ثقافة وأدب

إيمان سند: أدب الطفل معركة وعي لا استراحة محارب

الكاتبة إيمان سند

 

بين رهافة الإبداع وصرامة الأكاديمية، تقف الكاتبة إيمان سند حارساً أصيلاً لوعي الطفل، فهي المبدعة التي لم تكتفِ بسرد الحكايات، بل جعلت من قلمها جسراً يربط الأجيال الجديدة بجذورهم التاريخية الضاربة في القدم، مستمدةً قوتها من خبرات قيادية عريضة، كان أبرزها رئاسة المركز القومي لثقافة الطفل.

وفي هذا الحوار لـ”صوت البلد”، تفتح إيمان سند خزائن أفكارها؛ تتحدث عن “التابوهات” المسكوت عنها في أدب الصغار، وتكشف سر انحيازها للورق في عصر الذكاء الاصطناعي، وتنتقد بجرأة “تغريب” كاتب الطفل في جوائز الدولة، كما تطلق صرخة لاستعادة مهرجانات الطفولة المفقودة، محذرةً في الوقت ذاته من “موجة الرعب” التي تجتاح عقول الشباب، مؤكدة أن “الخيال الهادف” هو السلاح الوحيد الناجع في معركة الانتماء.

بين عالم الطفل “المثالي” وعالم الكبار “الواقعي”.. هل تعتبر إيمان سند الكتابة للكبار بمثابة “استراحة محارب” تلوذ إليها من قيود الكتابة للنشء، أم أنها مواجهة حتمية مع قسوة الواقع؟

لا أستطيع تحديد لحظة ميلاد الفكرة بدقة، لكنها تتشكل وتلح عليّ بفرض كيانها، سواء كانت موجهة للطفل أو للكبار، دون أن يربكني تحديد القالب الأدبي، وإن كنت أهتم بشدة بانتقاء “القاموس اللغوي” المناسب لكل عالم منهما.

الكتابة للكبار هي توغل إرادي في العالم الذي نود الهروب منه؛ فهي مواجهة مع الواقع المرير، تضغط فيها على جروحك وتنبش في ذاكرة الآلام، لتتحدث عن ذاتك وأزماتك بصراحة تامة. أما عالم الطفل، فهو ملاذ الخيال والواقع المثالي، حيث نتحرى القيم والأخلاقيات، وننتصر للجمال والصدق والفضائل؛ فإذا ما عرضنا صفة سلبية، سارعنا بتقديم نقيضها الإيجابي فوراً لنحافظ على نقاء تلك التجربة.

أدب الطفل ومعركة الوعي

هل تراهنين على أن “الحكاية” وسحر الدراما أقوى أثراً من “المنهج المدرسي” الجامد في غرس الهوية المصرية لدى الأجيال الجديدة؟

أؤكد لك ذلك وبقوة؛ فمن خلال دراستي الأكاديمية وتجاربي الإبداعية، أيقنت أن القالب القصصي هو القوة الناعمة الأكثر جذباً وتأثيراً على الإطلاق إذا ما صِيغ بذكاء. في رسالتي للماجستير، استحضرت شخصيات وطنية ملهمة مثل “محمد علي” و”مصطفى كامل” و”سعد زغلول”، ولم أقدمهم كمعلومات تاريخية صماء، بل كقدوات حية (Heroes) يطمح الطفل لتقليد بطولاتهم والتحلي بصفاتهم في سن مبكرة.

هذا الرهان تجسد بوضوح في روايتي “حجر رشيد” (التي بلغت طبعتها الثالثة)، حيث قدمت المعلومة التاريخية عبر رحلة فنان من “وصف مصر”. أما في رواية “مولودة القمر” التي تتناول سيرة الملكة “أحمس نفرتاري”، فالأمر يتجاوز مجرد الحكي إلى مخاطبة وعي قارئ شاب قادر على البحث عن الحقيقة ومناقشة القضايا الجدلية؛ هنا يصبح عشق الوطن نابعاً من إدراك حقيقي لعظمة الأجداد، وهو ما أعتبره الغرس الحقيقي والعميق للهوية المصرية.

كتابكِ “آية وحكاية” يطرح قصص القرآن بأسلوب عصري.. كيف حققتِ تلك المعادلة الصعبة بتقديم “الخيال الأدبي” الجاذب للطفل دون المساس بـ”قدسية” النص القرآني وثوابته؟

مجموعة “آية وحكاية” هي ثمرة تعاون رفيع بين “الهيئة المصرية العامة للكتاب” و”وزارة الأوقاف”، وقد خضعت المادة لمراجعة دقيقة ومشددة من قبل “الأوقاف”؛ إدراكاً منا لحساسية تقديم المحتوى الديني للأطفال، حيث لا مجال لأي اجتهاد خاطئ.

