ثقافة وأدبسليدر

الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي

أعادت قضية الكاتب الكندي-الهايتي ثيلسون أوريليان الجدل حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة، بعدما استُبعدت روايته “C’était ça ou mourir” من القائمة الطويلة لجائزة جونكور الفرنسية في سبتمبر الماضي، إثر اتهامه باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة معظمها، إلى جانب اتهامات بالانتحال الأدبي؛ حيث أثار حساب مجهول على منصة “X” الشكوك حول الرواية، مستندًا إلى نتائج أداة متخصصة في كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، فيما نفى الكاتب هذه الاتهامات، وأكد ناشراه الفرنسي والكندي دعمهما له.

ويتضمَّن هذا الجدل تساؤلات حول حدود استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التأليف والتحرير، والمعايير التي يمكن الاستناد إليها للتحقق من هذا الاستخدام، خاصةً عندما تصبح الشكوك وحدها كافية لتعطيل صفقة النشر أو الإساءة إلى سمعة الكاتب، بالإضافة إلى تحديد مسؤولية كلٍّ من الكاتب والناشر عن مصداقية النص.

حوادث متكررة تفتح باب الشك

ولم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها؛ ففي يوليو الماضي، انهارت مفاوضات نشر رواية “Call Me, I’ll Hide the Body” للكاتب النيجيري جيري فالادي، التي تجاوزت العروض المقدمة لها مليوني دولار، بعدما أُثيرت شكوك حول احتمال استخدام الذكاء الاصطناعي في تأليفها. وكانت الرواية قد جذبت اهتمام 14 دار نشر أمريكية، قبل أن يسحبها وكلاء الكاتب من مفاوضات النشر، معللين قرارهم بعدم قدرتهم على التحقق من مراحل تطور المخطوط منذ بدايته حتى اكتماله، في حين نفى فالادي كتابة الرواية باستخدام الذكاء الاصطناعي، موضحًا في مقال نشره لاحقًا أنه استعان بأداة ذكاء اصطناعي لأغراض البحث، لا لتأليف النص، وذلك للتحقق من بعض المعلومات العلمية التي يحتاج إليها في بناء الأحداث.

وفي مايو الماضي، واجهت جائزة الكومنولث للقصة القصيرة اتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعي في ثلاث من القصص الخمس الفائزة إقليميًا، بعد أن أظهرت أداة “Pangram” مؤشرات على احتمال توليد أجزاء من هذه القصص بالذكاء الاصطناعي، وهو ما نفاه الفائزون، ما دفع المؤسسة إلى مراجعة القصص وعمليات التقييم، لكنها قررت لاحقًا الإبقاء على نتائج المسابقة، إلا أن الجدل لم ينتهِ عند هذا الحد؛ إذ استمرت الشكوك حول الأعمال، وأعلنت مجلة “جرانتا” توقفها عن نشر القصص الفائزة بالجائزة.

وفي وقت سابق من الشهر نفسه، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن كتاب ستيفن روزنباوم  “The Future of Truth” احتوى على اقتباسات ملفقة أو منسوبة بشكل خاطئ، وأقر المؤلف لاحقًا باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، خلال مراحل البحث والكتابة والتحرير.

الذكاء الاصطناعي يتسلل إلى سوق الكتب

في هذا السياق، تناولت دراسة بحثية أولية نشرتها “نيويورك تايمز” تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق الكتب، من خلال تحليل 14419 رواية من الروايات المنشورة ذاتيًا والمباعة على “أمازون”، بين يناير 2023 ومارس 2026؛ إذ وجدت الدراسة أن 2168 كتابًا من تلك الكتب كانت أكثر من 50% من نصوصها مولدة بالذكاء الاصطناعي، بينما تجاوزت نسبة النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي 90% في 970 رواية، ويقدِّر الباحثون أن مبيعات الروايات التي تضمنت نصوصًا مولدة بالذكاء الاصطناعي بنسبة لا تقل عن 25%، بلغت عشرات الملايين من الدولارات خلال السنوات الثلاث الماضية، وإن كانت تستحوذ على حصة أقل من المبيعات.

وتوصلت دراسة أخرى، أجراها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، استخدم فيها الباحثون برنامج “Pangram” لتحليل نصوص نحو 60000 كتاب بيعت على “أمازون”؛ ووجدت الدراسة أن نحو 53% من الكتب المنشورة عام 2025 تضمنت نصوصًا مولدة بالذكاء الاصطناعي، مقارنةً بـ23% عام 2023، وكان استخدام الذكاء الاصطناعي أعلى في فئات مثل السفر والرياضات الخارجية، بينما ظل منخفضًا في الروايات، كما أظهرت النتائج انخفاض متوسط تقييم الكتب الجديدة على “أمازون” مع انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي.

