
لعلّ جوهر الكتابة، كما تكشف تجارب كبار الأدباء، أن يجرؤ الكاتب على قول الحقيقة الإنسانية في أكثر صورها تعقيدًا؛ أن يرى خلف الوقائع حكايات أصحابها، وخلف أحكام المجتمع تناقضاته، وخلف الصمت دوي كلمات تنتظر البوح.
كان هيمنجواي ينصح بكتابة “أصدق جملة نعرفها”، لكن ماذا يحدث حين يكون الكاتب قاضيًا، اعتاد أن يتقصى الحقيقة في الأدلة والوثائق، ثم يعود مساءًا ليدوّن ما لا تقوله الأوراق؟ هنا، عند تلك المسافة الفاصلة تبدأ حكاية أشرف العشماوي الروائي، والذي ينظر لأبطاله من موقع الصديق لا القاضي.
في الحوار التالي يحدثنا “العشماوي” عن روايتيه الأحدث “السيمفونية الأخيرة” و”مواليد حديقة الحيوان” والفائزة مؤخرًا بجائزة الشيخ زايد للآداب؛ حيث تغيب العدالة وتعلق أحلام البشر لحين إشعار آخر.. وتظل الحكاية طوقا للنجاة
سألناه: تبحث رواياتك عن عدالة لا تسعها قاعات المحاكم، فهل هذه مهمة الأديب؟
فأجاب: بالفعل، يشغلني هاجس تحقيق العدالة التي تجعل الناس سواسية؛ ولكن هناك فارق بين عدالة المحاكم وتلك التي ننشدها في الأدب؛ فالأولى يبحث فيها القاضي عن حقيقة القضية التي ينظر فيها، وتورط المتهم استنادا للقرائن، وبالتالي يصدر حكمه. أما الأديب فمعني بما وراء الحقيقة، كتلك الدوافع التي قادت البشر لقراراتهم، وما تتضمنه من ضغوط مركبة؛ كالفقر والذي يقود أب لسرقة طعام لأبنائه وهو يختلف عمن يسرق لتتضخم ثرواته. هكذا يعكس الأدب صورة أعمق، وربما يترك الكاتب مصير الأبطال مفتوحا؛ فالأدب تفسده الأحكام، ودوره وضع علامات الدهشة أمام مفارقات الحياة وعبثية الواقع أحيانا.
هل تكتب رواياتك بضمير قاض مؤرّق؟
ربما هذا جزء من تكويني بالفعل ككاتب، خاصة حين نتأمل ما تخفيه حياة الناس من خلفيات قد يسودها تفشٍ للجهل والتعصب والفقر والعنف في شرائح اجتماعية معينة، تتحول زاوية النظر للجاني بوصفه ضحية أيضا؛ لأنه افتقد لوطن يمنحه الكرامة والحماية ويؤسس شخصيته السويّة.
لهذا تشير بالإدانة في “مواليد حديقة الحيوان” لعهد مبارك، أليس كذلك؟
بالفعل ولعل المسألة قد بدأت في نهاية عصر السادات لكنها قد صارت أوضح في العقود التي حكم خلالها الرئيس مبارك حين تخلت الدولة عن أدوارها في التعليم والصحة وكثيرا من حقوق المواطنين، وبدا أن البلاد تسير بلا رؤية، وتتخبط بين وعود التنمية والقروض وتزاوج المال والسلطة.
تحمل الرواية قصصا منفصلة متصلة، فهل تعمدت كتابتها على هذا النحو؟
لا؛ فكل منهم كتبت في سياق مستقل، لكن جمعت أبطالهم ذات الأجواء الاجتماعية التي صهرت الجميع في بوتقتها منذ السبعينيات وحتى اليوم، إضافة لكون مسرح الأحداث داخل مصر، ولهذا أصبحت القصص متشابكة ورأى كثير من القراء أن حلقاتها تكمل بعضها البعض.
حارس بيت الفيل
هل يمكن اعتبار الروايتين حصاد أبناء الخوف الذي ترعرع في البيوت ليصبح وطنا؟
أتفق مع ذلك. فالإنسان الذي يتربى على الخوف يصبح أسيرا في مضماره تماما كالعصفور الذي يكره التحليق خارج القفص حتى لو فتحوا له بابه، لأنه يظن نفسه مهددا في الخارج!
