ثقافة وأدب

يناير الأبيض: ربيع الكتاب يزهر في شتاء القاهرة

 

تستيقظ القاهرة في مطلع عام 2026 على إيقاع مغاير، حيث تتجه البوصلة الإنسانية نحو شرقها، وتحديداَ إلى مركز مصر للمعارض الدولية، الذي يفتح ذراعيه للدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، إذ إن هذا الحدث يتجاوز كونه تظاهرة ثقافية دورية، ليصبح “شهادة استحقاق” حضارية يوقعها المجتمع المصري بمداد من الصمود والشغف المعرفي، معلناً انحيازه الكامل للكلمة في زمن تتصارع فيه الوسائط وتتسارع فيه التحولات الرقمية.

تعدد المسارات الثقافية

تفيض أجندة الدورة السابعة والخمسين بفعاليات تتجاوز حدود الندوات التقليدية، حيث تمتزج الأمسيات الفكرية بعروض “الهولوجرام” التي تستحضر رموز الأدب العربي، وفي مقدمتهم “نجيب محفوظ” شخصية العام. وتتوزع الأنشطة بين قاعات المؤتمرات والساحات المفتوحة، لتشمل ورشاً تفاعلية للذكاء الاصطناعي بجوار عروض الفلكلور الشعبي، مما خلق حالة من الثراء المعرفي الذي يلبي ذائقة النخبة وتطلعات الجمهور العام على حد سواء.

مثّل ملف المواصلات حجر الزاوية في نجاح هذا التدفق المليوني، حيث تحولت شبكة “أتوبيسات المعرض” إلى شرايين حيوية تربط ميادين القاهرة الكبرى بمركز المعارض الدولية بالتجمع الخامس؛ حيث قد ساهم الالتزام بتعريفة رمزية قدرها عشرة جنيهات، مع تكثيف عدد الرحلات وتوفير مسارات خاصة للسيارات، في إزالة عائق المسافة الجغرافية، وتحويل رحلة المعرض إلى تجربة ميسرة شجعت الأسر من مختلف الأقاليم على المشاركة الكثيفة.

تحتدم المنافسة داخل الأجنحة لتقديم معادلة سعرية توازن بين تكلفة الطباعة المرتفعة وقدرة القارئ الشرائية، حيث برزت مبادرات “الثقافة للفن والجميع” كطوق نجاة للقراء الباحثين عن الجودة بأسعار تبدأ من جنيهات قليلة. وقد شهدت هذه الدورة ابتكار أنظمة تقسيط وتخفيضات تصاعدية من قبل اتحاد الناشرين، مما ساعد في تحويل الكتب من سلع نخبوية إلى مقتنيات متاحة، وهو ما عكسه الإقبال التاريخي على إصدارات الهيئات الرسمية وسور الأزبكية.

ديموغرافيا الزوار

يرسم الزوار في 2026 لوحة ديموغرافية تعبر عن نضج الوعي الشعبي، إذ يتصدر الشباب المشهد بنهم لافت نحو كتب الخيال العلمي واللغات، جنباً إلى جنب مع كبار المثقفين والباحثين، حيث إن هذا التنوع يمتد ليشمل حضوراً عربياً ودولياً لافتاً، مما حول ردهات المعرض إلى ملتقى للحوار الإنساني العابر للحدود، حيث تعكس الوجوه شغفاً مشتركاً يتجاوز مجرد التنزه إلى الرغبة الحقيقية في التزود بالمعرفة الرصينة.

ورغم الطوفان البشري الذي ملأ القاعات الأربع، نجحت الإدارة التنظيمية في تحويل الزحام من عائق إلى طاقة إيجابية من خلال انسيابية الحركة وتعدد المداخل الرقمية، حيث تتجلى روعة المشهد في تلك الحشود المليونية التي تتحرك بتناغم داخل الممرات ليسود انضباط لافت يعكس وعي الجمهور بقيمة المكان، ويؤكد أن “الزحام الثقافي” هو أرقى أنواع التجمعات البشرية، كونه يقوم على التقدير المتبادل للكلمة المطبوعة وللفضاء الإبداعي المشترك.

يتجاوز معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 كونه مجرد حدث ثقافي دوري، ليصبح وثيقة تاريخية تؤكد أن العقل المصري يمتلك بوصلة لا تخطئ طريقها نحو الاستنارة؛ فتلك الحشود المليونية التي غصت بها القاعات، وتلك الحقائب المثقلة بآمال المعرفة، ما هي إلا تجسيد حي لانتصار “الجوهر” على “الصخب”، وبرهان ساطع على أن أمة اقرأ لا تزال تستمد قوتها من مداد كُتّابها وعمق فكرها؛ حيث قد أثبتت أيام المعرض أن الجدار العازل بين التكنولوجيا والكتاب قد انهار لصالح تكامل معرفي فريد، وأن الوعي الجمعي هو الحصن المنيع الذي تذوب عنده كل محاولات التسطيح. ومع رحيل آخر زائر في هذه الدورة، تبقى الروح التي اتقدت في “التجمع” شعلة تنير دروب الوعي طوال العام، مؤكدة أن مصر ستظل دوماً منارةً تفيض بالجمال، وموطناً لا يرضى عن الكلمة والوعي بديلاً.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13396

موضوعات ذات صلة

الحرب اللبنانية صنعت بمآسيها مدرسة الرواية الجديدة

المحرر

ناشرة دولية: “عطر أمي” جعلنا نفهم صمود فلسطين

شيماء عيسي

سر اليقين في “طوفان الأقصى” حين يهزم جيش الإبادة

شيماء عيسي

في رواية “الستات”.. نساء الإسكندرية على حافة الانكسار

المحرر

أساتذة الحديث يفندون مزاعم كاملات عقل ودين

المحرر

مبدعات سوريا .. شهادات الخروج من نفق الاستبداد للنور

المحرر