سليدرمنوعات

د. مجدي بدران: صداع الإنفلونزا ضريبة التعافي

 

دكتور مجدي بدران

 

بعد أن تضع الحرب الأوزار بين الجسد وفيروس الإنفلونزا، وتخبو نيران الحمى، يجد الكثيرون أنفسهم أمام “عدوٍ خفي” يرفض الرحيل؛ إنه صداع ما بعد الإنفلونزا. في هذه الإطلالة من “طبيبك الخاص”، استضافت جريدة “صوت البلد” الدكتور مجدي بدران، عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة، ليفك طلاسم هذا العارض ويضع النقاط على الحروف.

يظن البعض أن رحيل الحمى هو نهاية المطاف، فلماذا يباغتنا الصداع في مرحلة التعافي؟

الحقيقة أن الصداع هو “الصدى” الذي يتركه الفيروس في أروقة الجسد؛ فبعد انحسار الأعراض الحادة، يظل الجهاز العصبي والالتهابي تحت تأثير ما نسميه “عاصفة السيتوكينات”، وهي مواد كيميائية التهابية يرفعها الفيروس في الدماغ وتسبب شعوراً بالثقل والألم؛ فهذا الصداع هو بمثابة إعلان من الجسم بأنه ما زال ينظف آثار المعركة، ويستمر لعدة أيام نتيجة التأثيرات المباشرة للفيروس على الخلايا العصبية والوعائية.

ما هي المحركات الكامنة وراء هذا الألم؟ هل هي مجرد بقايا التهاب أم أن هناك عوامل أخرى؟

الأسباب تتضافر لتشكل هذا الضغط؛ فمن جهة هناك التهاب المجاري التنفسية والجيوب الأنفية الذي يولد ضغطاً فيزيائياً حول الجبهة والعينين بسبب تراكم الإفرازات. ومن جهة أخرى نجد الجفاف ونقص الأملاح والمعادن الأساسية الناتج عن ارتفاع الحرارة، وهو ما يؤثر على حجم السوائل المحيطة بالدماغ. ولا ننسى الإجهاد العضلي؛ فالسعال المتكرر والمرهق ينهك عضلات الرقبة والكتفين، مما يرسل إشارات ألم تنعكس مباشرة في الرأس، وتزيد من وطأة الصداع التوتري.

كيف يمكن للقارئ أن يميز بين أنواع هذا الصداع التي يمر بها؟

التمييز مهم جداً لتحديد العلاج؛ فمثلاً الصداع التوتري يشبه طوقاً حديدياً يضغط على الرأس من كل جانب، وينتج غالباً عن الإعياء العضلي العام. أما الصداع النصفي فهو ألم نابض يتركز عادة في شطر واحد من الرأس، ويصاحبه حساسية مفرطة للضوء والصوت، وربما غثيان خفيف، وهو أكثر شيوعاً لدى النساء والشباب. وهناك أيضاً صداع الجيوب الأنفية الذي نسميه “صداع الانحناء”، حيث يشتد الألم خلف العينين والخدين بمجرد إمالة الرأس للأمام نتيجة الاحتقان والانسداد.

ذكرتم الجفاف كعامل محوري، هل يمكن أن يسبب الجفاف صداعاً مستقلاً عن تأثير الفيروس نفسه؟

نعم بكل تأكيد، فالجفاف هو العدو الأول لاستقرار الدماغ؛ فعندما يفقد الجسم الماء والأملاح نتيجة التعرق الغزير أثناء الحمى أو زيادة الإفرازات المخاطية، تنكمش الأنسجة الحساسة في الدماغ قليلاً مبتعدة عن الجمجمة، مما يحفز مستقبلات الألم. لذا، فإن شرب الماء والسوائل الدافئة ليس مجرد نصيحة تقليدية، بل هو إجراء طبي لضبط توازن الكيمياء الحيوية في الرأس وتسكين الألم دون الحاجة لمسكنات كيميائية أحياناً.

هل للسن أو الجنس دور في تحديد شدة هذا الصداع أو نوعه؟

الإحصاءات والواقع الطبي يشيران إلى أن الجنس يلعب دوراً ملموساً؛ فالنساء أكثر عرضة للإصابة بالصداع النصفي بعد الإنفلونزا بسبب التغيرات الهرمونية التي تجعل الجهاز العصبي أكثر تحسساً للألم. أما من حيث السن، فالشباب والبالغون هم الأكثر شكوى، ربما بسبب ضغوط العمل وقلة النوم التي تلي فترة المرض، مما يمنع الجسم من أخذ قسط كافٍ من الراحة لإعادة بناء كيمياء الدماغ بشكل سليم.

