
يقف العالم في مطلع عام 2026 على أعتاب ثورات تقنية جبارة، حيث نجد أنفسنا – وبكل أسف – أمام ارتداد عاطفي مخيف، حوّل “الحب” من ميثاق غليظ وسكينة نفسية إلى “منتج” خاضع لقوانين السوق وهشاشة الافتراض؛ إذ إننا لا نعيش أزمة مشاعر فحسب، بل نعيش “أزمة وجودية” تعاني فيها الروح من تسليع مفرط، فقد تشوهت الفطرة تحت وطأة النرجسية الرقمية، واستبدلت الحميمية بالاستعراض؛ لنصبح أمام حالة من “الاغتراب الوجداني” الذي جعل القلوب العامرة بالصدق عملة نادرة في زمن الزيف.
في هذا التقرير، نغوص في دهاليز النفس البشرية ونشرّح واقعنا الاجتماعي لنكشف كيف سقط الحب في فخ “السيولة”، وكيف يمكننا استعادته من “غرفة إنعاش” المصالح والمظاهر قبل أن نفقد آخر ما يربطنا بإنسانيتنا.
الحب في “غرفة الإنعاش”
من الصعب أن نكتب عن “الحب” في زمنٍ لم يعد فيه الحب يشبه نفسه؛ فنحن اليوم، وفي مطلع عام 2026، نقف أمام حالة من المسخ العاطفي؛ حيث تحول أسمى شعور إنساني إلى “تريند” عابر، أو صفقة متبادلة، أو مجرد استعراض فارغ على منصات التواصل الاجتماعي؛ فلم يعد السؤال: “هل نحب؟”، بل السؤال الأكثر إلحاحاً ونقداً: “ما الذي نفعله باسم الحب؟”.
حين نُحلل “الحب” نفسياً في واقعنا الراهن، نجد أننا نعيش حالة من “الإفلاس الشعوري”؛ فلقد استبدلنا العمق بالسطحية، والصبر بالاستهلاك. ففي الماضي، كان الحب يُبنى كما تُبنى البيوت، حجرًا فوق حجر، بالصبر والتجاوز والتغافل. أما اليوم، فالحب أصبح “وجبة سريعة”؛ يُطلب بضغطة زر، ويُلقى به في سلة المهملات عند أول خلاف بسيط.
النفس البشرية أصبحت تعاني من “الأنانية المفرطة”؛ فنحن لا نحب الآخر لذاته، بل نحب “صورتنا” في عينيه، وحين تنطفئ شرارة الإعجاب الأولى، نكتشف أننا لم نكن نحب إنساناً، بل كنا نحب “فكرة” صنعناها في خيالنا، إذ إن هذا التحليل النفسي يفسر لنا لماذا ارتفعت نسب الطلاق والانفصال في مجتمعنا بشكل مرعب؛ لأن “الأنا” تضخمت حتى لم تعد تترك مكاناً لـ”نحن”.
نحن أصبحنا نعيش في “مجتمع الاستعراض”؛ فلقد تآكلت الخصوصية، وأصبح “إثبات الحب” للناس أهم من “عيش الحب” مع الحبيب، حيث حول البعض علاقتهم إلى مادة إعلانية؛ من صور “السيلفي” المصطنعة إلى حفلات الارتباط الباذخة التي تفتقر إلى الروح، إذ قد تحول الحب من “قيمة” إلى “مظهر”.
وهنا يبرز الخطر؛ فالمجتمع الذي يقدر “المظهر العاطفي” على حساب “الجوهر الإنساني” هو مجتمع ينتج علاقات هشة، فنحن نرى اليوم شباباً وفتيات يلهثون خلف “سراب” الحب الذي تروجه الدراما والسينما، وحين يصطدمون بالواقع المادي والمسؤوليات الاجتماعية، تنهار أحلامهم كبيت من ورق، حيث إن الحب ليس “أغنية رومانسية”، بل هو “مسؤولية أخلاقية” وقدرة على الصبر في مواجهة تقلبات الحياة والاقتصاد.
في مجتمعنا الشرقي، ما زلنا نخلط بين “الحب” وبين “الاستبداد”. ففي تحليلنا النفسي للعلاقات، نجد أن الكثير من حالات “الحب” هي في الحقيقة “سجون انفرادية”؛ فالرجل يريد أن يمتلك المرأة باسم الغيرة، والمرأة تريد أن تلغي شخصية الرجل باسم الاهتمام؛ فهذا ليس حباً، إنه “مرض نفسي” يتدثر بعباءة العاطفة.
الحب الحقيقي هو “تحرير” للآخر وليس “تقييداً” له، هو أن تمنح من تحب الجناحين ليطير، والبيت ليعود. لكننا في واقعنا، حولنا الحب إلى “عقود إذعان”، حيث يحاول كل طرف أن يشكل الآخر وفق هواه، مما يخلق حالة من الصراع الصامت التي تنتهي إما بالانفجار أو بالخرس الزوجي والعاطفي.
