ثقافة وأدب

“جسر القناديل”.. من قال أن النسخة الثانية ستصبح أسعد؟

حياة قصيرة يعيشها البشر وفي القلب تظل شهوة التمسك بالحياة وحلم الخلود متأرجحًا بين السماء والأرض كلما قلنا “لو عاد بي الزمن لفعلت!”… ولكن تحت أمواج البحار هناك من انتصر على الشيخوخة فعلا وعاد في رحلة زمن اختيارية لطور الطفولة والشباب؛ قنديلا شفافًا تنبسط وتنقبض أذرعه بلا هوادة لتحتضن الحياة.. إنه “توريتوبسيس” والذي ستقتفي أثره القوى الكبرى في عالم البشر!

تواجه المتتالية القصصية “جسر القناديل” والصادرة حديثا عن دار “كتوبيا”؛ حقائق خطرة عن علاقة الذكاء الاصطناعي والتطور العلمي بمستقبل البشرية، وما الذي نتوقعه مثلا من تجارب من عينة زراعة كبسولات الأدمغة التي بشر بها آيلون ماسك؟.

من هذا العالم بدأت خيوط قصة درامية متكاملة لحياة عائلة أبو العز والتي نسجها أربعة من مبدعي مصر – لن تجد اسمهم على غلاف الطبعة لإثارة فضول القراء- وهم: شيرين هنائي، ميسرة الدندراوي، رضوى الأسود ومحمد إسماعيل.
وبرغم تنوع كتّاب المجموعة، فلن تشعر بفجوة في الأسلوب والنفس السردي بين الفصول الأربعة، وستأخذك المغامرة السردية المشوقة لفك اللغز حول مقتل البطل هشام ومن ثم عودته للوجود وشبكة المعاني التي تطويها رحلة العبور داخل النفس البشرية وداخل عالمنا.

للسرد هنا أزمنة متعددة؛ بين زمن السرد الذي تتجلى ملامحه في المستقبل القريب؛ حيث سطوة الروبوتات على التواصل البشري، السيارات التي تقود نفسها، اختفاء النقود الورقية، والأبحاث التي قضت على الشيخوخة. على جانب آخر يأتي الماضي ليتسلل لحياة أبطال القصص من بوابة الذكريات والمشاعر التي يحملونها، وهنا ندرك معه حجم الهوة بين الأصل والصورة، والماضي والحاضر.

وتقوم حبكة المتتالية على قدرة أب (الدكتور مجدي) بمساعدة صديقه الطبيب الهندي “آريان” على استعادة الابن الذي تعرض لحادث أليم؛ استعادته من فم الموت حرفيا ولو مجردا من الذاكرة والروح. كان ذلك تماما هو ما يريده الابن نفسه صاحب الشركة العملاقة في صناعة الشرائح الذكية، ممنيا نفسه بحلم الخلود.
تلقي لنا القصص بأحجيات نحلّها شيئا فشيئا مع هنادي شقيقة البطل المغدور “هشام”، وهاني شقيقه، لمعرفة لغز مقتله، وعبر أشياء تلقى في طريقهم كحذاء إيطالي أو مقلمة او رسالة هاتف، تتكشف حقائق أبعد كثيرا من مجرد حادثة.

اقرأ أيضا: لغز السيد س.. أو كيف يحلق خيالك خارج الاسوار
حياة بلا روح
مع كل خيط يعثر عليه أشقاء البطل الذي ذهب عن الحياة، نتأمل معان كثيرة أصبحت مفقودة في زمن التطور العلمي الرهيب والذي تتسارع وتيرته وتتلاشى حكمته وضميره باضطراد. الحب القديم الذي جمع هشام وهبة ثم أصبح سرابا بكلمة من الأب. أغاني الصبا التي تعود لفرق الميتال في التسعينيات والتي تكشف شخصية هشام المائلة للعزلة والكآبة والشعور بالخواء. بيته البارد الخالي إلا من زوجين يتبادلان الكراهية. ابنه الذي نسي في ذروة انشغاله أن يحتضنه أو أو يلهو معه. زوجته التي استخف بمشاعرها وراح يبحث عن سعادته مع مدربة الطاقة الروحية بسحرها ووعودها بتسخير كل شيء لإرادته!
مع هذه العدسة المكبرة على شخصية هشام، يمكننا أن نرى هذا الخراب الذي حلّ بكل شيء في بيت المجد والعز، وكأنهما لا يغنيان عن دفء الحياة الحقيقية.

