ثقافة وأدبسليدر

نجيب في معرض القاهرة.. أصداء السيرة الخالدة

الحكاية كنز؛ وقد استطاع محفوظ أن يحول حياة البسطاء إلى رواية تمشي على قدمين. كانت ملحمته في “كفاح طيبة” تبحث عن الإنسان المصري قبل آلاف السنين. واستطاع عبر “الثلاثية” أن يحكي أجيالا عاشت ثورة 1919 وتقلبت بين الخلاص الفردي والعام. ثم في “حديث الصباح والمساء” شاهدنا بانوراما لمصر حتى الثمانينيات عبر أجيال متلاحقة. عكست روايات محفوظ أسئلة السياسة والحياة والحب بطابع فريد تجلى في إنتاجه الغزير الذي وضع فيه أعمدة الرواية والقصة الحديثة حتى مجموعته الأخيرة التي كتبها على حافة الحياة.

هذا العام يحتفي معرض القاهرة الدولي للكتاب في نسخته الـ57 بأديب نوبل، ورغم حالة الجدل التي صاحبت هذا الاختيار بوصفه تكريس لمكانة مكرسة بالفعل في قلب كل مبدع عربي، لكنها كانت مناسبة جديدة للاقتراب من عالم محفوظ وطرح أسئلة حول تحولات الكتابة الروائية بعده. وإلى جانب الكثير من العروض السينمائية والفنية التي تعكس جوهر أدب محفوظ. يشهد معرض القاهرة للكتاب مبادرة “حقيبة محفوظ” والتي تعد من أبرز مفاجآت هذا العام وتضم أبرز ما كتب أديب نوبل وشكل وجدان المصريين عبر أجيال متعاقبة.

الكتابة.. جواز السفر 

قال محفوظ في حوار مع رجاء النقاش: الكتابة ليست ترفيها، إنما هوس وموقف ومحاولة للنجاة من الغرق. كان محفوظ قارئا نهما في التاريخ والأدب والأديان، ومن ذلك كانت مقولته التي أصبحت شعار المعرض هذا العام: من يتأخر عن القراءة يوما يتأخر قرونا.

حين فاز محفوظ بجائزة نوبل عام 1988 عن روايته “أولاد حارتنا” لم يذهب لاستلامها، وقد كان يعاني مشكلات صحية كما أنه لا يحب السفر، وقد اكتفى بإرسال ابنتيه والكاتب محمد سلماوي ليتسموا الجائزة نيابة عنه، وقال: أنا مجرد حكّاء.. حكاياتي هي جواز سفري لقلوب الناس.

قضى أديب نوبل 30 عامًا في وزارات مثل الأوقاف والثقافة والإرشاد.وهذا الاحتكاك اليومي بالبيروقراطية ولّد لديه فهمًا دقيقًا للفرد المطحون في آلة الدولة. يبدو ذلك واضحًا في رواياته “حضرة المحترم” و”السمان والخريف”. وفي رواياته نرى الحب المقيد بالعادات في “بين القصرين” ونرى الحب كمرآة للحرمان النفسي في “السراب” كما نرى الحب المشوّش بالثورة والطبقية والخوف في “ميرامار”.

في العهد الناصري رأى محفوظ أن النظام فشل في تحقيق الديمقراطية وانتقده بشكل رمزي في روايات “ثرثرة فوق النيل” و”اللص والكلاب” و”ميرامار” و”الكرنك” لكن عبد الناصر لم يوافق يوما على محاولات تكميم فمه وقال: “واحنا عندنا كام نجيب؟” في الواقع كان محفوظ بعد كتابة ثلاثية القاهرة (1948–1952)، قد توقّف عن الكتابة الروائية لشعوره أن الثورة قد بدأت تحقق ما كان ينادي به، وفي عام 1957، شعر “بدبيب غريب في أوصاله” أعاده للأدب وهنا كانت “أولاد حارتنا” ومع إساءة تأويلها تعرضت الرواية للمنع طويلا وكانت سببا في تعرض محفوظ لمحاولة اغتيال حرمته من الكتابة بيده وفي هذه المرحلة كان محفوظ أقرب للتأمل في أعماق النفس والحياة ما انعكس في أحلام النقاهة وأصداء السيرة.

