سليدرفنون

الدراما في قفص الاتهام …لهذا السبب

انتشار مقطع فيديو يظهر إجبار شاب على ارتداء زي نسائي والطواف به في إحدى القرى إلى الواجهة جدلًا قديمًا حول العلاقة الملتبسة بين الدراما والواقع، بعدما قارن متابعون المشهد بما قدم في مسلسل الأسطورة الذي قام ببطولته الفنان محمد رمضان، وجسد فيه شخصية “المعلم ناصر الرفاعي”. ومن هنا انطلق سؤال يتجدد كلما وقعت حادثة مشابهة: هل تستمد الدراما مادتها من المجتمع، أم أنها تسهم في تشكيل سلوكياته وربما تأجيجها؟

دراما رمضان: تنوع يرسخ القوة الناعمة

 

سارع بعض النقاد إلى تحميل الدراما مسؤولية “تطبيع” العنف أو الإذلال الرمزي، مستشهدين بأعمال أخرى لرمضان مثل البرنس وزلزال وابن حلال وجعفر العمدة، معتبرين أن صورة “البطل الشعبي” الذي ينتصر بالعنف قد تغري بعض الشباب بتقليده. ويذهب هذا الاتجاه إلى أن اختفاء هذه النماذج من الشاشة قد يسهم في تهدئة السلوك العام.

لكن هذا الطرح يتجاهل سؤالًا أكثر عمقًا: هل يمكن اختزال الظواهر الاجتماعية المعقدة في مشهد درامي؟ وهل يصبح العمل الفني هو المحرك الوحيد لسلوك إنساني تحكمه منظومة أوسع من العوامل الاقتصادية والثقافية والتعليمية؟

 

تاريخ الفن يؤكد أنه غالبًا ما يلتقط ما يغلي في المجتمع ثم يعيد صياغته دراميًا، وقد يبالغ في بعض الزوايا لأغراض فنية. فالخيال عنصر أصيل في أي عمل إبداعي، وليس من المنطقي اتهام كل معالجة درامية بأنها دعوة للتقليد. ولو كان الأمر كذلك، لكانت أفلام الخيال العلمي حول العالم قد دفعت البشر إلى تقليد كل ما فيها من عوالم مدمرة أو تقنيات خارقة.

بل إن مشاهد الإذلال العلني كعقوبة ليست وليدة الدراما الحديثة؛ ففي عصور سابقة، كان التشهير جزءًا من العقاب المجتمعي، ما يعني أن فكرة “الطواف بالمذنب” أقدم بكثير من الشاشات الفضية ومنصات التواصل.

جدل يتجاوز رمضان وسامي

لم يسلم المخرج محمد سامي من الاتهام أيضًا، نظرًا لتقديمه عددًا من الأعمال التي وصفت بالعنيفة أو الصادمة، سواء مع رمضان أو مع نجوم آخرين مثل العتاولة وسيد الناس، في مقابل أعمال ذات طابع اجتماعي مختلف مثل نعمة الأفوكاتو. وهو ما يطرح مسألة تنوع التجارب الفنية وحق المبدع في الانتقال بين الأنماط دون أن يحاصر بتيمة واحدة.

فالفنان الذي يكرر نفسه يتهم بالجمود، والذي يغامر يتهم بالمجازفة غير المحسوبة. وفي الحالتين يبقى الجمهور هو الحكم، إذ لا ينجح العمل لمجرد واقعيته أو صدمته، بل لطريقة معالجته وقدرته على جذب المشاهد.

حلقة مفرغة

تكشف هذه الواقعة عن أزمة أعمق في العلاقة بين الدراما والواقع . فغياب بيانات دقيقة ومستقلة حول معدلات العنف والجريمة يفتح الباب أمام تفسيرات انطباعية، يسهل فيها تعليق المسؤولية على شماعة الفن. بينما الحقيقة أن العمل الدرامي، مهما بلغ تأثيره، لا يعمل في فراغ، بل ضمن سياق اجتماعي وثقافي متشابك.

القسوة في العقاب القانوني وحدها لا تكفي لمنع تكرار الانتهاكات، كما أن تجاهل الدراما للواقع لن يلغيه. وربما يكون توظيف الفن كأداة توعية وتنوير، بدلًا من محاكمته بأثر رجعي، مدخلًا أكثر نفعًا.

بين المحاكاة والوعي

التقليد — إن حدث — لا يعني بالضرورة أن الفن هو السبب، بل قد يشير إلى وجود قابلية اجتماعية تبحث عن نموذج تعبّر به عن غضبها أو نزعاتها. وهنا تتجلى المفارقة: إذا كان للفن هذا التأثير المفترض، فلماذا لا يُستثمر في ترسيخ قيم العدالة واحترام القانون بدلًا من الاكتفاء باتهامه؟

ستطوى حادثة القرية كما طويت غيرها، ويبقى الجدل قائمًا. غير أن السؤال الأهم يظل معلقًا: هل نملك الشجاعة لمواجهة جذور الظاهرة في المجتمع، أم سنستمر في محاكمة الشاشات بدلًا من محاسبة السلوك؟

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=14124

موضوعات ذات صلة

ممداني يفتح مواجهة عالمية مع إسرائيل

ضاحى محمود

“نداء القاهرة”.. جسر الناشرين نحو قاريء عالمي

شيماء عيسي

افتتاح الدورة التاسعة من ملتقى «أولادنا» يؤكد دور الفن في دمج ذوي القدرات الخاصة

أحمد عاشور

مختبر السعادة.. الجانب الخفي في لغة الصمت

أيمن مصطفى

الفراعنة في الكان 2025.. نبض الشارع يعود

أيمن مصطفى

ارتفاع الصادرات الزراعية لـ 7.8 مليون طن

المحرر