ثقافة وأدب

عمرو العادلي: لا أؤمن بالوحي والقوى الكبرى تحتضر

بين أضواء صالات العرض السينمائي وظلال الواقع الموحش، ينسج الكاتب خيوط عوالمه ليطرح سؤالًا جوهريًا: هل نعيش حياتنا حقًا أم أننا مجرد “كومبارس” في فيلم يديره آخرون بالوكالة؟ ولكنه لم يستسلم لغواية الإلهام المفاجئ، بل آمن بعرق الكتابة وصبر البحث، ليحصد بجدارة ثمار رحلته الإبداعية في “وكالة النجوم البيضاء”، بجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب في مجال الرواية.

ولأن الجوائز لا تأتي صدفة، بل هي محطات اعتراف لكاتب قرر أن يمشي في شوارع الحكمة ويقرأ عقول الراحلين قبل أن يخط حرفًا واحدًا. حاورت صوت البلد الكاتب عمرو العادلي؛ للبحث عن الأصالة وسط ركام الزيف، وعن سر النجوم البيضاء، ونصائحه لجيل الشباب.

الفوز بجائزة كبرى وسط هذا الزخم الإبداعي ليس أمرًا هينًا.. كيف استقبلتم خبر التتويج، ولمن تهدي هذا الإنجاز؟

كان فوز روايتي “وكالة النجوم البيضاء” مفاجأة سارة ومبهجة؛ فالمنافسة في معرض القاهرة الدولي للكتاب شرسة جدًا، حيث تزدحم المطابع بمئات الروايات قبل المعرض بأشهر قليلة. لم أتوقع الفوز، خاصة وأن روايتي السابقة “مريم ونيرمين” لا تزال ضمن القائمة الطويلة لجائزة يوسف بن عيسى، لكن الجوائز في النهاية هي رسالة طمأنة للكاتب تخبره بأنه على المسار الصحيح. وأهدي هذا الفوز لزوجتي شريكة الدرب.

مراقبة الناس

بين ضجيج الشارع وسكون المكتبات، من أين تولد شرارة الكتابة لديكم؟

مصدر إلهامي هو “الشارع“؛ أحب المشي يوميًا لمراقبة الناس في شتى أحوالهم، بين من يحلق فرحًا ومن يعاني تحت وطأة الحزن. الناس هم أساتذتي في الحكمة، والكتب هي ملاذي الآمن من تقلبات الزمن، حيث أقرأ عقول الراحلين لتتلاقح أفكارهم مع أفكاري. أما عن “الوحي” بمفهومه الغيبي المفاجئ، فلا أؤمن به؛ الكتابة في نظري هي نتاج جهد وعرق وإرادة لإنجاز مشروع متميز، ولو استسلمت لانتظار “الإلهام المبهم” لما أنجزت ربع ما كتبته اليوم.

عصر ترامب

لماذا اخترتم عنوان “وكالة النجوم البيضاء” تحديدًا كعتبة أولى للنص؟

“الوكالة” هنا تعني النيابة عن الغير. نحن نعيش في عصر يتسم بالفظاظة وغياب الحياء في استعراض القوة، وهو ما يمكن تسميته “عصر ترامب”، حيث تحتضر القوى الكبرى لكنها ترفض الاعتراف بذلك، فتعادي الجميع بضراوة. أما “النجوم البيضاء” فهي رمز للنجوم الموجودة في العلم الأمريكي، والرواية تشير إلى أن أمريكا تحاول إدارة العالم بالوكالة عبر أوهام السيطرة.

في قلب الرواية صراع خفي مع الزيف.. ما الذي حاولتم قوله من خلال رحلة سعيد في عالم السينما والحياة؟

تتناول الرواية قضية “الزيف”؛ كيف يمكن لشاب مسالم مثل “سعيد” أن يواجه مصيرًا مأساويًا؟ بطل الرواية يعمل عارض أفلام، طوال عمله يرى الأفلام المعروضة، فصار يحفظ تعبيرات الممثلين، وجملهم الحوارية، ومتى ستنطلق الموسيقى في الفيلم، حتى أصبحت حياته تشبه الفيلم السينمائي في حبكته، لها بداية وذروة وحل، لكنها تفتقر إلى النهاية السعيدة. القضية الجوهرية التي يجسدها سعيد هي: هل نملك القدرة على قول “لا” للهيمنة، أم لم يعد أمامنا سوى التوسل؟ هذا ما تناقشه الرواية على خلفية عرض الأفلام.

