
لم تكن عقارب الساعة تشير إلى مجرد وقت عابر في ليل الإسكندرية، بل كانت تعدّ اللحظات الأخيرة لدفء عائلي تبدّد في غمضة عين تحت ركام الإسمنت والتراب. في شارع سعد زغلول المتفرع من شارع الترعة المردومة بنطاق حي شرق، تحولت جدران العقار رقم 34 إلى مقبرة جماعية سحقت تحتها أحلام خمسة مواطنين، وخلّفت وراءها أنيناً لمصابين، وصرخات لأسر باتت بلا مأوى، لتفتح الواقعة مجدداً جرح عروس البحر الأبيض المتوسط الذي لا يندمل مع مسلسل انهيار العقارات المتهالكة.
ليلة الرعب
بدأت المأساة كسيناريو مرعب مكرر؛ تصدّع مفاجئ، يليه دوي هائل هزّ أركان الحي، وغبار كثيف حجب الرؤية ليخفي ملامح مبنى كان حتى دقائق مضت يضم بين جدرانه حكايات بشر وتفاصيل حياة كاملة. وفور تلقي غرفة العمليات الرئيسية ومركز السيطرة للشبكة الوطنية للطوارئ والسلامة العامة بالمحافظة البلاغ، تحول موقع الحادث إلى ساحة استنفار قصوى. هرعت سيارات الإسعاف وقوات الحماية المدنية، وطوقت الأجهزة الأمنية المنطقة بفرض كردون أمني صارم وفصلت مرافق الغاز والكهرباء لمنع وقوع كارثة أكبر. وبدأت رحلة سباق مع الزمن قادتها سواعد رجال الإنقاذ تحت الأنقاض، والذين واصلوا العمل بلا كلل حتى تمكنوا من إنقاذ مصابين جرى نقلهما على الفور إلى المستشفى الرئيسي الجامعي، وانتشال جثامين 5 ضحايا فارقوا الحياة قبل أن يدركوا النجاة.
استنفار رسمي
التحرك الميداني لم يتأخر عن مستوى الفاجعة؛ حيث باشر المهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، واللواء حاتم الحداد، مدير الأمن، أعمال البحث والإنقاذ ميدانياً منذ اللحظات الأولى وحتى فجر اليوم التالي، وقد أصدرت اللجنة الهندسية المختصة برئاسة د. علاء مرسي، بعد فحص دقيق للمحيط الإنشائي، قراراً حاسماً بإخلاء وإزالة عقارين مجاورين يقطنهما 8 أسر، بعد أن بات بقاؤهما خطراً داهماً يهدد حياتهم، لتبدأ فوراً إجراءات تأمينهما تمهيداً للإزالة وفقاً للاشتراطات الهندسية.
دعم المتضررين
وفي لفتة إنسانية تهدف إلى تضميد جراح المنكوبين، وجّه محافظ الإسكندرية مديرية التضامن الاجتماعي بسرعة استكمال إجراءات صرف التعويضات المقررة لأسر المتوفين والمصابين وتيسير الإجراءات دون أي تأخير بيروقراطي. وتواجدت في قلب الحدث فرق الهلال الأحمر المصري لمساندة الأسر نفسياً واجتماعياً وحصر احتياجاتها العاجلة. كما شدد المحافظ على توفير سكن مؤقت بديل للأسر المتضررة وتجهيزه بكافة مستلزمات الإعاشة والأثاث والاحتياجات الأساسية بالتعاون مع نواب الدائرة ومؤسسات المجتمع المدني.

ناقوس الخطر
هذه الفاجعة لم تكن سوى حلقة جديدة من رواية حزينة ممتدة الفصول؛ فالإسكندرية أمست تعيش على موعد متجدد مع الموت المفاجئ تحت الأنقاض بسبب أزمة المباني القديمة، ليتحول الأمر من مجرد أخبار عابرة إلى “مسلسل” مأساوي متكرر يدفع فيه المواطنون حياتهم ثمنًا لحلقاته الدامية. ومع كل شتاء جديد ونوة قادمة، تزداد مخاوف قاطني آلاف المباني الآيلة للسقوط بالثغر، والذين يعيش أغلبهم تحت رحمة قرارات إخلاء وترميم لا تُنفذ، ليظل شبح الموت قابعاً فوق رؤوسهم.
