البلد خانةسليدر

كرامة الواجب.. وقفة مع حادثة “الكومباوند”

 

تطرح الواقعة التي شهدها أحد المجمعات السكنية مؤخراً، تساؤلات جوهرية تتجاوز حدود الحادثة الفردية لتلمس جوهر العلاقة بين المواطن والقانون، وبين الحق والواجب؛ حيث إن مشهد الاعتداء على فرد أمن أثناء تأدية عمله ليس مجرد خروج عن المألوف، بل هو جرس إنذار يستوجب منا قراءة دقيقة في مفاهيم الانضباط المجتمعي واحترام الوظيفة العامة والخاصة على حد سواء.

تبدأ القصة من نقطة جوهرية؛ وهي “الالتزام بالنظام”؛ ففرد الأمن المرابط عند البوابات لا يمثل شخصه، بل يمثل القواعد التي ارتضاها الجميع لضمان أمنهم وسكينتهم؛ إذ إنه عندما يتحول هذا الالتزام إلى ثغرة ينفذ منها الغضب أو محاولة الاستعلاء، نكون أمام خلل في إدراك مفهوم “الحرية الشخصية” التي تنتهي تماماً عند حدود كرامة الآخرين وحقوقهم الأصيلة.

وفي إطار المتابعة الأمنية الدقيقة، رصدت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية الفيديو المتداول للواقعة، وبالفحص تبين أنه بتاريخ 19 فبراير الجاري؛ قد تبلغ لقسم شرطة التجمع الخامس من فرد أمن إداري بالمجمع السكني المشار إليه “مصاباً بسحجات وكدمات متفرقة بالجسم”، وآخر من الملاك بذات المجمع، بتضررهما من أحد القاطنين؛ لقيامه بالتعدي بالضرب على الأول محدثاً إصابته، وكذا التعدي على الثاني بالسب والشتم حال تدخله لمعاتبته. وعقب تقنين الإجراءات، تم ضبط المشكو في حقه “صاحب مصنع”، وبمواجهته اعترف بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه، زاعماً تضرره من عدم قيام فرد الأمن بممارسة عمله، واعتراضه على تدخل الطرف الثاني.

سيادة القانون

إن رقي المجتمعات لا يُقاس بفخامة البنيان أو عزل الأسوار، بل بمدى خضوع الجميع – بلا استثناء – لمنطق القانون؛ فالمجتمعات المتحضرة هي التي يدرك فيها القوي قبل الضعيف أن “الزي الوظيفي” هو درع يحميه القانون، وأن المساس به هو مساس بهيبة النظام العام. ومن هنا، كان التحرك الأمني السريع بضبط المتهم وتقديمه للنيابة العامة رسالة طمأنة بالغة الأهمية، مفادها أن العدالة لا تتوقف عند أبواب المجمعات المغلقة، وأن سلطة الدولة حاضرة لرد الحقوق لأصحابها مهما تفاوتت المراكز الاجتماعية.

وعلى صعيد آخر، تفتح هذه الواقعة ملف “التأهيل النفسي والسلوكي” ليس فقط للعاملين في منظومة الأمن والحراسة، بل لآلية التعامل مع قاطني هذه التجمعات؛ فالعلاقة التعاقدية التي تربط الساكن بشركات الإدارة لا تعني بأي حال من الأحوال امتلاك السيادة المطلقة على الأفراد؛ حيث إن تحديث المنظومة الأخلاقية داخل هذه المجمعات بات ضرورة ملحة، تبدأ من التوعية بحدود الصلاحيات، وتنتهي بوضع مواثيق شرف داخلية تضمن كرامة العاملين، وتجعل من “الاحترام” شرطاً أساسياً من شروط الجوار والإقامة.

كما لا يمكننا إغفال الدور المحوري الذي تلعبه “التكنولوجيا” في العصر الحديث كرقيب لا ينام؛ فلولا تلك الكاميرات التي وثقت الحادثة بدقة، لربما ضاعت الحقيقة في دهاليز الادعاءات المتضاربة؛ فالتحول الرقمي الذي تعيشه الدولة في مراقبة الميادين والمجمعات، أصبح هو الحارس الحقيقي للحقوق، والميزان الذي يمنع “القوي” من استغلال نفوذه في الخفاء؛ إذ إنها رسالة لكل من تسول له نفسه التجاوز: أنك تحت منظار العدالة، وأن زمن “الإفلات من العقاب” قد ولى دون رجعة أمام شفافية العدسات ويقظة الأجهزة الأمنية.

إن حادثة “الكومباوند” تضع شركات الإدارة والأمن والحراسة أمام اختبار حقيقي؛ ليس فقط في اختيار الكوادر، بل في توفير الحماية المعنوية والقانونية لهم ضد أي تجاوز؛ فالعلاقة بين الساكن والعامل ليست علاقة تبعية مطلقة، بل هي شراكة في “مجتمع صغير” يسعى الجميع فيه للسكينة، حيث إن الصمت على مثل هذه التجاوزات هو بمثابة وقود لنار الغطرسة، بينما المواجهة القانونية الحاسمة هي الضمانة الوحيدة لبقاء تلك المجتمعات واحات للرقي الإنساني لا مجرد قلاع خرسانية صماء.

وتبقى هذه الواقعة درساً في أهمية ضبط النفس والامتثال للقانون كسبيل وحيد لفض النزاعات؛ حيث إن بناء المدن الجديدة والجمهورية الحديثة لا يكتمل إلا ببناء إنسان يحترم النظام ويقدر قيمة العمل؛ فالقانون قد اقتص للمجني عليه في شقه الجنائي، لكن يبقى الشق الأخلاقي أمانة في أعناقنا جميعاً، لضمان ألا تتكرر مثل هذه المشاهد التي تخدش حياء الوطن وتؤذي ضمير الإنسانية.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=14225

موضوعات ذات صلة

تعاون مشترك بين مصرو USAID لجودة الرعاية الصحية

المحرر

إقبال وإجراءات مشددة بانتخابات “المنتزه” في الإسكندرية

أيمن مصطفى

صوم رمضان والكبير.. مدرسة لتهذيب الروح

حازم رفعت

نبض الشارع يصنع المشهد الانتخابي في الرمل بالإسكندرية

أيمن مصطفى

قش الأرز.. ثروة قومية

المحرر

قرارت جديدة لتطوير التعليم الفني

اسماء ابوبكر