ورغم أن الأعمال المولَّدة بالذكاء الاصطناعي لم تحظَ بتقييمات عالية، أو تحقق مبيعات عالية مقارنةً بالأعمال البشرية، فإن تأثيرها الأكبر يتمثل في خلق زخم في سوق الكتب، والمنافسة على انتباه القراء، ما قد يهدد فرص الكثير من الكُتَّاب في الظهور، وهو ما عكسته تجربة الكاتبة جيس مايكلز، التي قالت في حديثها إلى “نيويورك تايمز” إن تدفق الأعمال المولَّدة بالذكاء الاصطناعي جعل اكتشاف كتبها والوصول إليها أكثر صعوبة، مشيرةً إلى أن أعمالها تُقرصن وتُستخدم لإنتاج كتب تحاكي أسلوبها، ثم تُطرح أعداد كبيرة منها في السوق.

القانون يلاحق الذكاء الاصطناعي

وحتى الآن، لا يوجد في الأنظمة القانونية الكبرى ما يفرض على المؤلف الإفصاح عن مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي في تأليف الكتب أو تحريرها، وإن كانت بعض الدول والمنصات قد وضعت قواعد للشفافية أو لوسم أنواع معينة من المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي؛ ففي الاتحاد الأوروبي، بدأ تطبيق قواعد جديدة في أغسطس الماضي، تلزم بالكشف عن استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض أنواع المحتوى، مثل التزييف العميق، وبعض النصوص التي تنشر لإبلاغ الجمهور بقضايا ذات مصلحة عامة، لكن هذه القواعد لا تعني أن كل مؤلف استخدم الذكاء الاصطناعي في كتابة أو مراجعة كتابه مطالب بالإفصاح عن ذلك.

ومع تزايد حضور الذكاء الاصطناعي في صناعة النشر، بدأت دول عدة في تطوير أطر قانونية للتعامل مع تأثيره في حقوق الملكية الفكرية؛ ففي الولايات المتحدة، أكد مكتب حقوق الطبع والنشر أن الأعمال التي شارك الإنسان في ابتكارها بصورة واضحة يمكن أن تحصل على الحماية القانونية، حتى إذا استعان صاحبها بالذكاء الاصطناعي، لكن المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي وحده لا يحصل تلقائيًا على الحماية، كما أن مجرد كتابة أوامر للنظام لا يجعل المستخدم مؤلفًا قانونيًا للمخرجات.

أما في بريطانيا، فما زال القانون يمنح بعض الحماية لما يسمى “الأعمال المولدة بالحاسوب”، ويعتبر الشخص الذي قام بالترتيبات اللازمة لإنشائها هو صاحب العمل، وتستمر هذه الحماية لمدة 50 عامًا، إلا أن الحكومة البريطانية تعيد حاليًا النظر في هذا النظام، وتبحث ما إذا كان لا يزال مناسبًا في عصر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مناقشة وسائل أوضح لتمييز المحتوى المولد آليًا.

محاولات للتمييز بين الكتابة البشرية والآلية

وربما ما يزيد تعقيد الأمور عدم وجود طريقة يمكنها إثبات استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة نص ما بشكل قاطع، وإن كانت هناك محاولات لتطوير تقنيات تساعد على التعرف على النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي؛ منها الميزة التي أطلقتها مؤخرًا شركة “Anthropic”، المطوِّرة لنموذج الذكاء الاصطناعي “Claude”، والتي تتيح وضع علامات مائية غير مرئية وقابلة للقراءة آليًا داخل النصوص التي ينشئها النموذج، ويمكن أن تظل العلامة المائية موجودة حتى بعد نسخ النص ولصقه وإجراء بعض التعديلات عليه.

وفي أكتوبر الجاري، حصلت المبادرة البريطانية “Books by People” على موافقة مكتب الملكية الفكرية البريطاني، لبدء توزيع علامة اعتماد توضع على أغلفة الكتب التي تُكتب بشريًا. وتعتمد المبادرة على مراجعة إقرار المؤلف، وفحص المخطوط ببرمجيات خاصة، والاطلاع على المسودات الأولى ومواد البحث، وتأتي هذه المبادرة في ظل تزايد المخاوف من اتهام الكتّاب ظلمًا، خاصةً في ظل محدودية قدرة أدوات الكشف على تقديم أدلة قاطعة على استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة.

في هذا السياق، يوضح حسام مصطفى إبراهيم، مدرّب الذكاء الاصطناعي المعتمد ومؤسس شركة “الذكاء الاصطناعي ببساطة”، أن العلامات المائية قد تكون جزءًا مهمًّا من الحل لأنها تساعد في تقدير احتمال مشاركة النموذج في كتابة النص، لكنها لا تمنح يقينًا مطلقًا، فقد تضعف فاعليتها مع إعادة الصياغة أو التحرير المكثف، وقد لا تستخدمها النماذج المفتوحة أو الأدوات غير الملتزمة، بينما يتمثَّل الحل الحقيقي -في رأيه- في مزيج من الشفافية، والعلامات التقنية، ووضع قواعد واضحة للنشر؛ خاصةً أنه لا توجد حاليًّا أداة تستطيع أن تجزم بصورة قاطعة بأن نصًّا ما بشري أو مولّد آليًّا، وإنما أدوات تقدم احتمالات وقد تخطئ في الاتجاهين، والوضع في اللغة العربية أكثر تعقيدًا بسبب تنوع الأساليب، وقلة البيانات، والتداخل بين الفصحى واللهجات، لذلك فإن نتيجة هذه الأدوات ليست دليل إدانة نهائي.

