ثقافة وأدب

الفائزان بجائزة “أفضل ناشر مصري”: السر في الرؤية

شعار دار النسيم وأم الدنيا

بالتزامن مع انطلاق معرض القاهرة الدولي للكتاب في نسخته الـ57، وقع الاختيار على دار “النسيم” و”أم الدنيا” كأفضل ناشرين مصريين استطاعا تقديم محتوى إبداعي ومعرفي متنوع.
تأسست دار “النسيم” عام 2013 ومنذ ذلك الحين ارتبط اسمها بأرقى إبداعات الأدب بفنونه السردية والاشتباك مع أهم القضايا الفكرية على الساحة المحلية والعربية والإفريقية. أما دار “أم الدنيا” والتي تأسست قبل أربع سنوات؛ فقد حملت رؤيتها بناء الشخصية المصرية فكرا وإبداعا، وبدا تكريمها تشجيعا لدور النشر الوليدة الجادة.
يأتي التكريم في وقت تواجه فيه صناعة النشر في مصر تحديات هائلة؛ بدءًا بكلفة مدخلات النشر المستوردة والمعادلة الصعبة لسعر الكتاب المقبول في ظل الحالة الاقتصادية الراهنة، إلى جانب تحدي جودة ما تقدمه لجمهور ينتمي لشرائح عمرية وأذواق متنوعة، وجيل جديد يتبنى ثقافة “الكاتب التريند”.

تغريد خارج السرب
ينطلق الشاعر أشرف عويس مؤسس دار “النسيم” من قناعة أن مهنة النشر رسالة ولا ينبغي أن يتصدى لها إلا المؤهلين لحملها؛ ثقافيا قبل إداريا، باعتبارها صناعة استثنائية ترتبط بالكلمة وتحتاج لذائقة تجيد الانتقاء. وبرغم متاعب تلك المهنة وتحدياتها فإنه ينسى كل ذلك حين ينشر كتابا يحبه بالفعل.

الناشر أشرف عويس ومحررة صوت البلد

لا ينكر “عويس” صعوبة التحدي الاقتصادي مع خامات النشر والطباعة المستوردة والتي تتأثر بارتفاع سعر الدولار مع إدراك الناشر لأن المصري يمكنه شراء كتاب فقط حين يؤمن احتياجات أسرته من مأكل وتعليم وخلافه.
وهناك تحدٍ آخر أهم، بحسب الناشر المصري، وهو الحفاظ على النهج الذي بدأته الدار باختيار الإبداع الحقيقي والأعمال الفكرية الرصينة بعيدا عن موضات القراءة المتلاحقة؛ ككتب الخرافات والرعب والإثارة والتنمية البشرية، والتي تجذب شريحة كبيرة من الشباب. وبغض النظر عن غياب المضمون الحقيقي لمعظمها؛ لكن الدار اختارت ألا تنصاع لموضات النشر وأن ترتهن لجودة السرد وثرائه وتأسيس تراكم حقيقي للقاريء العربي.
ولكل ذلك استطاعت “النسيم” أن تنال جوائز السرد العربية الكبرى عن أعمالها ومنها “الطيب صالح” و”الشارقة” و”جوائز الدولة المصرية” و”ساويرس” بروائع مبدعين شباب وكبار، وهي مؤشرات على السير في الاتجاه الصحيح مهما بلغت التحديات.

وبسؤاله عن رؤيته في اختيار الكتب التي تشتبك مع الواقع السياسي؛ يقول “عويس”: ليست مهمتنا ملاحقة الأحداث والحروب على الساحة، وإنما الاشتباك مع خلفية كل ذلك، وقد كنّا من أوائل دور النشر التي اهتمت في خطتها بقضايا القارة الإفريقية، فكرا وإبداعا، وكان كتاب الشاعر السوداني عفيف إسماعيل والمقيم حاليا في استراليا، بعنوان “مسامرة من وراء المحيط”، هو باكورة إصدارات الدار، ولهذا فما تصدره الدار عن الحرب الدائرة في ليبيا وفي السودان وغيرها ليس ملاحقة للأحداث بقدر انشغال أصيل بالقارة التي تشكل امتدادنا الجغرافي والثقافي في مصر.

