
رغم ضجيج الشاشات وتحديات الأسعار، أثبتت الدورة الـ 57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب أن خير جليس لا يزال يحتفظ بعرشه. فبين تنظيم اتسم بالدقة والانسيابية، وإقبال جماهيري كسر حاجز التوقعات، تحول المعرض إلى خلية نحل ثقافية تجمع بين عراقة الأدب العالمي وحداثة المحتوى الرقمي، ليرسم الزوار بتوافدهم لوحةً تعكس تمسك المجتمع المصري بهويته المعرفية.
معرض الكتاب لم يكن مجرد تظاهرة ثقافية، بل رحلة بحث عن الذات بين رفوف الكتب. وحملت الدورة الـ 57 تجربة استثنائية وتنوعًا معرفيًا ناسب كافة الأذواق؛ من عشاق الكلاسيكيات إلى رواد القراءة الإلكترونية، وفي استطلاع لـ (صوت البلد) عن آراء بعض زوار المعرض، رصدت كيف استطاعت القوة الناعمة أن تجمع العالم في قلب القاهرة.
أعرب عدد من الزوار عن رضاهم بالمستوى التنظيمي الذي شهده معرض القاهرة الدولي للكتاب، مؤكدين أن تجربة هذا العام اتسمت بقدر عالٍ من السهولة واليسر مقارنة بالسنوات الماضية. كما أشاد الزوار بالدور المحوري للمتطوعين والمختصين في توجيه الجمهور وإرشادهم، وهو ما انعكس إيجابًا على انسيابية الحركة داخل الأجنحة رغم الإقبال الجماهيري الكثيف.
اهتمامات مختلفة
وعلى صعيد المحتوى المعرفي، تباينت اهتمامات القراء لتشمل طيفًا واسعًا من المجالات؛ بدءًا من الأدب العالمي ونجيب محفوظ، مرورًا بروايات الرعب وكتب التاريخ، وصولًا إلى مؤلفات تطوير الذات وعلم النفس، ولا سيما إصدارات الدكتور إبراهيم الفقي والداعية مصطفى حسني. وفي سياق متصل، ثمن الجمهور مبادرة الهيئة المصرية العامة للكتاب التي أتاحت إصدارات بأسعار مخفضة، في خطوة تستهدف تفعيل شعار مكتبة في كل بيت؛ لتحفيز الأجيال الناشئة على القراءة.
أكد عبد الله حسين، وهو زائر متخصص في اللغة العربية، حرصه السنوي على ارتياد المعرض لمواكبة أحدث ما نُشر في علوم اللغة والبلاغة القرآنية والإعجاز البياني، واصفًا المعرض بأنه فرصة ذهبية تحشد دور النشر في فضاء واحد، مما يسهل عليه اقتناء قوائم كتبه المعدة مسبقًا وسط أجواء ثقافية متفردة.
ملمس الورق
وحول مستقبل الكتاب الورقي في ظل المد الإلكتروني، أجمع معظم الزوار على مكانة الكتاب الورقي الراسخة في قلوبهم. رأت الزائرة ميرفت محمد أن المتعة الحقيقية للقراءة تكمن في ملمس الورق ورائحته، حيث ينشأ رابط شعوري خاص بين القارئ والكتاب، مما يمنحه قدرة أكبر على الانغماس في المحتوى بعيدًا عن مشتتات الشاشات الرقمية.
في المقابل، برز تيار آخر يدعم الكتاب الإلكتروني والصوتي، مثّله الشاب أمجد محمود، الذي أوضح أن تفضيله لهذا النمط يعود إلى سهولة الوصول وسرعة التحميل وتوفير المساحة التخزينية؛ معتبرًا أن هذه الأدوات التقنية جعلت المعرفة أكثر قربًا، إذ بضغطة زر واحدة يمكن الولوج إلى مكتبات ضخمة والانتقاء منها.
وفيما يخص طرق الانتقاء، أشار أحمد علي إلى أنه حضر وفي جعبته قائمة محددة سلفًا، ضمت السيرة الهلالية للشاعر عبد الرحمن الأبنودي ومؤلفات يمنى المهدي وغيرها، بينما فضل زوار آخرون ترك المجال للمغامرة واكتشاف دور نشر جديدة وعناوين لم تخطر ببالهم.

فعاليات الأطفال
ونقلت ولاء كريم إعجابها بجناح الطفل، واصفة التجربة هذا العام بأنها مبهجة بامتياز. وأوضحت أن الورش الفنية والعملية، التي شملت أنشطة مثل: التشكيل بالصلصال والرسم والتلوين، قد نجحت في إثارة حماس الصغار للمشاركة والتفاعل. كما أشادت بالتنوع الثري في المحتوى، والذي جمع بين الكتب التفاعلية والقصص الخيالية والإصدارات التعليمية؛ مؤكدة أن المعرض نجح في أن يكون وجهة عائلية مثالية تكسر حاجز الملل لدى الأطفال وتمنحهم متعة معرفية لا تُنسى، ولدت لديهم رغبة في تكرارها في الأعوام القادمة.
أما قضية غلاء أسعار الكتب، فقد انقسمت حولها الآراء إلى عدة اتجاهات؛ فئة جاءت على دراية كاملة بمتغيرات السوق وحددت ميزانيتها مسبقًا، وأخرى غلّبت قيمة الكتاب المعرفية على ثمنه المادي، مؤكدة اقتناء الكتب النادرة أو المهمة مهما بلغت تكلفتها، بينما اتجهت فئة ثالثة نحو إصدارات الهيئات الحكومية التي توفر أسعارًا مدعومة.
زيادة متوقعة
من جهتها، اعتبرت أسماء عبد الله أن الزيادة في أسعار بعض الكتب والروايات هذا العام كانت متوقعة نظرًا لارتفاع تكاليف الورق والطباعة عالميًا، إلا أن الفعاليات الثقافية والتخفيضات التي قدمتها بعض دور النشر ساهمت في تخفيف حدة هذا الارتفاع. وختامًا، أكد هشام السيد أن بُعد المسافة والوقت المستغرق للوصول إلى المعرض لم يحولا دون استمتاعه بالرحلة، معتبرًا أن الرحلة في طلب الكتاب تمثل في حد ذاتها جزءًا من المتعة الحقيقية لتجربة المعرض.
ومع إسدال الستار على فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، تظل الأرقام هي الشاهد الأكبر على نجاح هذا المحفل الثقافي؛ حيث سجلت هذه الدورة معدلات حضور استثنائية تجاوزت التوقعات، تخطت حاجز الـ 6 ملايين و200 ألف زائر، معبرة عن شغف لا ينطفئ لدى الجمهور المصري والعربي بالمعرفة. ولم تكن هذه الحشود مجرد أرقام، بل كانت طيفًا متنوعًا عكس التلاحم بين مختلف الفئات العمرية، من الأطفال الذين ملأوا جنبات المعرض، إلى الباحثين والشباب الذين تصدروا طوابير توقيع الإصدارات الجديدة، والمتخصصين، ومحبي الشعر وغيرهم.
اقرأ أيضا:
مدحت صفوت: النقاد التقليديون حراس لمقابر مهجورة
عاطف يمني: استعدنا كنزًا مفقودًا من التاريخ
عبد الحليم: لهذا هربت العائلة المقدسة لمصر تحديدًا
عمرو العادلي: لا أؤمن بالوحي والقوى الكبرى تحتضر
رنا هاني: “دائرة الأمان” درع لحماية الطفل
سعيد شحاتة: “فريدة” جدارية وجع.. أشفق على مقتنيها