الرؤية هنا لم تكن سرد قصص تاريخية فحسب، بل جعلت القصص “تتماس” مباشرة مع واقع الطفل المعاصر ومشكلاته اليومية. ربطنا مواقف حياتهم بآيات قرآنية محددة، ليتفكر الصغار في معانيها العظيمة، ويدركوا بيقين أن القرآن دستور أخلاقي ومنهج حياة صالح لكل زمان ومكان، وليس مجرد سرد لقصص من أزمنة غابرة.

ناقشتِ قضايا شائكة كالموت في أدب الطفل.. متى يكون الصدق مع الطفل واجباً صريحاً، ومتى يكون “الترميز” هو الملاذ الآمن للكاتب؟

الطفل المعاصر بات أكثر وعياً وذكاءً بفضل انفتاحه على “الميديا” والوسائط الرقمية التي كشفت له حقائق كانت تخفى عن الأجيال السابقة. ومن خلال تجربتي وقربي من الأجيال الجديدة، أيقنت أن الطفل يقدّر “المصارحة” ويرفض أنصاف الحقائق، بل ويعتبر إخفاء أي جزء من الواقع نوعاً من الكذب عليه.

أما فيما يخص “الموت”، فالأطفال يدركون ماهيته جيداً وربما أكثر من “تابوهات” أخرى؛ فهم يتقبلون في القصص فكرة رحيل ملك وتولي أمير مكانه ببساطة. التحدي الحقيقي ليس في طرح القضية، بل في “كيفية” تقديمها بشكل واقعي وصادق ينمي إدراكهم دون تزييف، مع الحفاظ على القالب الدرامي الذي يستوعب عقولهم الصغيرة.

الإدارة الثقافية والواقع

 بصفتكِ رئيسًا سابقًا للمركز القومي لثقافة الطفل.. ما هو “العائق الحقيقي” الذي يحول دون وصول الكتاب الورقي إلى أطفال القرى والنجوع في زمن يطغى فيه “التريند” الرقمي؟

خلال فترة مسؤوليتي، كان رهاننا الأساسي يرتكز على ترسيخ قيمة “الكتاب” أو “المجلة” كجائزة معنوية كبرى في وجدان الطفل، وذلك من خلال المسابقات الفنية والثقافية المكثفة. كانت استراتيجيتنا تضمن وصول إصدارات وزارة الثقافة بشكل دوري (أسبوعي أو شهري) إلى أقرب مكتبة أو قصر ثقافة في محيط الطفل، مما خلق رابطاً إنسانياً وثيقاً بين القارئ الصغير وكتّابه المفضلين.

هدفنا الدائم كان كسر الحواجز الجغرافية ليصل المحتوى الثقافي إلى الريف والمناطق النائية؛ ليشعر الطفل هناك بأنه جزء أصيل وجوهري من نسيج المجتمع المصري. لكن، لتحقيق ذلك واستدامته في مواجهة سطوة “التريند”، يظل الاهتمام بـ “المحتوى” وجودة “الإخراج الفني” والطباعة هو الواجب الأساسي لجذب جيل اليوم وضمان وصول الرسالة التربوية والوطنية له بفعالية.

هل تعتقدين أن جوائز الدولة — والتي نلتِ نصيباً وافراً منها — تنصف كاتب الطفل فعلياً، أم أنها لا تزال تُعامل كفرع “تكميلي” أو هامشي مقارنة بروايات الكبار؟

بكل أسف، لا يزال كاتب الأطفال يُعامل في الوسط الثقافي وكأنه “مبدع لم يستكمل أدواته”، رغم أن أغلبنا حاصل على أرفع الدرجات العلمية والتكريمات. لقد تشرفت بجائزة اتحاد الكتاب عن قصتي “الأميرة عالية والسيف المسحور”، ووصلت للقائمة القصيرة لجائزة “ساويرس”، وكُرّمت في محافل دولية، لكن في “جوائز الدولة” تذوب خصوصيتنا؛ فنحن نُحشر ضمن فرع الآداب العام، والرسامون ضمن فرع الفنون، وغالباً ما يذهب التصويت لصالح كاتب الكبار.

