ثقافة وأدبسليدر

ياسمين فراج لـ«صوت البلد»: المسرح الغنائي «أمن قومي»

 

في حضرة العلم يكتسب النقد هيبته، وفي حضرة الفن تتحول الكلمات إلى أداة لضبط إيقاع الوجدان؛ فنحن اليوم أمام باحثة أكاديمية متخصصة، لم تكتفِ بالجانب النظري داخل جدران “أكاديمية الفنون”، بل نقلت أدواتها النقدية إلى خشبات المسارح ودور الأوبرا، لترصد بوضوح ملامح المشهد الفني الراهن.

وتعد د. ياسمين فراج من الباحثات اللواتي يمتلكن رؤية نقدية واضحة، حيث عكفت على دراسة الأرشيف الفني لسنوات حتى أصدرت مؤلفها الأحدث “المسرح الغنائي في مصر”، وهو عمل توثيقي نقدي يتضمن تحليلاً موسيقياً يسعى إلى إعادة الاعتبار لهذا الفن الذي تراجع حضوره لسنوات في ظل غلبة الأنماط الفنية الاستهلاكية.

وفي هذا الحوار لـ”صوت البلد”، نغوص معها في جوهر “السينوغرافيا الصوتية”، وصولاً إلى رؤيتها لمستقبل النقد في عصر “الرقمنة”، وكيف توفق بين التزامها الأكاديمي ونشاطها الميداني.

بعين الناقدة الموسيقية، هل كان للموسيقى والمؤثرات الصوتية حضور قوي ومؤثر في العروض المسرحية المقدمة هذا العام، أم أنها ظلت في الخلفية؟

الموسيقى في المسرح ليست مجرد “ديكور صوتي” أو خلفية لسد فراغات النص، بل هي “بطل درامي” غير مرئي يشارك بفعالية في صنع الحدث الدرامي وتطويره. ففي عروض مهرجان المسرح العربي لهذا العام، والتي انطلقت بالقاهرة في شهر يناير الماضي، رصدتُ تفاوتاً ملحوظاً في الوعي الموسيقي؛ حيث برزت تجارب شابة واعدة بدأت تدرك بعمق مفهوم “السينوغرافيا الصوتية”، وهي الحالة التي تتداخل فيها الموسيقى مع الحركة والإضاءة لتُشكل وحدة عضوية لا تتجزأ من بنية العمل المسرحي.

وقد تجلى ذلك بوضوح في عروض مثل “فريجيدير” من المملكة الأردنية، وعرض “الهاربات” من تونس؛ حيث تم توظيف الأغنية الشعبية توظيفاً درامياً ذكياً داخل نسيج العروض. ومع ذلك، لا يزال المشهد لا يخلو من الوقوع في فخ “الموسيقى المعلبة” أو الاختيارات الجاهزة، وهي معضلة غالباً ما تفرضها التكلفة المرتفعة لتأليف وتنفيذ موسيقى حية أو خاصة بالعمل.

إننا بحاجة ماسة اليوم لترسيخ دور “المؤلف الموسيقي المسرحي”، ذاك المبدع الذي يكتب “نوتة” العرض بالتوازي مع رؤية المخرج، لضمان ألا تظل الموسيقى مجرد “تابع”، بل لتصبح محركاً أساسياً للانفعالات الدرامية، وعنصراً حياً يتنفس فوق خشبة المسرح.

المسرح الغنائي

ننتقل إلى إنجازكِ الأكاديمي الأحدث، كتابكِ “المسرح الغنائي في مصر: من البدايات حتى نهاية القرن العشرين”. ما هي الدوافع التي حركتكِ للغوص في هذا الأرشيف التاريخي؟

الدافع الحقيقي وراء هذا العمل كان “الأمانة العلمية” والشعور بمسؤولية ملء فجوة توثيقية مخيفة في مكتبتنا الفنية؛ فالمسرح الغنائي المصري هو “درة التاج” في تاريخنا الإبداعي، لكونه الفن الذي تشكّل وظهر قبل فنون الإذاعة والسينما والتليفزيون، ومع ذلك عانى طويلاً من تشتت المصادر وضياع الكثير من ملامحه المنهجية.