أحيانا يحدث إعادة إنتاج للخوف لكن في ثوب قسوة، كما جرى مع سامي عرفان بطل “السيمفونية الأخيرة”، وهو ضابط المراسم الذي عاني خوفه من جدته المتسلطة ثم حرمانه من أحلامه ومطالعته لكواليس إدارة الحياة في مصر، حتى صار نسخة مشوهة تسقط خوفها في الآخرين زمن الثورة.
وفي “مواليد حديقة الحيوان” سنرى انعكاسات الخوف بداية من عارف الذي تم تسخيره قربانا لحفيد الباشا الذي يعمل عنده جده، وسنرى “فايز حنا” الذي هرب من ملاحقة المتطرفين الدينيين، وأخيرا حارس بيت الفيل ذلك الطبيب البيطري الذي لم يجد وطنا يكفل له عملا كريما فتحول لما يشبه حيوانات الحديقة!
إلى أي مدى تغري الأديب تلك الشخصيات المركبة بين البراءة والإثم؟
الأدب يعمل دائما على هذه المساحة من التناقض البشري، وغالبا تبدو الشخصية النمطية ذات اللون الواحد غير مغرية بالفعل للكتابة لأنها غير حقيقية ولا تقدم صراع نزعات الخير والشر داخلنا جميعا والذي تحسمه عوامل التربية لاحقا. وقد سألني البعض كيف يتحول بطل السيمفونية الأخيرة من ضابط مراسم راقٍ لرجل يتلذذ بابتزاز الناس بحياتهم الشخصية، وكيف يتحول من القسوة لعازف كمان مرهف.. أقول نعم هذا هو الإنسان!
هل يمكن النظر لآلة الكمان كأداة تطهر وعودة للإنسانية؟
بالطبع نعم. وإلى جانب أن الفن دائما يحمل هذه النزعة الإنسانية، فآلة الكمان تحديدا لها صوت يحمل فيضا من الشجن، الذي يبدو كنحيب على ما ضاع من البطل وما ضيّعه بتردده وخوفه، وقد اخترت هذا المكون في شخصيته بعد مشاهدتي عازف كمان في الأوبرا فرأيت فيه سامي عرفان، ومحاولته التحرر من ماضيه وقيوده بهذا الصوت الشجي.
يضيع حب بطل السيمفونية رغم امتلاكه السلطة، هل قررت محاكمته بنفسك؟
ليس بالضبط؛ لكنني كتبت عن الوجه الآخر الذي قد يخفيه قناع السلطة من خوف وانهيار صاحبها. وأنا عادة لا أحب أن أتدخل في مصائر أبطالي فأنقذهم أو أعيد لهم ما فقدوه بنظرة رومانسية، بعيدا عن واقعهم وما جنته أيديهم. والغريب في هذه الرواية أنني قد كتبت نهايتها أولا والتي تصيبنا بالحيرة من اختفاء البطل عن الأنظار، وجاءت كل الأحداث التي سبقتها لتؤدي إليها!
لماذا اخترت أن يكون صوت السارد هو المتكلم في الماضي، والغائب في الحاضر؟
لأن ضمير المتكلم يجعلنا أقرب لمشاعر البطل ودفاعه عن ذاته بعيدا عن الاعتراف بالذنب البعيد عن طبيعة البشر. وفي هذه الحالة نحن نتحدث عن رجل يعمل في المراسم الرسمية واقترب بشدة من الرئيسين السادات ومبارك، وقد جالست بالفعل عددا كبيرا من الذين شغلوا هذا الموقع وأصبحت لدي حصيلة كانت تكفي كتابا ضخما ولكنني آثرت أن تتحول لبطل روائي.
أما ضمير الراوي العليم فيظهر حين نحتاج لاحقا لرؤية بمنظار أوسع وأكثر موضوعية وإحاطة، حيث يصبح فيها البطل مجرد حلقة لدوائر أوسع.

على ذكر تلك المعلومات التي تسبق الكتابة، هل تصبح أحيانا عبئا على السرد؟
هذا القرار بيد الأديب نفسه؛ إما يحولها لرواية تسجيلية سخيفة كتلك التي شاهدناها من موجات بعد ثورة يناير، والتي لا تضيف شيئا من لغة وخيال لواقعنا الذي نعلمه، وإما أن تصبح مجرد خلفية ينطلق منها لبناء عالم درامي حقيقي نتفاعل معه. وهذا تحديدا بين الأدب الذي يحيا والذي يطويه النسيان.
