ثقافة وأدبسليدر

اليونسكو تُحيي ذاكرة الإسكندرية التراثية

تحتضن عروس البحر الأبيض المتوسط فعاليات مؤتمر «إحياء ذاكرة الإسكندرية.. التراث والتأمل»، الذي ينظمه المكتب الإقليمي لليونسكو في مصر والسودان، بالتعاون مع محافظة الثغر الباسم، ومكتبتها العريقة، والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، إضافة إلى مركز الدراسات السكندرية (CEAlex)، حيث يأتي هذا الحدث، الذي تستمر جلساته على مدار يومي 21 و22 ديسمبر 2025، كمنصة دولية تجمع نخبة من الخبراء والأكاديميين لبحث سبل الحفاظ على الإرث الثقافي الفريد للمدينة، وتعزيز مكانتها كمركز حضاري عالمي.

يُركز المؤتمر على البعد الإنساني والثقافي للمدينة، حيث تناولت النقاشات دور الإسكندرية التاريخي كحلقة وصل بين شعوب البحر المتوسط. وأكد الباحثون أن إحياء ذاكرة المدينة ليس مجرد استحضار للماضي، بل هو استلهام لنموذج التعايش السكندري “الكوزموبوليتاني” الذي صهر ثقافات متعددة في بوتقة واحدة، وتقديم هذا النموذج كرسالة عالمية تدعو للحوار والتسامح الثقافي في العصر الحديث.

الهوية والتمكين الثقافي

وفي لفتة مستقبلية، خصص المؤتمر مساحة واسعة لدور الشباب والبحث العلمي في صون الهوية، حيث قدم طلاب الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا رؤى إبداعية لإعادة إحياء المناطق التراثية سياحياً واقتصادياً، حيث يهدف هذا التوجه إلى ربط الجيل الجديد بجذوره التاريخية، وتحويل التراث إلى مورد حيوي يسهم في التنمية المستدامة وخلق فرص عمل تعتمد على الاقتصاد الثقافي والإبداعي.

لم يغفل المؤتمر البعد التنموي، حيث تم طرح مخططات لإعادة إحياء الأحياء التاريخية مثل “اللبان” و”المنشية” و”العطارين” من خلال ترميم الواجهات المعمارية ذات الطراز الأوروبي والمحلي الممتزج، حيث تهدف هذه الخطوة إلى تحويل الشوارع التاريخية إلى “متاحف مفتوحة” تدمج السكان المحليين في عملية الحفاظ على التراث، وتوفر مسارات سياحية جديدة تضع الإسكندرية على قائمة أهم الوجهات الثقافية العالمية في عام 2026 وما بعده.

حماية الآثار الغارقة

تطرق المؤتمر إلى ملف “التراث المهدد”، حيث استعرض الخبراء خرائط دقيقة لمواقع الآثار الغارقة في الميناء الشرقي ومنطقة قلعة قايتباي. وناقش الحضور آليات مبتكرة لحماية هذه الكنوز من ارتفاع منسوب مياه البحر، مع طرح رؤية لتحويل الإسكندرية إلى مركز عالمي لسياحة الغوص الأثري، مما يضمن الحفاظ على التاريخ مع تحقيق عائد اقتصادي مستدام للمدينة.

وتؤكد الفعالية على ضرورة تضافر جهود المنظمات الدولية والمؤسسات الأكاديمية مع السلطة التنفيذية في مصر لضمان حماية “الكنوز السكندرية”، مع التوصية بحزمة من التشريعات والسياسات الخاصة بحماية التراث المعماري والحضاري للمدينة.

شهد حفل افتتاح المؤتمر كلٌّ من: الفريق أحمد خالد حسن سعيد، محافظ الإسكندرية؛ والدكتورة نوريا سانز، مديرة المكتب الإقليمي لليونسكو في مصر والسودان؛ والدكتور عبدالعزيز قنصوة، رئيس جامعة الإسكندرية؛ و”نيكولاس باباجيورجيو”، سفير اليونان؛ و”بولي يوانو”، سفيرة قبرص؛ والدكتور محمد الجوهري، رئيس جامعة برج العرب؛ والدكتور محمد سليمان، نائب مدير مكتبة الإسكندرية؛ إضافة إلى عدد من القيادات الأكاديمية والثقافية والدبلوماسية.

وشدد المشاركون على ضرورة تبني الحلول التكنولوجية الحديثة لمواجهة التحديات المعاصرة. حيث تم استعراض مشروعات مبتكرة لتوثيق المعالم التراثية رقمياً واستخدام تقنيات المحاكاة لحماية الآثار الغارقة والمعالم المعمارية من آثار التغيرات المناخية، مما يضمن استدامة “ذاكرة المدينة” للأجيال القادمة وحمايتها من الاندثار.

وأكد المحافظ في كلمته أن هذا الملتقى يمثل خطوة جوهرية لصون الهوية السكندرية الفريدة، مشدداً على أهمية تكاتف المؤسسات الدولية والأكاديمية لحماية الإرث الحضاري لمدينة كانت ولا تزال منارة للثقافة العالمية.