لذا، أردتُ تقديم دراسة لا تكتفي بالسرد التاريخي التقليدي، بل تذهب بعيداً نحو تحليل “بنية القالب الغنائي” وتطوره، مع تقديم تحليل موسيقي دقيق لعروضه في مصر، وكيف نجح هذا الفن في صهر الموسيقى والدراما في بوتقة إبداعية واحدة.

لقد كان هدفي الأساسي هو الإشارة إلى النماذج المسرحية الغنائية الناجحة، واستعادة ريادة مصر التاريخية في هذا المجال، وتقديم مرجع أكاديمي للأجيال الجديدة يثبت بالدليل القاطع أننا كنا أصحاب مدرسة فنية متفردة سبقت الكثير من التجارب العالمية في هذا الفن الشامل.

غلاف كتاب المسرح الغنائي في مصر

يغطي الكتاب فترة زمنية طويلة، فما هي أبرز المحطات أو الشخصيات التي اكتشفتِها وقد تفاجئ القارئ غير المتخصص؟

المفاجأة الكبرى تكمن في اكتشاف أن المسرح الغنائي كان “منبراً سياسياً” ومحركاً للوعي الشعبي قبل أن يكون مجرد وسيلة للترفيه؛ فشخصية مثل “منيرة المهدية” لم تكن مجرد صوت رخيم، بل كانت بمثابة “دولة فنية” كاملة الأركان أدارت المشهد المسرحي الغنائي بحنكة واقتدار.

وكذلك تجديد العبقري “سيد درويش”، الذي أحدث ثورة بنيوية في الموسيقى المسرحية؛ حيث جعل اللحن يعبر بدقة عن الهوية الطبقية للشخصية وبيئتها الجغرافية، فلم يعد اللحن مجرد تطريب، بل صار “بطاقة تعريف” درامية.

إن الكتاب يغوص أيضاً في تجارب شعراء وملحني تلك الفترة، مثل “بديع خيري” و”سلامة حجازي”، ويكشف كيف كان المسرح الغنائي هو بمثابة “السوشيال ميديا” في ذلك العصر؛ حيث تُناقش فوق خشبته قضايا التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية بأسلوب فني رفيع، صهر طموحات الشعب في قوالب إبداعية خالدة.

ما هي الرسالة الأساسية التي تأملين أن تصل للقارئ، خاصة مع محاولات إحياء المسرح الغنائي مؤخراً؟

رسالتي الأساسية هي أن “الإحياء الحقيقي لا يكون بالتقليد والمحاكاة”، بل بفهم الفلسفة والمنهج الكامن وراء هذا الفن، ومناقشة قضايا المجتمع ومعالجة مشكلاته من خلال قوالب موسيقية غنائية متقنة. فالمسرح الغنائي في جوهره هو “الفن الشامل” الذي يصهر الرقص والغناء والتمثيل والديكور والموسيقى في تناغم دقيق لا يقبل التجزئة.

لذا، آمل أن يدرك القارئ والمبدع على حد سواء أن استعادة هذا اللون الفني تتطلب إعداداً خاصاً وجسوراً؛ فنحن بحاجة إلى “المؤدي الشامل” الذي يمتلك مهارات التمثيل والغناء والحركة معاً، وإلى “المنتج الواعي” الذي يدرك قيمة هذا الاستثمار الثقافي. إننا بحاجة اليوم لتقديم مسرح غنائي يتنفس بروح العصر، ويستفيد من ذروة التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، مع الحفاظ الصارم على “الطابع المصري” الأصيل الذي ميز أعمالنا الناجحة والخالدة.