تدين في روايتيك أبناء الإرهاب أو عرائس النار التي شجعها السادات حتى اغتالته. حدثنا عن ذلك
بالفعل هو مرض استشرى في جسد المجتمع، ورأينا في “مواليد حديقة الحيوان” كيف أصبح منبر المسجد نفسه مثلا يعتليه خطيب له ميول متطرفة ضد أبناء الوطن الأقباط، ويمارس التحريض علنا بلا رادع، كما رأينا تلك الجموع من القطعان التي يقودها ما يسمى بـ”الأمير” وتمارس العنف ضد المواطنين بظنية وجوب تغيير المنكر باليد! ورأيناه مرة أخرى مع مشاهدات بطل “السيموفنية الأخيرة” والذي رأى كيف استجاب السادات لخروج متطرفين من السجون حتى اغتالوه لأنهم أبناء أفكار سيد قطب التي تكفّر الجميع وأولهم الحاكم والمجتمع نفسه! لكن ما يعنيني ليس حصاد الدم فقط إنما حصاد الجهل أيضا وهو الذي ما يزال يعاني منه المجتمع.
كيف تنظر لتحدي اللغة في روايات تحمل أبعادا اجتماعية وتاريخية معقدة؟
أحاول دائما أن تحمل اللغة أبعادها الفنية بما يقتضيه النص، وأن أتنقل أحيانا من ثقل النص أحيانا بالحوار الذي يحرك النص للأمام ويكشف طبيعة الأبطال ومستواهم الثقافي والاجتماعي، كما كان نجيب محفوظ يحرص دائما، حيث أن العامية المصرية تحمل فرادة خاصة.. أما عن تعقيد خلفية النص فهذا لا يشكل عائقا للغة لأننا بطبيعة الحال لا نكتب مشاهد يشتبك فيها الأبطال مع القضايا المعقدة فقط وإنما مشاهد إنسانية تصاحبها يختلط فيها الحزن والفرح والحب والضعف والقوة، وهي مساحات تتيح للغة أن تحافظ على شاعريتها ورهافتها. وعادة فأنا أقرأ مسودات أعمالي بصوت عال وأظل أضيف أو أعدل حتى اللحظات الأخيرة، لأن النص يشبه النوتة الموسيقية أو القصيدة التي لا ينبغي أن تسمع فيها نشازا.
تحمل “السيمفونية” ثلاثة أصوات للكونشرتو؛ بين البحث عن الحب والعدالة والذات.. هل تميل لابن البلد المثقف؟
أرى باهر أستاذ العلوم السياسية الذي أحبته دينا يعقوب مثالا للإنسان المصري الحقيقي؛ وقد عركته الحياة وعايش طبقات المجتمع، ونادى بالعدالة في زمن كان الحديث فقط عن توريث الحكم وشيوع الفساد، ولهذا فهو يختلف عمن ادعى محبة مصر وهو لم يمشي في شوارعها ولا ذاق مرها وحلاوتها، ما يذكرني بقصيدة الفاجومي: “مصر العشة ولا القصر”، حيث يكون أبناء البلد هم الأصدق في حبهم للوطن.
ما الذي يعنيه فوز روايتك بجائزة الشيخ زايد؟ وهل لازلت تخشى “لعنة التكريمات”؟
شعرت بسعادة تنتمي لأفراح الكتابة حين تحمل رسالة تقدير، خاصة وأن رحلة الرواية في القائمة الطويلة والقصيرة كانت مع عدد كبير من السرديات العربية المدهشة. لكنني هذا العام كان فرحي مضاعفا لأن من قرأوا الرواية لا يعرفونني، فهم مستشرقون، وقد كانت الرواية هي أولى الأعمال التي يقرأوها لي.
أما عن علاقة الجوائز بالكتابة؛ فقد لاحظت أن كثيرا من الأقلام المتحققة تراجع إنتاجها كيفًا وكمًا بعد الجوائز الكبرى، ومنهم “أورهان باموك” مثلا، وهو ما أسميته بلعنة الجوائز التي يجب على الكاتب الحقيقي ان يتفاداها بأن يكتب مخلصا للحظة الكتابة ذاتها ليصير عمر سرديته أطول من عمره، تماما كأعمال محفوظ وتولستوي وشكسبير، والذين خلدتهم روائعهم.
اقرأ أيضا
مواليد حديقة الحيوان.. أن ترى الحياة من داخل القفص
نوبل لكارسون.. ريشة يونانية ترسم الحب والألم
محمد إسماعيل: خلاص الشعوب لا يصنعه مهدي منتظر