شخصية مصر
انتقلنا للكاتبة الشابة ولاء أبو ستيت مؤسسة دار “أم الدنيا” والتي خرجت للنور بقرار جريء اتخذته منذ التحاقها بدورة رائدات الأعمال في الجامعة الأمريكية؛ وكونها صحافية وباحثة مختصة بالشأن الثقافي منذ سنوات طويلة، فقد كان حلمها هو تأسيس دار نشر تلبي طموح المصريين وطموحها كقارئة بالأساس.

ولاء أبو ستيت ناشرة مصرية

تقول الناشرة المصرية: حين بدأت تأسيس “أم الدنيا” كنت أعلم أن المنافسة كبيرة والتحدي سيكون صعبًا؛ لأنها صناعة مكلفة للغاية، وكانت ميزانيتي التي انطلقت بها ولا تزال متواضعة وتعتمد على الجهود الذاتية، لكنني صدقت حلمي وثابرت حتى أصبحت دار أم الدنيا مقصدا للمبدعين وأسست إلى جانبها مكتبة في وسط العاصمة لبيع كتب الدار وغيرها من دور النشر.

لم تصبح مكتبة “أم الدنيا” فرصة لتزويد المبدعين بجديد الكتب فحسب، بل تطورت لتصبح مساحة هادئة للكتابة، ومقرا لعشرات الورش في الكتابة الإبداعية بل والعلاج بالكتابة الذاتية. وحين بدت علامات الدهشة علينا، ردت الناشرة صاحبة “سيرة الغريب”: نعم! المبدعون يحتاجون لأن يكتبوا أنفسهم ويحرروها فوق الصفحات البيضاء من كل الآلام والمخاوف في حياتهم، وهكذا يمكنهم أن يصبحوا سفينة نجاة للآخرين بعد أن ينتشلوا ذواتهم من الغرق.
وكونها باحثة علوم سياسية أيضا، اهتمت “أم الدنيا” بالصراعات السياسية في المنطقة و”خريطة الدم” والمؤامرات الغربية لتجريف الإنسان، وركزت في دائرة الوعي التي ترى أنها طوق النجاة للأمة ككل، وبخاصة الأجيال الجديدة.
اتجهت الدار أيضا لتقديم روائع التراث العربي والعالمي ومنها “ألف ليلة وليلة” النسخة الأصلية، و”تحقيق ما للهند” وهو في جذور العلاج بالطاقة الروحية.

وفي الإبداع أصبحت “أم الدنيا” مقصدا لكثير من المبدعين المتحققين، وقد اختارت الدار أن تصبح وجهة للشعراء أيضا في ظل عزوف كثير من الناشرين عن نشر الشعر وبرغم أنه ديوان العرب الأكثر قدسية بين فنون السرد، كما تقول “أبو ستيت” والتي تدين بالفضل لـ”وكالة أنباء الشعر” التي جعلتها تقترب من عالم أثير للشعراء العرب.
أخيرًا، تدرك ولاء أبو ستيت أن التحدي ليس سهلا، وتعترف أنها لا تزال تبحث عن حل للمعادلة المادية المرهقة بين تكلفة النشر وسعر الكتاب، لكنها تفخر بخطواتها التي قطعتها في سبيل النشر، والتي أثمرت نحو 170 كتابا ضمن دار نشر تعني بالدراسات الجادة كما تعني بفنون السرد.

كلا الناشرين في “النسيم” و”أم الدنيا” يختبر الكتاب الجديد بذائقته الخاصة أولًا قبل أن يستشير لجنة الثقات في نشره، وهو ما يثبت أن المبدع الحقيقي هو وحده من يملك البوصلة،كما يثبت أن كلمة السر هي “الرؤية” في عالم الكتاب والنشر.

اقرأ أيضا: نداء القاهرة.. جسر الناشرين نحو قاريء عالمي

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13720

موضوعات ذات صلة

المطبخ يغزو روايات عالمية وعربية بوصفاته ووقائعه

محرر الموقع

حقوق الإنسان تهيمن على لجان الأعلى للثقافة في 7 ندوات

المحرر

قصص الحكاء الأخير في هذا الزمان تواجه أسئلة الوجود

المحرر

الملك لير يصارع أقداره من جديد على خشبة المسرح

المحرر

القاهرة للكتاب ينعش كلاسيكيات الإبداع.. وفلسطين في القلب

المحرر

مبدعات سوريا .. شهادات الخروج من نفق الاستبداد للنور

المحرر