الأزمة تكمن في “تغييب” المبدع المعاصر؛ فالذاكرة الجمعية لا تزال أسيرة لأسماء الرواد الراحلين —مع كل التقدير لهم— كعبد التواب يوسف ويعقوب الشاروني وأحمد نجيب، بينما لا يتم تسليط الضوء على المنجز الإبداعي للأجيال الحالية أو دراسة أعمالهم بجدية. نحن نُنظر إلينا كـ “دخلاء” على جوائز الكبار، في ظل غياب “محاصصة” عادلة أو تمثيل مشرف يليق بخطورة وتأثير أدب الطفل.

في عصر السيادة الرقمية.. هل تكفي “النوستالجيا” والحنين للماضي وحدها للصمود في وجه المنصات والتطبيقات الجاذبة للطفل؟

إذا كنا نتحدث عن “نوستالجيا” المجلات والكتب الورقية ومنافستها للمنصات الحديثة، فأنا أؤمن أن الكتاب المطبوع لا يزال يمتلك عشاقاً ومخلصين. ورغم تراجع وتيرة الإنتاج الضخم من المجلات والكتب الورقية، إلا أنني على يقين بأن الطباعة لن تنتهي أبداً ولن تختفي من حياتنا.

نعم، قد تتراجع مكانة الورقي قليلاً أمام منافس رقمي شرس وعابر للحدود، لكن هذا التراجع لا يعني الفناء؛ فالعلاقة بين الطفل والكتاب الورقي تظل تجربة حسية ومعرفية فريدة، تضمن بقاءه كعنصر أصيل في تكوين الوجدان مهما تطورت الوسائل التكنولوجية.

رؤية للمستقبل

مع اقتحام الذكاء الاصطناعي مجالي التأليف والرسم.. هل تخشين على “روح الكاتب” من الانقراض؟ أم تؤمنين أن الآلة — مهما بلغت دقتها — لن تدرك أبداً “سر الدهشة” الكامن في وجدان الطفل؟

لستُ قلقة على “موت الكاتب”، بقدر قلقي على “مستقبل صناعة النشر”؛ فنحن أمام أجيال من الأطفال تندفع بشغف نحو كل ما هو تقني جديد، مدفوعين برغبة في التحدي وإثبات الذات، دون التوقف طويلاً أمام اعتبارات الصواب والخطأ أو حتى الجودة الإبداعية.

الخطر الحقيقي يكمن في انجراف الطفل وراء “الصرعات الرقمية” لمجرد المحاكاة والتقليد، حتى وإن كان المحتوى الذي تفرزه الآلة أقل مستوىً وعمقاً مما اعتاد عليه في الأدب الورقي الرصين. فالآلة قد تحاكي الشكل، لكنها تظل عاجزة عن صياغة “دهشة” إنسانية حقيقية، وهو ما يفرض علينا تحدياً كبيراً في استعادة هؤلاء الصغار بإنتاج يمزج بين التطور التقني والروح الإبداعية الحية.

في رواياتكِ الموجهة للكبار، هل ثمة “تابو” أو منطقة شائكة تمنيتِ اقتحامها إبداعياً، لكنكِ تراجعتِ تقديراً لجمهوركِ العريض من الأطفال وأولياء أمورهم؟

هذه حقيقة أواجهها بالفعل؛ فثمة موضوعات أتحرج من الخوض في تفاصيلها الصادمة، ليس خوفاً من الكتابة ذاتها، بل تقديراً للصورة الذهنية والروابط التي بنيتها مع جمهوري من الأطفال وعائلاتهم. عندما تشعر أنك نجحت في بناء “رصيد من الثقة” لدى فئة عمرية وتربوية معينة، يصبح من الصعب —بل ومن غير اللائق — المخاطرة بهذا الإرث أو صدم تلك الفئة بما قد يخدش تلك العلاقة الإنسانية والإبداعية الخاصة.

بصفتكِ مبدعة وأكاديمية.. هل ترين أن “مشرط” النقد الأدبي في مصر قد أنصف أدب الطفل، أم أن النقاد لا يزالون يركضون خلف روايات الكبار وظاهرة “البيست سيلر”؟

نحن بالفعل في احتياج ماس لاهتمام نقدي أكثر عمقاً وتخصصاً؛ فنحن نفتقد لوجود “أبواب ثابتة” في المجلات والدوريات الثقافية تتبنى “النقد التطبيقي” لما يُقدم للطفل، بحيث تُحلل الأعمال وتُقدم كنماذج استرشادية تفيد الكاتب وتطور أدواته.