ومن خلال تجربته وخبرته في الكتابة والعمل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، يرى أن نماذج الذكاء الاصطناعي تمثل أداة “ممتازة” للعصف الذهني، والبحث الأولي، واقتراح العناوين، وترتيب الأفكار، ومراجعة البناء العام للنص، بالإضافة إلى أنها قد تساعد الكاتب على تجاوز “قفلة” الكتابة، لكنها ليست بديلًا عن التجربة الإنسانية، مشيرًا إلى أن إفصاح الكاتب عن استخدامه لأدوات الذكاء الاصطناعي يتعلق  بحجم تدخله في النص، فإذا استعان به مثلما يستعين بمعجم، أو مدقق لغوي، أو محرر يقترح عليه بعض البدائل، فالإفصاح هنا ليس ضروريًّا في كل مرة، أما إذا تولَّت الأداة كتابة صفحات كاملة، أو صناعة الحبكة والشخصيات والأسلوب، ثم نُسب العمل كله إلى المؤلف، فهنا يصبح الإفصاح واجبًا أخلاقيًّا، لأننا لم نعد أمام “مساعدة”، بل أمام مشاركة حقيقية في صناعة النص.

ومن ناحيتها، ترى الروائية الكندية مارجريت أتوود أن أداء الذكاء الاصطناعي لا يزال أدنى من أداء البشر في كتابة الشعر والرواية، مشكِّكة في إمكانية تحسُّن هذا الأداء مستقبلًا بالشكل الذي يتخيله البعض، ومؤكدةً أنه لن يتمكن من إنتاج إبداع أصيل بالمعنى الإنساني، لأنه يعتمد على استخلاص البيانات والنصوص الموجودة مسبقًا، ولا يستطيع سوى استخدام المواد التي أُدخلت إليه، حسبما ذكرت في حوار لها مع وكالة “رويترز”.

أما الروائي إبراهيم عبد المجيد، فيرى أن الذكاء الاصطناعي ومحركات البحث سهّلا الوصول إلى المعلومات واختصرا كثيرًا من الوقت والجهد الذي كان الكاتب يبذله في البحث، مستشهدًا بتجربته في كتابة رواية “لا أحد ينام في الإسكندرية”، التي استغرق إعدادها ست سنوات في البحث وجمع المعلومات من دار الكتب، قبل أن تصبح مثل هذه المعلومات متاحة بسهولة أكبر عبر الأدوات الحديثة، مشيرًا إلى أن هذه السهولة لا تلغي دور الكاتب، لأن تحويل المعلومات إلى عمل فني يظل مرتبطًا بموهبته وقدرته الإبداعية، حسبما ذكر في لقائه مع أحد البرامج التليفزيونية.

في النهاية، فإن الكتابة الإبداعية ليست سوى واحدة من عدة مجالات تأثرت بهيمنة الذكاء الاصطناعي، وعاجلًا أم آجلًا سيعتاد القائمون على هذه الصناعة والمستفيدون منها هذا التدخُّل، سواء بشكل كامل أو جزئي، كما اعتدناه في مجالات إبداعية أخرى؛ إذ ظهرت أدوات قادرة على توليد الألحان والموسيقى، ثم أصبحنا نشاهد إعلانات كاملة مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، من الفكرة والسيناريو إلى الصورة والصوت، ربما يكون الأمر هذه المرة أكثر إشكالية، لأنه يمس واحدًا من أقدم مجالات الإبداع الإنساني، لكن التاريخ قد أثبت لنا أن المجال دائمًا سيظل مفتوحًا أمام الإنسان، الذي لا يضاهيه أي ذكاء اصطناعي.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=26804

موضوعات ذات صلة

خبراء ودبلوماسيون: مصر ستظل الحصن المنيع للأمة العربية

المحرر

كسر نير البطالة… الكنيسة تفتح أبواب الوظائف الشاغرة   

حازم رفعت

مجلة “المسرح” تبحث تحولات التجريب

أيمن مصطفى

“الرحماني” يحسم ماراثون الإعادة في المنتزه بالإسكندرية

أيمن مصطفى

سلاف فواخرجي: فخورة بترشح «أرض الملائكة» للأوسكار

أحمد عاشور

ئقابة النقل البري: تأسيس صندوق للكوارث والطواريء

صفاء الشاطر