صون التراث الوثائقي

وأضاف المحافظ أن “عروس المتوسط” تُعد واحدة من أهم المدن الكوزموبوليتانية في العالم، بما تمتلكه من رصيد حضاري وثقافي وإنساني فريد جعلها عبر تاريخها الطويل ملتقى للحضارات، وبيئة حاضنة للتعدد والتعايش والحوار المعرفي؛ مشيراً إلى أن المدينة لم تكن يوماً مستودعاً للآثار فحسب، بل مدينة للأفكار أسهمت في بناء أسس العلوم والفلسفة والبحث العلمي منذ نشأة مكتبتها القديمة وحتى دورها المعاصر كمركز ثقافي عالمي.

وأوضح المحافظ أن الفعالية تتسق مع أهداف برنامج «ذاكرة العالم» التابع لليونسكو، الهادف إلى صون التراث الوثائقي ذي القيمة الإنسانية، مؤكداً حرص المحافظة على دعم جهود التوثيق والحفظ والرقمنة، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الوطنية والدولية لتسجيل هذا التراث ضمن الذاكرة العالمية.

كما استعرض المحافظ جهود الدولة المصرية في حماية المكتسبات الثقافية في ضوء رؤية مصر 2030، مشيراً إلى مشروعات صون التراث الساحلي والآثار الغارقة، والتعامل مع تحديات التغيرات المناخية، ونجاحات التعاون مع اليونسكو، ومن أبرزها رفع منطقة “أبو مينا” الأثرية من قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.

وفي ختام كلمته، شدد الفريق أحمد خالد حسن سعيد على أن ربط الذاكرة المحلية بالإطار العالمي لبرنامج «ذاكرة العالم» يمثل خطوة مهمة لتعزيز استمرارية الثقافة وترسيخ الحوار، مؤكداً أن التراث ليس مجرد محفوظات من الماضي، بل هو قوة حية تمنح البصيرة لصناعة مستقبل أفضل، ومشدداً على التزام المحافظة الدائم بدعم كافة الجهود التي تصون هويتها وتحفظ مكانتها الرائدة عالمياً.

أكدت الدكتورة نوريا سانز، مديرة المكتب الإقليمي لليونسكو في مصر والسودان، في كلمتها أن “عروس المتوسط” تتمتع بطابع فريد وإرث غني وتنوع جدير بالحفظ والإتاحة للأجيال القادمة، موضحة أن المدينة طالما كانت نقطة تلاقي للحضارات المختلفة، وعاصمة للفكر والثقافة على مر العصور.

واستعرضت “سانز” الدور الذي تضطلع به المنظمة الدولية في الحفاظ على هذا التراث، والتعاون الوثيق مع عدة جهات ومنها المحافظة، لافتة إلى الجهود المبذولة لرفع موقع دير “أبو مينا” الأثري من قائمة التراث العالمي المعرض للخطر. كما نوهت بمساعي صون التراث الثقافي المغمور بالمياه، وحماية الإرث الوثائقي من خلال مبادرة “ذاكرة العالم”، ومبادرة “إحياء الجذور – نوستوس”.

تضمن الافتتاح عرض فيلم “الإسكندرية عبر عدسة الزمن”، كما تم افتتاح معرض “الإسكندرية في الذاكرة: من المخطوطة إلى الصورة الفوتوغرافية”، بقاعة المعارض الغربية في مركز المؤتمرات بالمكتبة؛ حيث يضم المعرض مواد أرشيفية نادرة، وصوراً فوتوغرافية، ووثائق أكاديمية توثق تاريخ المدينة العريق.

وتشهد الجلسات مناقشات حول محاور رئيسية، منها: الأرشيف كركيزة للهويات الجماعية والتعددية، والحفاظ على التراث العالمي في السياقات المعاصرة، والتحول الرقمي، والوصول المفتوح، ومستقبل توثيق التراث. كما تسلط الفعالية الضوء على الكوزموبوليتانية والتراث الحي، بمشاركة علماء آثار وشعراء وفنانين ومهندسين معماريين تعكس أعمالهم الحيوية الثقافية للمدينة. ويُختتم الحدث بحفل موسيقي يتضمن تكريماً لذكرى الشاعر “قسطنطين كفافيس”، إلى جانب عرض تقديمي حول ذاكرة المدينة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=9569

موضوعات ذات صلة

الكيميائي الذي يتحكم في خوفك “النورأدرينالين”

أيمن مصطفى

شوبير يكشف المرشح الأقوى لرئاسة الزمالك بعد لبيب

محمود المهدي

تراكم القمامة يغتال جمال الإسكندرية

أيمن مصطفى

قائمة الموت…خطف واستشهاد كاهنين من إثيوبيا

حازم رفعت

ارتفاع الصادرات الزراعية لـ 7.8 مليون طن

المحرر

صاحبة النساء كاملات عقل ودين: هدفي إنصاف المرأة

المحرر