ثقافة وأدب

حقيبة الأحلام المثقوبة.. قصة قصيرة

في تمام السابعة مساءً، وسط ضجيج المارة أمام محطة “رمسيس”، لفت نظري رجلٌ مسنٌ يجلس فوق حقيبة جلدية قديمة، لم تكن حقيبة سفر، بل كانت تشبه حقائب المحامين في الأفلام القديمة. كان يمسك بقطعة خبز جافة، لا يأكلها، بل يفتتها للعصافير التي لم تأتِ أبداً بسبب زحام البشر.

اقتربتُ منه، قلتُ له بابتسامة هادئة: “يا حاج، الجو برد.. ليه قاعد كدة؟”.

نظر إليّ بعينين غائرتين، تلمع فيهما دموعٌ تجمدت من فرط التكرار. قال بصوتٍ يخرج من بئرٍ عميق: “أنا مستني ابني.. قالي يا بابا هخلص شغل في المعرض وأعدي آخدك نشتري الكتب اللي بتحبها”.

سألته بعفوية: “وهو اتأخر ليه؟”.

هنا ساد صمتٌ مرير.. فتح الرجل الحقيبة المتهالكة، لم يكن فيها ملابس، بل كانت ممتلئة بـ”شهادات تقدير” وصورة باهتة لشاب وسيم يرتدي ثياب التخرج. مسح على الصورة بيده المرتعشة وقال: “ابني مات في حادثة وهو راجع من المعرض من سنتين.. بس أنا كل سنة في نفس الميعاد بلبس لبسي اللي بيحبه، وبجيب الشنطة اللي كان بيشيل فيها كتبه، وبستناه هنا”.

صعقني برده، لكن الصدمة الأكبر كانت حين أكمل: “عارف يا أستاذ.. أنا مش مستني إنه ييجي، أنا عارف إنه مش جاي.. أنا بس باجي هنا عشان أعتذر له.. ليلة ما مات، قولتله متتأخرش، وهو اتأخر أوي.. اتأخر لدرجة إني ملقيتش حد يقرالي الجرنال الصبح، ولا حد يسندني وأنا ماشي”.

انهمرت دموع الرجل فجأة، وشهق شهقةً مزقت نياط قلبي وهو يقول: “الشنطة دي كانت مليانة أحلام يا ابني.. دلوقت مفيهاش غير ريحة تراب وورق ملوش قيمة.. أنا اللي مِتّ يومها، وهو اللي لسه عايش في الوجع اللي سايبه في قلبي”.

تركتُه وما زالت صورة يده وهي تمسح على “شهادة التقدير” تطارد مخيلتي. رحلتُ وأنا أشعر أن الحقيبة لم تكن هي المثقوبة، بل قلوبنا التي تمر على هؤلاء المنكسرين ولا تدرك حجم “المعازي” التي تقام داخل صدورهم كل ليلة.

وعلى الرغم من محاولتي الابتعاد، جذبتني التفاتة أخيرة منه وهو يعيد ترتيب الأوراق داخل الحقيبة بعناية فائقة، وكأنه يغطي ابنه بِلِحاف من الذكريات ليحميه من صقيع يناير. لم تكن مجرد أوراق، بل كانت قطعاً من عمرٍ توقف في لحظة غادرة، وحياة كاملة اختُزلت في بضعة سنتيمترات من الجلد المهترئ الذي يأبى أن ينغلق تماماً، وكأن الثقب الذي يسكن قلبه قد انتقل إلى جدران الحقيبة أيضاً.

وفجأة، اقترب منه شابٌ يبدو عليه الاستعجال، اصطدم بالحقيبة دون قصد، فتبعثرت بعض “شهادات التقدير” على الرصيف المبتل. انحنى الشاب معتذراً باقتضاب ومضى في حال سبيله، بينما ارتمى المسن على الأرض بلهفةٍ يجمع الأوراق، يمسح عنها غبار الأحذية بيده المرتعشة، ويقبلها وكأنه يستسمح روح ابنه عن هذا التدنيس الذي أصاب تاريخه الصغير.

حينها، لم أتمكن من الرحيل؛ شعرت أن ثقل الحقيبة قد انتقل إلى صدري. عدتُ إليه، انحنيتُ بجانبه أساعده في جمع ما تبقى، فلامست يدي إحدى الشهادات؛ كانت تحمل اسم “يحيى”، وبجانبها ملاحظة بخط اليد تقول: “أبي، سأجعلك تفخر بي دائماً”. نظر إليّ الرجل بامتنانٍ منكسر، وقال هامساً: “يحيى كان يحب الكتب، كان يرى فيها أبواباً لا تُغلق.. لكن الموت كان الباب الوحيد الذي لم يستطع أن يواربه”.

جلسنا سوياً لدقائق بدت كأعوام، أخبرني فيها أن كل من يمرون به يظنونه مجنوناً أو متسولاً، لا أحد يدرك أن هذا الرصيف هو “محرابه” الخاص، وأن الحقيبة هي “ضريحه” الذي يتعبد فيه. قال وهو يغلق القفل المكسور بخيط رفيع: “الناس تظن أنني أنتظر ابناً، والحقيقة أنني أنتظر نفسي التي رحلت معه، لعلها تشفق عليّ وتعود لتأخذ ما تبقى من جسدي إلى حيث هو”.

ومع دقات ساعة المحطة التي أعلنت الثامنة، وقف الرجل بصعوبة، سحب حقيبته خلفه فصدر منها صريرٌ يشبه أنين الروح. لم يطلب مالاً ولم ينظر خلفه، بل مضى يجرّ خيباته الثقيلة وسط الأمواج البشرية التي تتقاذفه يميناً ويساراً، وكأنه قاربٌ محطم في بحرٍ لا يرحم، يصارع ليبقى طافياً فوق سطح الذكرى.

توارى جسده الضئيل خلف زحام الحافلات، وبقيتُ أنا واقفا مكاني، أنظر إلى العصافير التي بدأت أخيراً تحط على الأرض لتلتقط فُتات خبزه الذي تركه خلفه. كانت تأكل في صمتٍ غريب، وكأنها تدرك أن هذا الخبز معجونٌ بدموع أبٍ لم يجد من يشاركه حزنه، فقدم وجعه طعاماً لكائنات لا تعرف غدر الطرقات ولا مرارة الانتظار.

عدتُ إلى بيتي، لكنني لم أستطع أن أفتح كتاباً أو أقرأ خبراً؛ فصورة “حقيبة الأحلام المثقوبة” كانت قد سدت كل منافذ عقلي. أدركت ليلتها أن أشد أنواع الغربة ليست السفر بعيداً عن الوطن، بل أن تقف في قلب زحام “رمسيس” وأنت تحمل في يدك حقيبة مليئة بالحياة، بينما قلبك فارغٌ تماماً، ينتظر موعداً مع شخصٍ غادر ولم يترك خلفه سوى “شهادة تقدير” ووجعٍ لا يشيخ.

 

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=12859

موضوعات ذات صلة

بحضور كبار النقاد.. صديقان وفتاة ميتة بمعرض الكتاب

المحرر

الآثاريون العرب: حماية التراث في مواجهة الحروب

هدير عادل

د. أسامة رسلان: التكامل الإفريقي يحقق النهضة الزراعية

المحرر

مجلة المسرح: بين إرث الرواد ورقمنة 2026

أيمن مصطفى

الحرب اللبنانية صنعت بمآسيها مدرسة الرواية الجديدة

المحرر

السيناريست مجدي صابر: التواصل مع المجتمع أساس كتاباتي

المحرر