اقتصاد وأعمالسليدر

المعرفة تصنع أولى خطوات الغد

طلاب الهندسة والحاسبات يستوعبون الرؤى التطبيقية

تحت سقفٍ واحد يحمل عبق التاريخ وتطلعات الغد، تلاقت مسارات العلم والصناعة في قلب عروس البحر المتوسط، حيث لم يكن المشهد مجرد افتتاح رسمي لحدث عابر، وإنما كان حلقة وصل حية بين جيلٍ يتأهب لقيادة المستقبل، ومؤسسات كبرى تسعى لتمهيد الطريق أمامه. أكثر من ألفي طالب وطالبة من كليات الهندسة والحاسبات وعلوم البيانات، امتلأت بهم جنبات المكان، يحملون شغف المعرفة وعينهم على تحديات واقعٍ تكنولوجي يتسارع بلا توقف.

في هذا الفضاء الممتد، تحدث د. أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية، بنبرة تجمع بين الأبوة والمسؤولية. وأشار إلى أن المكتبة، التي فتحت أبوابها منذ عقود لتكون منارة للثقافة والعلوم، ترى في هؤلاء الشباب الركيزة الأساسية لأي تحول حقيقي. بالنسبة له، فإن المستقبل لا يصنعه مجرد تلقين المناهج، بل يبدأ من المعرفة المجرورة بالعمل والأثر الملموس في تفاصيل المجتمع. إذ إن هذا الحدث جاء ليعكس نموذجاً عملياً يربط هؤلاء الطلاب مباشرة بسوق العمل، ويخلق قنوات تفاعلية تتجاوز حدود الجدران الأكاديمية إلى آفاق التطبيق الفعلي. مفارقة زمنية لافتة شهدها الحاضرون؛ فالملتقى يتزامن مع ذكرى افتتاح المكتبة في أكتوبر 2002، ومرور 125 عاماً على وجود شركة سيمنس في مصر، وهو ما علّق عليه زايد بأن عمر المؤسسات لا يُقاس بالسنوات، بل بمدى قدرتها على التجدد والاستجابة لنبض المجتمع واحتياجاته.

جسور المعرفة

بين طموح الشباب والواقع العملي، تبرز الحاجة إلى رؤية تنظيمية تدعم هذا التوجه. وفي الجلسة الافتتاحية، نقل د. ولاء شتا، الرئيس التنفيذي لهيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار، رؤية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالنيابة عن الوزير د. عبد العزيز قنصوة. الحديث هنا اتسم بالوضوح والمباشرة حول التوجه الاستراتيجي للدولة التي باتت ترى في ربط التعليم الأكاديمي باحتياجات الصناعة وسوق العمل ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل، فالمنظومة التعليمية اليوم، والتي تضم أكثر من 130 جامعة متنوعة وتكنولوجية، لم تعد تهدف إلى تخريج حملة شهادات، بل كوادر مؤهلة تحتاجها المصانع ومواقع الإنتاج فعلياً. ركز الخطاب على أن أثر البحث العلمي يجب أن يظهر في مؤشرات الاقتصاد والمجتمع، وهو أثر لا يتحقق إلا عبر منظومة ابتكار متكاملة تشابك فيها أيدي الجامعات والصناعة والمستثمرين والحكومة معاً. الملتقى الطلابي “سيمنس توك” بدا هنا كمنصة حقيقية تبني الثقة بين قاعات المحاضرات النظرية ومواقع العمل الميدانية، مؤكداً على أن الطالب المصري يمتلك القدرة الكاملة على المنافسة دولياً متى توفرت له الأداة والفرصة المناسبة.

شراكات الإنتاج

على الجانب الآخر من المعادلة، كانت قطاعات الصناعة والتكنولوجيا حاضرة برؤيتها العملية. التقط مصطفى الباجوري، الرئيس التنفيذي لشركة سيمنس مصر، خيط الحديث معبراً عن فخره برؤية هذه الوجوه الواعدة. أكد بلغة واقعية أن نجاح المشروعات الكبرى لا يتوقف على جودة التكنولوجيا وحدها، بل يعتمد بالأساس على الإيمان بالبشر، وتبادل الأفكار، والعمل الجماعي المنظم؛ فهذه الفعالية بالنسبة للشركة ليست مجرد حدث سنوي، بل فرصة حقيقية لربط طموح الشباب بالفرص المتاحة في عالم الصناعة، والاستثمار المستمر في تنمية المهارات.

مدير مكتبة الإسكندرية وسط الطلاب

وفى ذات السياق، أشار ليون سولييه، الرئيس التنفيذي لقطاع المشروعات الكبرى في سيمنس، إلى أن الهدف المباشر هو تزويد الطلاب بالمهارات اللازمة لمسيرتهم المهنية المستقبلية، مستشهداً بمشروع السكك الحديدية فائقة السرعة الذي تنفذه الشركة في مصر حالياً، كنموذج للمشروعات التي لا تكتفي بتقليل زمن السفر فحسب، بل تخلق فرص عمل واسعة وتدعم النمو الاقتصادي المستدام عبر أجيال متتالية.

تكامل الرؤى

لم تكن الجامعات بمعزل عن هذا النقاش البنّاء حول الهوية الجديدة للتعليم؛ حيث أوضح د. أحمد عادل عبد الحكيم، رئيس جامعة الإسكندرية، أن دور المؤسسات الأكاديمية يتطور اليوم بسرعة فائقة تفرضها تعقيدات المجتمع، إذ لم يعد ممكناً حل المشكلات الحالية داخل حدود تخصص واحد أو مؤسسة منغلقة على نفسها، بل أصبحنا بحاجة ماسة لتعليم يتصل بالمشكلات الواقعية، وبحث علمي يلبي احتياجات المصانع؛ فجودة التعليم الحقيقية باتت ترتبط طردياً بمدى قوة العلاقة بين الجامعة والصناعة، خصوصاً في ظل التحول الرقمي الذي يفرض على الطلاب فهم الأنظمة الذكية، وتحليل البيانات، وامتلاك مهارات التفكير النقدي والتواصل.

وفي ختام المشهد، جاءت كلمات د. إسماعيل عبد الغفار، رئيس الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، لتؤكد على هذا التوجه؛ مثمناً التكامل بين مكتبة الإسكندرية وشركة سيمنس في تنظيم مثل هذه الفعاليات الهادفة. واعتبر أن إمداد الشباب بالمعرفة التكنولوجية الحديثة وتطوير قدراتهم هو معنى الاستثمار الحقيقي في مستندات الغد، ليبقى هذا الملتقى خطوة عملية جادة نحو صياغة مستقبل يعتمد على الابتكار والإنتاج.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=26912

موضوعات ذات صلة

الحب من أول نظرة

أيمن مصطفى

الإسكندرية: حملات مكثفة لإزالة البناء المخالف

أيمن مصطفى

تحرك برلماني لوقف “رامز ليفل الوحش”

أيمن مصطفى

1.5 مليار دولار حجم التبادل التجارى بين مصر واسبانيا

المحرر

حلول لأزمة استيراد السيارات المعفاة من الجمارك

المحرر

أسرار “الصرخة”: لماذا يشبهنا ساكن اللوحة المشوه؟

سارة الدسوقى