، وأن الإسلام قادر على مواكبة العصر حين يُفهم بروحه وقيمه.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13431

موضوعات ذات صلة

حاضر ومستقبل حماس في ظل تصاعد التحديات

المحرر

دمشق وقسد على صفيح ساخن

المحرر

شبكة تجسس دولية فى قبضة المخابرات المصرية

المحرر

ضمنت إسرائيل أمنها واستقرارها من يضمن أمن لبنان

المحرر

بعد إلغاء 70% من الدوائر الانتخابية.. ما مصير القائمة الوطنية؟

محمود كرم

خروقات وانتهاكات الانتخابات البرلمانية.. من يقف وراءها؟

محمود كرم