ولم تكن كواليس الأسبوع الحالي سوى مشهد متكرر؛ حيث شهدت منطقة كرموز بنطاق حي غرب ــ صباح الأربعاء 26 نوفمبر 2025 ــ انهيار العقار رقم 41 بشارع السعادة المتفرع من شارع النيل، حيث تهاوى المبنى المكون من دور أرضي وأربعة أدوار علوية فوق رؤوس قاطنيه، ليسفر عن إصابة 3 مواطنين جرى نقلهم للمستشفى الجامعي، وتكشف المعاينة عن مأساة أعمق: العقار صادر له قرار ترميم رقم ١١٩ منذ عام ٢٠١٨ ظل حبراً على ورق لسنوات. وفي الأسبوع نفسه ــ وتحديداً يوم الاثنين 24 نوفمبر 2025 ــ استيقظ سكان شارع جمال عبد الناصر بمنطقة سيدي بشر بحري بنطاق حي المنتزه أول، على دوي انهيار أجزاء من عقار قديم خالٍ من السكان مكون من 3 أدوار، مما أدى لتحطم سيارتين تصادف وجودهما أسفل العقار دون خسائر في الأرواح.
تتحدث الإحصائيات الرسمية بأرقام مخيفة ومفزعة عن آلاف العقارات المتهالكة التي تعاني من مرور الزمن دون صيانة دورية، حيث تلتهم العوامل المناخية والنوات الشتوية القاسية وارتفاع منسوب مياه البحر أساسات المباني التاريخية. ورغم تشكيل اللجان الهندسية لمعاينة العقارات وحصرها، إلا أن تنفيذ القرارات يواجه بطئاً شديداً وعقبات إدارية وبيروقراطية، فضلاً عن تعقيدات قوانين الإيجار القديمة ورفض السكان الإخلاء خوفاً من التشريد في ظل بطء توفير البديل المناسب. هذه المعادلة الصعبة جعلت الذاكرة السكندرية مثقلة بصرخات استغاثة ممتدة وتاريخ من الفواجع؛ ففي منتصف يونيو 2021 تفجرت ظاهرة قديمة بانهيار العقارين رقمي 16 و18 بشارع “العوامري” بمنطقة السيالة بنطاق حي الجمرك، وتدخلت الأجهزة الأمنية حينها، وفتحت نيابة المنشية تحقيقاً هندسياً موسعاً حول ملفهما.
ولم تكد جراح الجمرك تندمل حتى استيقظت منطقة “غربال” التابعة لحي وسط في ديسمبر 2021 على قصة مأساوية أخرى بعقار شارع “أحد” المتفرع من شارع “شجرة الدر”؛ حيث انهار سقف الطابق الثالث لعقار مأهول بالسكان حتى سطح الأرض، ليلقى زكريا إبراهيم (60 سنة) وأحمد خميس (42 سنة) مصرعهما، ويصاب آخر. ولم يتوقف المسلسل الدامي عند هذا الحد، بل امتد ليتغلغل في حواري الإسكندرية القديمة، عاصفاً بمنطقة اللبان بحي الجمرك في يونيو 2022 إثر انهيار عقار قديم متهالك بشارع “الأحنف”، ثم انهيار أجزاء من العقار رقم 4 بحارة “مشرف” بمنطقة رأس التين في يناير 2022.
إن أرواح المواطنين المعلقة بين جدران متصدعة وبيروقراطية إدارية تؤكد أن وضع حد لهذه الكارثة يتطلب اليوم ــ أكثر من أي وقت مضى ــ تضافر جهود حكومية ومجتمعية وقانونية، والتحرك باستراتيجية قومية حاسمة تضمن سرعة تنفيذ قرارات الإزالة والترميم وتوفير بدائل سكنية عاجلة، لضمان حق المواطن السكندري في مسكن آمن وحياة كريمة تضع نهاية لهذا النزيف المستمر.