ما هي أبرز الأنشطة الإبداعية والعلمية التي شاركتِ فيها مؤخراً؟

نشاطي دائماً ما يتركز في قلب قضايا “النقد الثقافي” و”الهوية”، فالدور الأكاديمي لا ينفصل عن الممارسة الميدانية. وفي هذا السياق، انتهيتُ مؤخراً من وضع الألحان والموسيقى للعرض المسرحي الغنائي “صبوحة”، والمقرر عرضه على خشبة “مسرح السلام” قريباً، وهي تجربة أعتز بها لكونها تطبيقاً عملياً لرؤيتي في المسرح الغنائي.

وعلى الصعيد البحثي، أنتظر خلال أسابيع قليلة صدور أحدث مؤلفاتي بعنوان “موسيقى دراما الشاشات: عصر المنصات”، وهو إصدار مشترك بين أكاديمية الفنون والهيئة المصرية العامة للكتاب. كما شرفتُ بالمشاركة في موسوعة “مائة وواحد قصيدة غنائية من الشعر الحديث”، والتي صدرت عن مركز اللغة العربية بأبوظبي؛ حيث كتبتُ المقدمة وقمت بتحليل عشر قصائد من منظور نقدي موسيقي، ومن المقرر إطلاقها في معرض أبوظبي الدولي للكتاب هذا العام.

الأكاديمية والميدان

كيف توفقين بين عملكِ الأكاديمي ونشاطكِ الميداني والإبداعي المكثف؟

المسألة في نظري ليست مجرد “توفيق” بين مجالين، بقدر ما هي حالة من “التكامل” العضوي؛ فالأكاديمية بدون الميدان تظل “نظريات جافة”، والميدان بدون الأكاديمية يسقط في فخ “العشوائية”. لذا، فإن محاضراتي في الأكاديمية تستمد طاقتها ونماذجها من الواقع الحي؛ وهو واقع عشته ومارسته من خلال اثني عشر عملاً مسرحياً شاركتُ فيها كممثلة ومطربة، بالإضافة إلى ما أشاهده يومياً في المسارح ودار الأوبرا.

ولا ينكر أحد أن عملية النقد تستمد موضوعيتها ومنهجيتها الصارمة من الأطر العلمية الأكاديمية، لكني في الجوهر أعيش الفن كممارسة وباحثة في آن واحد، وهذا الشغف هو المحرك الذي يجعلني أتحرك في المسارين بانسجام تام. لقد اعتدتُ منذ صغري على هذا التوازن بين الممارسة الإبداعية والرياضية والتحصيل الدراسي المتفوق، ولم أسمح يوماً لطرف بأن يطغى على الآخر أو يقصر في حقه.

 عصر “السيولة الثقافية”

كيف ترين مستقبل النقد الفني في ظل سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي؟

نحن نعيش اليوم في عصر “السيولة الثقافية”، حيث تلاشت الحدود الفاصلة واختلط رأي المتخصص الخبير برأي الهاوي؛ فقد أفرزت وسائل التواصل الاجتماعي ما يمكن تسميته بـ “الناقد اللحظي”، الذي يعتمد على السرعة الفائقة في إصدار الأحكام، وغالباً ما يكون من غير الدارسين أو المتخصصين. الأخطر من ذلك أن قطاعاً كبيراً بات يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في صياغة مقالات نقدية تفتقر إلى الروح والعمق التحليلي.

كما نلاحظ وجود مجموعة أخرى ممن يكتفون بـ”إعادة تدوير” أفكار ومقالات كبار المتخصصين في الموسيقى والمسرح والسينما ونسبتها لأنفسهم، وهو ما يضع على عاتق الناقد الأكاديمي مسؤولية مضاعفة وجسيمة؛ حيث إنني أرى أن دور الناقد المتخصص سيزداد أهمية وقيمة في المستقبل؛ ليكون هو “الفلتر” الحقيقي الذي يحمي ذائقة الجمهور من التضليل الفني ويقودها نحو الجمال الحقيقي.

