سليدرمنوعات

بركة رمضان.. “الجُندي الخفي” الذي يهزم المنطق المادي

لم يكن مفهوم “البركة” يوماً قضية حسابية تخضع لعمليات الجمع والطرح، ولن يدرك كنهها إلا من تلمس أثرها في تلك التفاصيل الصغيرة التي تتسع لتشمل العمر كله، فهي “سرّ الله” الذي إذا حلّ في قليلٍ كثّره، وفي ضيقٍ وسّعه، وفي تعبٍ حوّله إلى سكينة لا تُشترى بكنوز الأرض.

هناك فلسفة خاصة للرزق تتجلى بوضوح في “اللقمة” التي تواجه لغة الأرقام الجافة؛ حيث لم يمنع الغلاء يوماً بيتاً عامراً بالذكر من إطعام ضيفه، ولن تفلح التقديرات المادية في تفسير كيف يشبع “طبق واحد” أسرة كاملة في لحظة إفطار حميمية، فالبركة هنا هي الرد العملي على مادية العصر، وهي التجلي الحقيقي لليقين بأن الرزق ليس ما تكنزه، بل ما بارك الله فيه فانتفعت به، وهو ما نراه “عِياناً بياناً” في الشارع المصري حين يتسابق الناس لتوزيع التمر عند الإشارات، فترى في الثمرة الواحدة طاقة تمسح تعب يوم كامل ببركة النية والصدقة.

وعلى ذات النسق، نجد البركة تفرض إيقاعها على “الزمن” الذي يتمدد بشكل إعجازي؛ فلم يعد الوقت في رمضان مجرد ثوانٍ هارية، ولن تجد في غيره هذا الاتساع الذي يسمح للموظف أن ينجز وللأم أن تدير مملكتها بين العبادة والمطبخ بمددٍ إلهي يطرح البركة في الحركة والسكون، مما يحول يوم الصائم من مجرد انتظار للأذان إلى ورشة عمل متكاملة تُنتج من الأثر ما لا تنتجه شهور من العمل الفاتر.

فلسفة الرضا

أما في مشهدية “جبر الخواطر”، فإن البركة تسكن تلك الحيوية التي لا تمنعها الأزمات في الأسواق الشعبية، حيث يسكن الرضا ملامح البائع والمشتري على حد سواء، وتصبح البركة هي “الرئة” التي يتنفس بها المجتمع حين يضع الجار طبقاً من طعامه على مائدة جاره فتمتزج الروائح بالقلوب، مؤكدة أن الصيام لم يكن مجرد إمساك ولن يكون مجرد طقس، بل هو استدعاء لرحمة الله لتنزل في بيوتنا وتزهر وداً وتراحماً؛ إذ إن هذه البركة لم تكن مرتبطة بهلال الشهر لتغيب بغيابه، ولن تكتمل حقيقتها إلا إذا أورقت في سلوكنا طوال العام كمدرسة لتعلم الاكتفاء بالحق والاستغناء عن الباطل، ليدرك المسلم أن الاستقامة هي الطريق الوحيد لاستدامة هذا الفيض الإلهي.

لم تكن البركة يوماً حبيسة الجدران الصامتة، ولن تكتمل صورتها إلا في تلك “الحارة المصرية” التي تتحول في رمضان إلى خلية نحلٍ مفعمة بالود؛ حيث تتعلق الزينة بـحبال الحب قبل الخيوط، ويتشارك الجيران في إعداد “مائدة الشارع” بـعفويةٍ تهزم حسابات العوز. إنها البركة التي تجعل من القليل في يد الصائمين فيضاً يغمر العابرين، فلا يمر غريبٌ إلا ويجد له مكاناً على مأدبة الكرم، في مشهدٍ حي يبرهن على أن بركة الله تنزل في الجماعة، وتزهر في القلوب التي لم تلوثها مادية العصر، ولن تنكسر أمام عواصف الغلاء ما دام التراحم هو الدستور الحاكم بـين الناس.

وعلى صعيدٍ آخر، تتجلى البركة في تلك السكينة التي تهبط على المساجد بـحلول وقت التراويح؛ حيث تصطف الأجساد في خشوعٍ يذيب الفوارق بـين الغني والفقير، والوزير والعامل؛ فهذا المشهد لم يكن مجرد تجمعٍ بشري، ولن يكون؛ بل هو استحضارٌ لبركة الوحي في شهر القرآن، حيث تفيض العيون بـدموع الرجاء، وتغتسل الأرواح من أدران الحياة بـنور الآيات. هذه البركة الروحية هي التي تمنح الصائم “قوة التحمل” لـمواجهة صعاب الحياة بـابتسامة رضا، وتجعل من ضجيج النهار هدوءاً يملأ الوجدان، فيقين الصائم بـأن الله معه يطرد كل قلقٍ ويستبدله بـأملٍ لا ينقطع بـفضل الله.

لم يأتِ رمضان ليكون مجرد سحابة خير عابرة تمطر ثم ترحل، ولن تتحقق الغاية القصوى من بركته إلا إذا تحولت إلى “سلوكٍ مستدام” يرافقنا في بقية العام، إذ إن البركة الحقيقية هي التي تُترجم إلى إتقانٍ في العمل بـعد انقضاء الشهر، وإلى صدقٍ في الكلمة بـين الناس، وإلى يدٍ ممدودة بـالمعونة في كل حين.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=14206

موضوعات ذات صلة

تفاهمات خفية تكبح نار سوريا

ضاحى محمود

مركز البحوث يدعم المزارعين بالتواصل إلكتروني

المحرر

كرامة الواجب.. وقفة مع حادثة “الكومباوند”

أيمن مصطفى

استراتيجيات التوعية والإتصال االإعلامي بالقابضة للمياه

المحرر

هل بدأ التنفيذ الفعلي للمرحلة الثانية لاتفاق غزة؟

محمود كرم

مزارعون يشتكون من انخفاض أسعار الطماطم

المحرر