المشكلة تكمن في أن السائد حالياً في نقد أدب الطفل هو “المنهج التاريخي” الذي يرتكز على الأرشيف والرواد، بدلاً من تقديم رؤى نقدية حديثة تواكب نتاج الأجيال الجديدة. النقد الحقيقي يجب أن يخرج من جلباب الماضي ليواكب حداثة المحتوى المعاصر، ليكون مرآة صادقة تطور هذا الفن وتضعه في مكانته المستحقة.

تقلدتِ مناصب قيادية رفيعة في وزارة الثقافة.. من واقع تجربتكِ الميدانية، هل لا يزال “السقف الزجاجي” يعيق وصول المرأة المثقفة لمراكز صنع القرار الثقافي في مصر؟

الأمر يتوقف بالدرجة الأولى على إيمان القيادات العليا بمحورين جوهريين: أولهما أن المرأة “محرك حقيقي” وفاعل في المشهد الثقافي وليس مجرد واجهة، وثانيهما أن “القيادة المثقفة” أقدر بمراحل على الإنجاز من “القيادة الإدارية” البحتة.

لطالما كانت الفجوة بين الإدارة والثقافة هي التحدي الأكبر داخل الوزارة؛ ورغم أن بعض الإداريين نجحوا بذكاء في استثمار طاقات المثقفين وتوظيفها، إلا أن هذا المنطق لا يمكن تعميمه ولا يصلح لكل المواقع. نحتاج إلى رؤية تضع المثقف —رجلاً كان أو امرأة — في قلب عملية اتخاذ القرار، لضمان روح إبداعية تقود العمل الإداري لا العكس.

دراما الطفل

لماذا نفتقد اليوم في مصر لإنتاج رسوم متحركة يضاهي عمق قصصكِ أو يحيي “التراث الهيروغليفي” الذي تنادين به

نحن نملك تجارب مضيئة، وعلى رأسها ما تقدمه (مجلة نور) سنوياً في رمضان من مسلسلات مدهشة ومليئة بالخيال، تحت إشراف الدكتورة نهى عباس والزميل عمرو الطاروطي وبأقلام كُتّاب سيناريو متميزين.

الأزمة الحقيقية تكمن في “الإنتاج السينمائي” الموجه للطفل، فهو قليل جداً ولا يلبي الطموح. ومن هنا، أود استثمار هذا الحوار لأوجه مناشدة لوزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي، بضرورة استعادة “مهرجان سينما الأطفال” وإحياء “معرض كتاب الطفل” المستقل؛ تلك الفعاليات التي شكلت وجدان جيلنا، وكان انتظارنا لشهر نوفمبر (أعياد الطفولة) وزيارة المعرض طقساً مدرسياً مقدساً لا يمكن نسيانه.

 كيف يحافظ المبدع على “عمق الطرح” في زمن يقدس “السرعة والسطحية”؟

علينا أولاً أن نتمسك بتأسيس “قصص هادفة” للطفل، لا تمنع الإثارة أو المغامرة أو حتى القوالب البوليسية، طالما أنها تحمل قيمة حقيقية. لكنني، وبكل صراحة، أشعر بقلق بالغ حين أرى الزحام الشديد في حفلات توقيع “روايات الرعب”، واعتبار الصغار والشباب أن هذا هو النموذج الأمثل للكتابة؛ فهذا اتجاه مخيف حقاً في تشكيل الوجدان.

ومع ذلك، لست متشائمة؛ فأنا أرى في الجيل الجديد من الكتاب طاقات مجتهدة، ومواهب شابة “شاطرة” ودارسة لأدواتها بعمق، وأنا أحبهم وأراهن عليهم فعلاً. وصيتي لهم: لا تجرفكم موجة السطحية، واجعلوا من إبداعكم مرآة لجمال الحقيقة لا لظلال الرعب الزائفة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15664

موضوعات ذات صلة

استراتيجيات الدمج الثقافي.. مصر وعُمان نموذجًا .. في معرض القاهرة للكتاب

المحرر

غازي يفكك صراع الصحافة والتقنية في “خرائط التغيير”

المحرر

نوبل السلام وترامب.. هل يسخر القدر مجددًا؟

المحرر

مدحت صفوت: النقاد التقليديون حراس لمقابر مهجورة

سارة الدسوقى

السيناريست مجدي صابر: التواصل مع المجتمع أساس كتاباتي

المحرر

بعد فوزها بالتشجيعية.. دعاء البادي: هدفي تكريم المهمشين

المحرر