
تفتح اوروبا صفحة جديدة فى تعاملها مع الملف اللبنانى. بعدما اعتمد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، الاثنين 12 أكتوبر 2026، قرارًا بإنشاء مهمة جديدة تمتد ثلاث سنوات، تستهدف تقديم المشورة والمساعدة للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، في تحرك يحمل أبعادًا أمنية وسياسية تتجاوز الدعم التقليدي، وسط استمرار الهجمات الإسرائيلية في الجنوب واقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان اليونيفيل بنهاية العام الجارى.
اختبار السيادة
ويأتى التحرك الأوربى فى لحظة دقيقة يواجه فيها لبنان تحديات متشابكة، تتعلق بحماية السيادة الوطنية، وتثبيت الأمن والاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على بسط سلطتها على الأراضي اللبنانية. وبين استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتعقيدات السياسية الداخلية، تبرز الحاجة إلى دعم فعلي يمكّن الدولة من حماية حدودها ومواطنيها، ويحول دون اتساع الفراغ الأمني في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.
رسائل أوربية
وأكد مسؤولة السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى كايا كالاس أن البعثة الجديدة ستقدم المشورة والمساعدة للقوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي، بهدف تعزيز السيطرة على الأراضي وأمن الحدود والأمن الداخلي، مشددة على التزام أوروبا بمستقبل لبنان. ويشمل نطاق المهمة دعم مراقبة الحدود البرية والبحرية، وتطوير قدرات الأجهزة الأمنية، وتحسين إمكانات جمع المعلومات وحماية المنشآت العسكرية، بما يساعد المؤسسات اللبنانية على تحمل مسؤولياتها بصورة أكبر.
ما بعد الينوفيل
وتكتسب المهمة أهمية إضافية مع اقتراب انتهاء ولاية يونيفيل في نهاية عام 2026، إذ تطرح هذه المرحلة تساؤلات بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب، ومدى قدرة الدولة اللبنانية على تولي مسؤوليات أوسع في ظل استمرار التوترات. ولا يعني التحرك الأوروبي أن البعثة الجديدة ستحل محل القوات الدولية، بل يستهدف تعزيز قدرات المؤسسات اللبنانية، بما يدعم الاستقرار ويحافظ على سيادة البلاد وسلامة أراضيها.
وتشير كلاس إن المساندة الأوربية لم تبدأ من الصفر؛ إذ بلغ الدعم المقدم للجيش اللبناني 182 مليون يورو منذ عام 2022، إلى جانب حزمة إضافية بقيمة 100 مليون يورو أُقرت في يونيو الماضي، وفقًا للمادة الأصلية. وتشمل المساعدات معدات غير فتاكة وتدريبًا لتعزيز السيطرة على الأراضي، وتحسين المراقبة والأمن البحري، وحماية المنشآت العسكرية وتطوير الخدمات الطبية. غير أن تحويل هذه المساعدات إلى نتائج ملموسة يظل مرتبطًا باستمرار التمويل، وتوافر الكوادر، ووجود خطة وطنية واضحة للأولويات الأمنية.
الرهان السياسى
تتجاوز أهمية المهمة الأوربية الجانب العسكرى لتطرح اسئلة تتعلق بالرهان السياسى بقدرة المجتمع الدولي على دعم الدولة اللبنانية دون المساس باستقلال قرارها الوطني. فنجاح أي تحرك خارجي لا يُقاس بحجم التمويل أو عدد البرامج المعلنة فحسب، بل بمدى إسهامه في بناء مؤسسات قوية، وتمكين الجيش من أداء مسؤولياته، وتهيئة الظروف اللازمة لحماية المدنيين ومنع تجدد المواجهات.
كما يرتبط التحرك بالمساعي الرامية إلى تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، واحترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية. وتظل هذه الملفات شديدة التعقيد في ظل التداخل بين الاعتبارات الأمنية والسياسية والإقليمية، الأمر الذي يجعل التنسيق الدولي والتوافق الداخلي عاملين أساسيين في تحديد فرص نجاح المهمة
ضمان عربى
ويبقى لبنان بحاجة إلى موقف عربى ودولى جاد يضع حماية شعبة وصون سيادتة واستعادة الاستقرار في مقدمة الأولويات. فالشعب اللبناني الذي تحمل سنوات من الأزمات الاقتصادية والسياسية والمواجهات الأمنية يستحق أن يعيش في دولة آمنة، قادرة على حماية أبنائها وصون أرضها، وأن تتحول المبادرات الدولية إلى خطوات عملية تخفف معاناته وتفتح الطريق أمام التعافي.
إن مساندة لبنان لا تقتصر على تقديم الأموال أو إطلاق المبادرات، بل تتطلب دعم مؤسساته الوطنية، ووقف الاعتداءات على أراضيه، وتوفير الظروف التي تسمح للجيش بالقيام بواجباته، بعيدًا عن حسابات المصالح الضيقة. وبين التحرك الأوروبي الجديد والتحديات القائمة، تظل سيادة لبنان وأمن شعبه وحقه في الاستقرار مسؤولية تتطلب تضامنًا حقيقيًا يتجاوز التصريحات إلى العمل الجاد
