سليدرمنوعات

كابريتاج حلوان.. رئة تاريخية تتنفس من جديد

 

لم يكن قص شريط الافتتاح في حديقة “كابريتاج حلوان” مجرد إيذانٍ بعودة حديقة عامة للعمل، بل كان تجسيداً حياً لسياسة الدولة في مطلع عام 2026 الرامية إلى إحياء الذاكرة التاريخية للمدن الكبرى؛ فقد شهدت مراسم الافتتاح حضوراً رفيع المستوى تقدمته د. منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة، واللواء أمير سيد أحمد مستشار رئيس الجمهورية للتخطيط العمراني، واللواء أركان حرب أحمد علي رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، بالإضافة إلى محافظ القاهرة د. إبراهيم صابر و”إيواي فوميو” السفير الياباني بالقاهرة، وهو ما يعكس ثقلاً سياسياً ودبلوماسياً لهذا الحدث التنموي.

ومن هذا الحشد الرسمي، تتبدى ملامح الرؤية الاستراتيجية التي أكدت عليها د. منال عوض؛ حيث أوضحت أن تطوير “الكابريتاج” يأتي تنفيذاً مباشراً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة الموازنة بين الحفاظ على التراث العمراني وبين التوسع في المساحات الخضراء، حيث إن هذه الرؤية لا تنظر للحديقة كمنطقة ترفيهية فحسب، بل كجزء من خطة “أنسنة المدن” وتحسين جودة الحياة، التي تضع رفاهية المواطن وتوفير متنفس حضاري آمن في قلب الأولويات الحكومية.

هذا التوجه نحو “جودة الحياة” لم يكن ليتحقق لولا تضافر الجهود المؤسسية التي ظهرت جلياً في التنسيق بين صندوق “تحيا مصر” ومحافظة القاهرة والمنطقة الجنوبية؛ فقد نجحت أعمال التطوير في تحويل الموقع من حالة الركود إلى منارة بيئية وتراثية، حيث يسهم هذا المسطح الأخضر في خفض الانبعاثات وتحسين المناخ المحلي لمدينة حلوان، مما يجعل من الحديقة نموذجاً للمشروعات متعددة الأهداف (تراثية، بيئية، واجتماعية).

وفي سياق متصل، ألقى البعد الدبلوماسي بظلاله على الحدث، حيث أعرب السفير الياباني عن سعادته بالمشاركة في الافتتاح، مذكّراً باتفاقية التوأمة المبرمة بين طوكيو والقاهرة عام 1990، وكشف السفير أن إنشاء الحديقة جاء احتفالاً بتلك الصداقة، حيث صُممت على غرار حدائق العاصمة اليابانية، مؤكداً استمرار الدعم الياباني للصيانة والتطوير على مر السنين، إذ إن هذه اللفتة تؤكد أن الحديقة ليست مجرد معلم محلي، بل هي “رمز للعلاقات الودية وجسر لتعزيز التعاون” بين البلدين، مما يعطي المشروع بعداً سياسياً إقليمياً هاماً.

التحول الكبير في المشروع جاء عقب انتقاله لرئاسة الجمهورية ثم إلى شركة تحيا مصر القابضة للاستثمار والتنمية، التي تولت مهمة إعادة الحديقة إلى حالتها الأولى مع الحفاظ عليها كرمز للعلاقات المصرية اليابانية. ووجه السفير الياباني الشكر للمؤسسة الرئاسية على هذا التجديد الشامل، حيث إن هذا التحول الإداري يبرهن على استراتيجية الدولة في تفعيل دور الصناديق السيادية والشركات القابضة المملوكة للدولة في إدارة الأصول القومية بكفاءة عالية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

من الناحية التنفيذية، استعرض العضو المنتدب لشركة تحيا مصر القابضة تفاصيل الرؤية المتكاملة للمشروع، والتي تغطي مساحة 60 فداناً، فالمرحلة الأولى على مساحة 17 فداناً لا تقتصر على حديقة الكابريتاج وحديقة طوكيو، بل تضم مكتبة عامة مجهزة للأنشطة التعليمية والترفيهية ومساحات للعروض الفنية؛ فالتأمين والمراقبة بالكاميرات يعكسان الحرص على توفير بيئة آمنة وجاذبة للعائلات والأطفال، مما يتماشى تماماً مع “رؤية مصر الجديدة” للاهتمام بالمواطن وتقديم بيئة ترفيهية وتعليمية متكاملة تخدم حلوان والمناطق المحيطة بها.

الطموح لا يتوقف عند المرحلة الأولى، فالعمل جارٍ على استعادة الوظيفة التاريخية للكابريتاج كمنطقة استشفاء وترفيه. هذا وقد قام الحضور بجولة تفقدية لمكتبة حلوان التي تديرها جمعية مصر للثقافة وتنمية المجتمع، وشاهدوا الأنشطة التعليمية للأطفال. كما تم تفقد أعمال الترميم الجارية للمشفى المتخصص في العلاج بالمياه الكبريتية. إذ إن هذا المسار يؤكد أن الدولة لا تسعى فقط لاستعادة الحديقة كمتنفس”، بل كمقصد علاجي” يعزز من السياحة الداخلية والخارجية، ويستغل المقومات الطبية الفريدة للمنطقة، بما يحقق عوائد اقتصادية واجتماعية تخدم أهداف التنمية المستدامة بشكل شامل.

إن افتتاح المرحلة الأولى من تطوير “كابريتاج حلوان” يمثل نقطة تحول جوهرية تتجاوز مفهوم التشجير والتجميل؛ فهو إعلان رسمي عن عودة حلوان كلاعب أساسي على خريطة السياحة العلاجية والبيئية في مصر، وذلك من خلال دمج التكنولوجيا الحديثة كأنظمة المراقبة والمكتبات الرقمية، مع العراقة التاريخية والتعاون الدولي، لتُقدم الدولة بذلك نموذجاً فريداً لكيفية استثمار الأصول التراثية لتحويلها إلى مراكز اقتصادية واجتماعية نابضة.

ومع اقتراب الانتهاء من ترميم المشفى الكبريتي والمراحل المتبقية، يبدو أن حلوان تستعد لاسترداد لقبها التاريخي “مدينة الشفاء والجمال”، لتقدم للعالم تجربة مصرية تجمع بين سحر الماضي وتطلعات المستقبل، وتبرهن مجدداً على أن صون التراث هو أقصر الطرق نحو تنمية مستدامة وحقيقية.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=12825

موضوعات ذات صلة

رواية جديدة لزينب عفيفي “السماء لا تمطر حكايات”

أيمن مصطفى

عزة رشاد تُفتش عن سعادة البنات

أيمن مصطفى

جمال سليمان : الفن جزء من شخصيتي وأسلوب حياتي

المحرر

55 ألف حافظ يتأهلون لنهائيات مسابقة الأزهر القرآنية

محمود على

الزراعة: الجمعيات التعاونية بيوت الفلاحين

المحرر

تدريب لغة الإشارة بقنا عبر مبادرة تواصل

أحمد الفاروقى