إن النقد المبني على العلم والمنهج سيظل هو المرجعية الراسخة التي تعتمد عليها المؤسسات الجادة وتستند إليها ذاكرة التاريخ، بينما سيظل ضجيج “السوشيال ميديا” مجرد انطباعات وقتية عابرة تذروها الرياح مع مرور الزمن.

 ما هي النصيحة الذهبية التي تقدمينها لطلابكِ والباحثين الشباب؟

نصيحتي الدائمة لهم تتلخص في عبارة واحدة: “تسلحوا بالمعرفة الموسوعية ولا تسجنوا أنفسكم في زاوية واحدة”؛ فالناقد الحقيقي لا يمكن أن يكتفي بتخصصه الفني الضيق، بل يجب أن يكون قارئاً نَهماً في التاريخ والفلسفة وعلم النفس والمسرح والسينما وغيرها من العلوم الإنسانية التي تمنحه أفقاً أرحب للفهم.

والأهم من الحصيلة المعرفية هو العمل الدؤوب على “تدريب الأذن والعين”؛ لامتلاك القدرة على رصد تلك التفاصيل الدقيقة والخفية التي قد لا يدركها المشاهد العادي وسط بريق العرض؛ إذ إن النقد في جوهره هو “فن الملاحظة الدقيقة وتفسيرها” بمنطق علمي سليم؛ فمن لا يملك أدوات التحليل المنهجية سيظل يدور في فلك الانطباعات السطحية، سواء بالمديح المجاني أو الهجوم الشخصي، وكلاهما أبعد ما يكون عن “جوهر النقد” ورسالته السامية.

عام الصحوة والتصحيح

ما رؤيتكِ للمشهد الثقافي المصري في عام ٢٠٢٦؟

على الرغم من كل التحديات التي تحيط بنا، إلا أنني أجد نفسي دائماً “محكومة بالأمل” والتفاؤل؛ وأتمنى أن يكون عام ٢٠٢٦ هو عام “الصحوة والتصحيح والجودة”، حيث إنني أؤمن بعمق بأن الجمهور المصري والعربي قد وصل إلى مرحلة من التشبع من الفن الاستهلاكي العشوائي، وبدأ يتوق بشغف للأعمال التي تحترم عقله وتخاطب وجدانه برقي.

إن المشهد الثقافي المصري يتجه الآن وبقوة نحو “المأسسة”، لا سيما وأننا نمتلك كوادر احترافية عالية التأهيل تنتظر فقط أن تُوضع في مكانها الصحيح. وأزعم أننا بصدد رؤية عودة قوية ومظفرة للمسرح الاستعراضي والغنائي بصور مبهرة فنياً تليق بتاريخنا.

وكلمتي الأخيرة للقراء: “أنتم الرقيب والشريك الحقيقي في العملية الفنية والثقافية”؛ فبذائقتكم العالية التي توارثتموها عبر التاريخ، أنتم من تفرضون الفن والمنتج الثقافي الراقي من خلال اختياراتكم ودعمكم له. وبوعيكم الأصيل، تستطيعون وحدكم حماية هويتكم الثقافية من الاندثار، وصياغة مستقبل فني تفتخر به الأجيال القادمة.

 

 

 

 

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15375

موضوعات ذات صلة

٢قهوة.. رومانسية الاختلاف وتقبل الآخر

حسن عبدالعال

شادية الأتاسي: سقوط بشار أشبه بـحلم ولن نصبح كابول

المحرر

الفضاء الأزرق.. صرخة برتقالية!

أيمن مصطفى

فوق رأسي سحابة.. هروب للقاع مع القاتل الأول!

المحرر

رنا هاني: “دائرة الأمان” درع لحماية الطفل

سارة الدسوقى

المعجم الذكي للقاهرة الكبرى في معرض الكتاب 2025

المحرر