لا يمكننا عزل الحب عن سياقه المادي، ومع تزايد ضغوط الحياة، صار الحب “ترفاً” في نظر البعض، أو “ملاذاً” في نظر البعض الآخر. وهنا يأتي دورنا ككتّاب لننقد تحويل العلاقات إلى “حسابات بنكية”؛ فحين يطغى “المادي” على “المعنوي”، يموت الحب في مهده؛ إذ إننا بحاجة إلى ثورة على المفاهيم المادية التي قيدت الزواج وعقدت سبل الحلال، مما جعل الحب يتحول إلى “أمنية بعيدة المنال” للكثير من الشباب.
يجب علينا إعادة الاعتبار لـ “الحب الواعي”.. الحب الذي يقرأ الواقع بعين فاحصة، ولا يغمض عينيه عن العيوب؛ فنحن بحاجة إلى “محو أمية عاطفية”؛ إذ يجب أن نتعلم كيف نتحاور، كيف نختلف دون أن نجرح، وكيف نرحل – إذا وجب الرحيل – برقي.
سيبقى الحب هو اللغز الأجمل، لكنه اللغز الذي يحتاج إلى “عقل” يحميه و”قلب” يغذيه؛ فلن نتوقف عن الكتابة والنقد والتحليل حتى نرى الحب وقد خرج من “غرفة الإنعاش” ليعود إلى الشوارع والبيوت والقلوب، طاهراً من النفاق، بعيداً عن التملك، وعصياً على الاستهلاك الرقمي.
تزييف المشاعر
أحد أخطر التحديات التي تواجه الحب هو “فخ المثالية” الذي تنصبه لنا صور وشاشات العالم الرقمي. نحن نعيش تحت ضغط مقارنة علاقاتنا الواقعية – بما فيها من تعب وخصام وتفاصيل يومية مملة – بصور “الكمال” التي يصدرها المشاهير والمؤثرون. هذا التزييف الممنهج خلق حالة من السخط الدائم لدى الشريكين، حيث يشعر كل طرف أن الآخر “مقصر” عاطفياً مقارنة بما يراه في الفضاء الإلكتروني. هذا التحليل النفسي يقودنا لنتساءل: كيف للواقع أن ينتصر على الخيال المصنوع بـ”الفلاتر”؟ إننا بحاجة إلى ثورة نقدية تعيد الاعتبار لـ”الجمال في العيوب”، وتؤكد أن الحب الحقيقي ينمو في العثرات لا في الصور اللامعة.
الحب في جوهره يحتاج إلى “زمن” ليختمر، لكننا نعيش عصر “اللا وقت”؛ فنحن جيل لا يملك صبراً لإصلاح “الراديو القديم”، بل يفضل شراء راديو جديد؛ وهكذا نفعل في علاقاتنا؛ فبمجرد ظهور أول “خدش” في جدار العلاقة، يهرع الطرفان إلى خيار “الاستبدال” بدلاً من “الترميم”، حيث إن هذا الانهيار في قيمة الصبر هو نقد مباشر لمنظومتنا التربوية التي لم تعد تعلّم الأجيال أن الحب “جهد” وعمل يومي شاق، وليس مجرد شعور يأتيك وأنت مستلقٍ على أريكتك؛ إذ إن الحب الذي لا يصمد أمام “اختبار الزمن” هو في الحقيقة ليس حباً، بل هو “نزوة” طال أمدها قليلاً.
إننا نعاني اليوم من صراع حاد بين مفهومين: التبعية الكاملة التي تلغي الشخصية، والاستقلال المتطرف الذي يرفض المشاركة؛ حيث نجد أن بعض العلاقات تتحول إلى ساحة معركة لإثبات “من الأقوى؟”، بدلاً من البحث عن “كيف نتكامل؟”. لقد شوهت بعض التوجهات الاجتماعية الحديثة مفهوم الاستقلال، فجعلت الفرد يخشى أن يكون “ضعيفاً” أو “محتاجاً” لشريكه، معتبرة أن الاحتياج العاطفي “نقيصة”. والحقيقة التحليلية تؤكد أن ذروة القوة في الحب هي “القدرة على إظهار الضعف” أمام الشريك دون خوف، إذ إن نقدنا لهذا الاستقلال المتطرف يهدف إلى استعادة “الدفء الإنساني” الذي لا يتحقق إلا بالاعتراف المتبادل بحاجتنا الفطرية للآخر.
النقد الاجتماعي للحب اليوم هو ضرورة لإنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا؛ فالإنسان بلا حب صادق هو مجرد “آلة” تعمل في ترس مجتمع مادي جاف؛ فالحب هو “المصل” الوحيد ضد التوحش الذي نراه في جرائم العنف الأسري، وهو الجسر الوحيد الذي يمكن أن يعبر بنا نحو مجتمع سوي.