 

اللوحة الفائزة بالجائزة الأولى لأغلفة محفوظ

أحلام النقاهة

قبل رحيله، عاش أديب نوبل نجيب محفوظ حالة من الاستبصار والصفاء قادته لأن يملي سطور رائعته الأخيرة “أحلام فترة النقاهة” وأن يخلق من خلالها تلك الحياة التي تسقط فيها الأقنعة من نفوس البشر ومن المجتمع المصري. هنا سنرى شظايا الروح تلملم رفاق الصبا أحياء وأموات، والبيت القديم والشارع الذي ألفته روحه وصحبة الحرافيش، وكثيرا من وجوه العابرين، لتضعهم في متن الدهشة التي يرى بها الحياة.

وبمناسبة “أحلام فترة النقاهة” فقد كانت هي اللوحة الفائزة بالجائزة الأولى لمسابقة المشروع الوطني للقراءة، تحت عنوان “عالم نجيب محفوظ” والموجهة للمواهب الفنية الشابة، وتمثلت المسابقة في رسم غلاف واحد من أغلفة أحد أعمال نجيب محفوظ.

تقول مريم عمر، صاحبة اللوحة الفائزة بالمركز الأول، في تصريح لـ”صوت البلد”: ما إن قرأت عن المسابقة التي أعلنت عنها الهيئة العامة للكتاب، حتى قررت المشاركة بلوحة اخترت لها أقرب الأعمال لنفسي لأنها تحمل أصداء من سيرة محفوظ الحقيقية. لقد تعرضت شخصيا لتجربة مؤلمة في رحيل أحد المقربين، ولمست كلمات محفوظ قلبي وأنا اراه يصف كيف يصبح المرء بصيرا بعد الموت أكثر منه في الحياة. وجدت نفسي على مدار شهر أرسم رموزا حول شخص وكأنه قد سافر لدنيا الأحلام لكنه يرى خضرة من حوله وطيورا وصفاء وأشياء كثيرة تخيفه في الوقت ذاته. أردت أن تصل الحالة التي وصلتني من تصميم غلاف المجموعة الأدبية، وهي حالة الحزن الممزوجة بالتأمل والإحساس الشديد بفلسفة الحياة حين نصل لعتبتها الأخيرة.

في أحلامه يقول محفوظ: “رأيتني في حي العباسية أتجوّل في رحاب الذكريات … وصلنا إلى المقهى خفّ علينا المرحوم المعلم القديم… فقالت إن الذي منعها عن الحضور الموت فلم يقبل هذا الاعتذار”. ويعبر محفوظ عن إدراكه اللطيف للسلام النابع من البساطة بقوله: “وجدت الطمأنينة في موضع لا يتطلع إليه طماع ولا ينظر إليه ذوو الطموح”.

أصداء السيرة الذاتية

ينظر النقاد إلى أصداء السيرة على أنه نص غير تقليدي يتوسط بين السيرة الذاتية والرواية حيث يلتقظ منها حياته وتفكيره في نصوص قصيرة مركزة تستعير الذاكرة والذات والخبرة الشخصية من الواقع وبما يعكس تجربته ويتساءل عن معنى الحياة والموت والذاكرة.

يصطحب محفوظ في رائعته شيخا أسماه “عبد ربه التائه” والذي يمثل صوت الحكمة داخله. يرى تلك الصورة التي تجمع أفراد أسرته، وجوههم المشرقة المطمئنة، وذكراه لرحيلهم، ويتساءل: هل كانت لحظات السعادة واقعا حيا لا حلما ولا وهما. يفكر مليا في حال البشر فلا تجارة أربح عندهم من بيع الأحلام.  يتأمل الوردة البيضاء التي تذكره بأننا ننجو بالتذكر كما ننجو بالنسيان.

يقول محفوظ: في عزلة الشيخوخة وعجزها ينتشر التأمل مثل عبير البخور.. وقد أهدى وردة بيضاء لصديقه الذي اعتكف للعبادة بصدق. هذا العابد الذي أمن بأن خفقة واحدة من قلب جديرة بطرد مائة من رواسب الحزن.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13560

موضوعات ذات صلة

تخريج دفعة جديدة من الدعاة الوافدين بالأزهر

محمود على

إعلان الإخوان الدكتاتوري .. وأيام الغضب المصري

المحرر

ريتا بربارة لـ”صوت البلد”: نجوت وأصبحت أميرة

أيمن مصطفى

الراحل صبري.. سوء الحظ حرمه من المونديال مع الزمالك

محمود المهدي

هزيمة الروح قبل النتيجة.. خروج مصر من كأس العرب

أيمن مصطفى

النجم السوري ريتشارد يطلق أغنية نيالا احتفالاً بسوريا 

فاطمة الزهراء محمد