متى ينبغي للمريض أن يقلق من هذا الصداع ويستشير مختصاً بشكل عاجل؟

القلق يصبح مشروعاً إذا استمر الصداع لأكثر من أسبوع بعد اختفاء أعراض الإنفلونزا، أو إذا كان الألم “انفجارياً” لا يهدأ بالمسكنات المعروفة. كما يجب الحذر الشديد إذا صاحب الصداع تصلب في الرقبة، أو تشوش في الرؤية، أو قيء مستمر لا علاقة له بالمعدة، فهذه علامات قد تشير إلى مضاعفات أبعد من مجرد إنفلونزا عابرة، وتستدعي تدخلاً طبياً فحصاً دقيقاً.

هل هناك علاقة بين السعال المستمر وزيادة ضغط الرأس المؤدي للصداع؟

السعال هو مجهود بدني جبار؛ ففي كل مرة تسعل فيها، يحدث ارتفاع مفاجئ ومؤقت في الضغط داخل الجمجمة فتكرار هذا الأمر مئات المرات خلال فترة المرض يجهد الأوعية الدموية في الدماغ ويسبب إرهاقاً لعضلات الرقبة والكتفين التي تعمل كدعامة للرأس، إذ إن هذا الإجهاد الفيزيائي يُترجم في النهاية إلى صداع مستمر حتى بعد توقف السعال، نتيجة “الإجهاد الميكانيكي” الذي تعرضت له الرأس.

بماذا ينصح دكتور مجدي بدران قراء “صوت البلد” لتجاوز هذه المرحلة بسلام؟

نصيحتي هي “الاستسلام الواعي” للراحة؛ فالجسم يحتاج لفترة نقاهة حقيقية لا تقتصر على غياب الحرارة فقط؛ فيجب تعويض السوائل بكثرة لضبط توازن الأملاح، وتجنب الإجهاد البصري أمام الشاشات، والحرص على النوم في غرف هادئة ومظلمة إذا كان الصداع نابضاً؛ فالصبر على الجسد في مرحلة التعافي هو أقصر طريق لاستعادة العافية الكاملة ومنع تحول الصداع العارض إلى حالة مزمنة.

وفي ختام لقائنا، يؤكد الدكتور مجدي بدران أن “صداع ما بعد الإنفلونزا” ليس إلا صرخة استغاثة من الجسد يطلب فيها الهدوء لإتمام عملية الترميم الداخلي. ولأننا في “صوت البلد” نهتم بعافيتكم، نلخص لكم أهم نصائح د. مجدي للتعافي التام في هذه النقاط الذهبية:

معادلة الارتواء

اجعل الماء والسوائل الدافئة رفيقك الدائم لتعويض الجفاف وضبط كيمياء الأملاح في أنسجة الدماغ.

هدنة الشاشات

امنح عينيك ودماغك راحة تامة من الأجهزة الإلكترونية والضوء الساطع، خاصة إذا كنت تعاني من نمط الصداع النصفي.

سلطان النوم

النوم الكافي في غرفة هادئة ومظلمة هو “المسكن الطبيعي” الذي يحتاجه الجهاز العصبي لإخماد عاصفة الالتهاب.

تلطيف الإجهاد

استخدم كمادات دافئة على الرقبة والكتفين لفك التشنجات الناتجة عن نوبات السعال المتكررة.

مبدأ التدرج

لا تتعجل العودة إلى الأنشطة البدنية أو الذهنية الشاقة؛ ففترة النقاهة لا تقل أهمية عن فترة العلاج.

 

 

 

 

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=11869

موضوعات ذات صلة

أحلام بائع كتب على الرصيف!

شيماء عيسي

تفاصيل تعيين 40 ألف معلم بالأزهر الشريف

المحرر

ذكرى دخول العائلة المقدسة إلى مصر

المحرر

بعد إلغاء 70% من الدوائر الانتخابية.. ما مصير القائمة الوطنية؟

محمود كرم

الحفاظ على الدولة الوطنية.. البناءو الوعي والبقاء

أيمن مصطفى

انطلاق حملة التوعية بمقاومة مضادات الميكروبات بأسيوط

أحمد الفاروقى