الصمت السلبي

تتحرك شخوص الرواية في مناطق رمادية بين الحلم والواقع.. كيف رسمتم ملامح أبطالكم، وما حرك دوافعهم الإنسانية؟

لكل شخصية في الرواية مبرراتها المنطقية؛ فالأم واقعية، والأب حالم، والأخ انسحب مبكرًا من معارك الحياة. أما سعيد والعراقي فهما يمثلان مأساة الرواية ومحرك أحداثها. الأب يسعى لضمان وظائف ثابتة لأبنائه لإنقاذهم من الجوع، لكنه يضعهم في منطقة رمادية “لا سلم ولا حرب”، حيث يعيشون حياة باهتة يهربون فيها من مواجهة الواقع بالصمت السلبي.

استغرق العمل سنوات من البحث في كواليس السينما القديمة.. ما أصعب العقبات التي واجهتكم؟

التحدي الأكبر كان البحث والتوثيق لعالم السينما في الثمانينيات، حيث يعمل الأب رسامًا لأفيشات الأفلام. تطلب الأمر دقة شديدة في رصد دور العرض وتواريخ إنتاج الأفلام، وهو ما استغرق عامًا كاملًا من البحث. لذا لم أتعجل النشر؛ فقد بدأت كتابتها في شتاء 2020 ولم تخرج للنور إلا في خريف 2025.

أبي الطيب

لكل كاتب جملة يراها تلخيصًا لروحه أو لعمله.. ما الاقتباس الذي تشعر أنه الأقرب لقلبك في هذه الرواية؟

أقرب اقتباس إلى قلبي، هو: “كان أبي طيبًا، ربما أطيب أب في العالم، لكن ظروفه لم تكن بالجودة نفسها”.

بين جيل الرواد والجيل الحالي، كيف تقرأ مشهد الرواية العربية اليوم في ظل ثورة النشر وتعدد المنصات؟

أرى أن الرواية العربية في أفضل حالاتها؛ فقد طرقت مسارات غير مسبوقة. المنافسة اليوم أصعب مما كانت عليه في الخمسينيات بسبب تضاعف دور النشر، مما يضع القارئ أمام خيارات محيرة ويجبر الكاتب على الصبر والتجويد. قديمًا كان يوسف السباعي ينشر عدة روايات في عام واحد، أما اليوم فغزارة الإنتاج قد تُتَّهم بالسطحية. ورغم هذا الازدهار، يبقى التحدي في التمييز بين العمل الروائي الحقيقي وما يُكتب على غلافه رواية دون استحقاق.

حقي القدوة

من وحي تجربتكم الإبداعية، ما الوصفة التي تقدمونها للكتاب الشباب للنجاة بمواهبهم في عالم الكتابة؟

لا أهوى إلقاء النصائح فأنتم تملكون أدواتٍ مبهرة، لكني أقول “اصبروا قبل النشر، واقرأوا بنهم”. اتخذوا من الأديب يحيى حقي قدوة، فقد كان قارئًا موسوعيًا يقرأ كل ما تقع عليه عيناه، حتى المجلة الزراعية!

 ماذا يخبئ قلمكم للقارئ في المرحلة المقبلة؟

أعكف حاليًا على مراجعة مجموعة قصصية بدأت كتابتها بعد مجموعتي “بائع السخانات” 2022م، بالإضافة إلى رواية أعمل عليها منذ 2021م. وأيهما ينتهي أولًا، سيجد طريقه إلى النشر.

 

اقرأ أيضًا:

رنا هاني: “دائرة الأمان” درع لحماية الطفل

سعيد شحاتة: “فريدة” جدارية وجع.. أشفق على مقتنيها

بعد فوزها.. الشرقاوي تكشف أسرار “ترنيمة عصفور أزرق”

هناء متولي: هكذا تتحول الغرفة الضيقة لأفق للتنفس

الأمثال الشعبية.. بوصلة أخلاقية في عالم التجارة والأعمال

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13681

موضوعات ذات صلة

حدث في شارعي المفضل.. هل من مُغيث لكوكب الأرض؟

المحرر

معرض القاهرة الدولي للكتاب.. عرس الثقافة وريادة الوعي

أيمن مصطفى

رحلة فلسفية بين الحلم واليقظة في تميمة العاشقات

المحرر

ماذا بعد عربدة المليشيات في السودان؟.. كتّاب يكشفون..

شيماء عيسي

إطلاق المختبر الثقافي العماني في معرض القاهرة الدولي للكتاب

المحرر

محمد الفخراني: أكتب ما أصدقه والأدب يرفع سقف الممكن

المحرر