نقترب أيضا في القصص عبر شخصيات منها صديق البطل، أو عادل السمنودي، من عالم القطط السمان وهم رجال الأعمال الذين يقرنون بين المال والجنس والسياسة الرخيصة وكأنها ضرورات لاكتمال الحياة. ونقترب من حقيقة المؤامرة الكبرى التي تحاك خلف ظهورنا ونحن لا نرى إلا أطراف اللعبة وهنا نتحدث عن “جودي” مدربة الطاقة البارعة في سحب العميل لحساب مؤسسة استعباد البشر.

في القصص نرى جيل Z الذين يمثلهم “مروان” ابن البطل، والذي يجد نفسه مع الشاشات الزرقاء أكثر من أي صديق أو مقرب حوله. جيل يحتاج لمن يحتضنه ويصادقه، وهو فريسة “الأسود” الذي يسعى لاقتياده عبر محادثات الروبوت المغرية.

الفرصة الثانية

تتساءل مجموعة “جسر القناديل” هل نريد حقا تصفير العداد لنبدأ الرحلة من جديد؟ هل يمكن أن يحيا المرء وقد مُسح شريط ذكرياته وتغيرت ملامحه؟
لقد منحت تلك التيمة القصصية الفرصة للكتاب لأن يضعونا أمام إنسان يعيد حساباته في كل أخطاء الماضي؛ يقول هشام: “لقد رأيت شريط حياتي أمام عيني، وعرفت أنني لم أكن بالبطولة التي تخيلتها”. لقد رأى إخفاقات كان سطوع المجد حوله يحجبها. سعى حثيثا لاستعادة الدفء المفقود مع من حوله، ربما قبل فوات الأوان.

برعت القصص في جعلنا نعايش مأساة طبيب النفس الهندي الذي تورطت يداه في عمليات الاستنساخ، لكنه هو نفسه كان أول ضحاياها؛ راح يبحث عن ذاكرته التي تجمدت عند سبع سنين مضت، يرجوها في ظلمتها أن تضيء ماضيه، يرجو لروحه أن تحب وأن يختلج قلبه المعطل. يبكي مع فتاة شقراء تغني لفيروز: قد ايش كان فيه ناس ع المفرق تنطر ناس..وأنا بإيام الصحو ما حدا نطرني.
كان ذكاؤه موجها لخدمة المؤسسة الكبرى التي تمحو إنسانية البشر لكن نرى كيف تتطور الشخصية لتصبح أكثر مقاومة وقدرة على كشف المؤامرة والتصدي لها.

على جانب آخر، تظهر شخصية “هبة” الحبيبة الاولى لهشام، كنسخة حقيقية من البشر، عاشت وتصالحت مع الحياة والموت. كانت لحظة اختطافها لعالم الخلود تحد جديد لإرادتها، لكنها لم تكن بوابة للسعادة.

في المجموعة نصل لسيناريوهات العبث بالبشر حين تكتمل التراجيديا الإنسانية؛ ونرى منها البطلة هنادي والتي تبكي فقدان صديقة عمرها هبة، وأخيها هشام وحبيبها الطبيبب النفسي؛ فكلهم غدوا أشباها مزورة لأصل لا وجود له.
لقد نجحت المتتالية عبر تقنية التقطيع السينمائي أن تجعلنا نعايش الأبطال، بلا أي توقف أو ملل، وان تضعنا دائما في المنطقة الرمادية بين الحياة والموت، والتي نادى منها هشام حبيبته بأغنية “الإيمان” الأوروبية، ويدندن لتدنو لعالمه: أنا النور في قلب الظلام.. أنا أشعر بأحلامك.. أنا أسمع آمالك

لقد سخرت أقدار مجدي أبو العز من شهوته للخلود ، ومن غروره. ومن قصره الذي تركه باردا يفتقد للحب ويأوي أشباه البشر. وظلت الأم تردد: “تبًا لذلك العبور. إنه عبور فوق الذاكرة، فوق الأجساد، فوق العاطفة والقلب. أتمنى رحيلًا هادئًا عن هذا العالم المجنون. رحيلًا أبديًا دون عودة”. وفي هذه اللحظات كان ابنها بطل القصص على موعد مع ضيف جاءه من بعيد ليخبره عمليا كيف ستنتهي اللعبة!

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=10183

موضوعات ذات صلة

ماذا بعد عربدة المليشيات في السودان؟.. كتّاب يكشفون..

شيماء عيسي

دينا شحاتة: العائلة هي الوطن والتاريخ في نداهة أصيل

المحرر

د. خالد أبو الليل: جائزة التفوق تكريم للبسطاء.. ويحذر

المحرر

طقوس وأسرار محترفات القراءة في معرض القاهرة للكتاب

المحرر

مثقفون وقانونيون: الرجال مسئولون عن حماية حقوق المرأة

المحرر

إحياء التراث المعماري.. تجارب منفردة تفتقد الرؤية الشاملة

المحرر