
في عالمٍ لم يعد يُقرأ فيه النص بوصفه كلمات، بل بوصفه شفرات تحركها خوارزميات صامتة، يخرج الناقد مدحت صفوت عن النص التقليدي ليقتحم المختبر الرقمي. بعد فوزه بجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب، في مجال النقد الأدبي، يضعنا أمام مرآة قاسية؛ هل نحن من نكتب نصوصنا أم أن الكود هو من يملي علينا ذائقتنا وهويتنا؟
في حواره مع صوت البلد، يفتح صاحب “بلاغة الكود” النار على النقد المدرسي الجاف، معلنًا انحيازه لحق الشك وقلق التساؤل، ومحذرًا من أن نتحول إلى حراس لمقابر لغوية مهجورة في عصر السيولة الرقمية. يشرح كيف تسلل الذكاء الاصطناعي إلى روح اللغة العربية، وكيف أعاد الكود برمجة وعينا الفني والوجودي. حوار لا يقدم طمأنينة، بل يمنحك سلاحًا واحدًا للمواجهة، هو حقك في الشك وقدرتك على الخيال.
ما الذي يمثله لك فوز كتابك بجائزة معرض الكتاب؟
الجائزة في جوهرها هي لحظة اعتراف بجدوى القلق الذي أطرحه. أن يفوز كتاب يشتبك مع مفاهيم مثل “بلاغة الكود” و”عصر المخاطر”، فهذا يعني أن المؤسسة الثقافية بدأت تدرك ضرورة مغادرة المناطق الآمنة. القيمة الحقيقية تكمن في الصدى؛ أي قدرة الأطروحة على تجاوز رفوف المكتبات إلى وعي القارئ والمتخصص.
لمن تهدي هذا التتويج؟
أهدي هذه الجائزة إلى روح معلمي شاكر عبد الحميد، الذي علّمنا أن العين التي لا تترصد الجماليات الجديدة هي عين كفيفة، كما أهديها لكل مبدع يرفض أن تتحول كلماته إلى مجرد بيانات مستهلكة في يد الخوارزميات.
فصاحة الصمت
“بلاغة الكود” عتبة تجمع بين عالمين متباعدين؛ كيف يمكن للكود البرمجي الصارم أن يمتلك بلاغة تضاهي النصوص الأدبية؟
العلاقة تتجاوز الاستعارة لتصل إلى واقع “هانتولوجي” (طيفي) نعيشه الآن. البلاغة التقليدية كانت تبحث عن التزيين والإقناع اللغوي، أما بلاغة الكود فهي بلاغة الإحكام والسيطرة. الكود يمتلك فصاحة الصمت؛ فهو ينظم العالم، ويوزع الأدوار، ويحدد مسارات الرغبة دون أن ينطق بكلمة. حين تصيغ الخوارزمية ذائقتك، فهي تمارس أقصى درجات البلاغة؛ لأنها تقنعك بأن اختيارها هو اختيارك الشخصي. الكود هو البلاغة المهيمنة التي لا تكتفي بوصف العالم، بل تعيد برمجته.

غلاف الكتاب
من نقد الخطاب الثقافي إلى الفلسفة الرقمية؛ ما الذي دفعك لخوض هذا الغمار؟
دفعني الشعور بالخطر. النقد التقليدي صار أشبه بحارس لمقبرة مهجورة، يحلل نصوصًا كُتبت بعقلية القرن العشرين بينما انتقل العالم إلى السيولة الرقمية. لا يمكننا قراءة الفن اليوم بمعزل عن الفلسفة الرقمية وسوسيولوجيا المخاطر. أؤمن بأن النقد الذي لا يشتبك مع الروبوت والذكاء الاصطناعي هو نقد عاجز بنيويًا. نحن بحاجة إلى أدوات تفكيكية تقرأ الكود الكامن خلف النص، لا النص ذاته.
حق الشك
ما الرسالة التي تود أن يخرج بها القارئ من كتابك؟
أود أن يستعيد القارئ حق الشك. الكتاب لا يقدم طمأنينة؛ لأن العالم اعتاد توزيع الخطر مجانًا، لذا أسعى لتقديم وعي بالمخاطرة. فالرسالة هي أن الفن درع وجودي. أريد للقارئ أن يمتلك وعيًا تفكيكيًا يبصر السلطة الكامنة في تطبيقه المفضل، أو في الرواية التي تتصدر غلافها “اللايكات”. أقول له: كن مؤمنًا بقدرة الخيال وحده على كسر شفرة التدجين.
كيف يعيد الكود صياغة وعينا باللغة والهوية العربية اليوم؟
يمارس الكود نوعًا من “العنف الرمزي” عبر الاختزال؛ فاللغة العربية بجموحها وبلاغتها يتم تقليم أظافرها لتناسب منطق البيانات. الهوية العربية اليوم لم تعد تُعرف عبر التاريخ أو الجغرافيا، بل من خلال “البروفايل الرقمي” وسلطة “التريند”. الكود يحول “الأنا” إلى رقم، والهوية إلى خوارزمية تنبؤية. نحن نعيش صراعًا بين لغة الروح والقلق، ولغة الكود الصارم، وهذا الصراع هو ما سيحدد ملامح هويتنا في العقود المقبلة.
هل اللغة العربية قادرة على التكيف داخل قوالب الأكواد الجافة؟
اللغة العربية كائن طيفي بامتياز، وقوتها تكمن في اللانهائي الذي تمنحه. الصمود لا يعني التحجر، بل القدرة على تشفير التجربة الإنسانية الجديدة داخل الكود. التكيف الحقيقي هو خلق بلاغة قلق عربية تربك جفاف الرقمية. اللغة التي استوعبت الفلسفة والعلوم قادرة على استيعاب الرقمية، بشرط أن نظل نمارس اللعب الجاد باللغة، ونرفض تحويلها إلى وسيلة تخاطب باردة بين آلات.
مفكك شفرات
إلى أي مدى تجيب الفلسفة الرقمية عن تساؤلات “موت المؤلف” أو “موت الناقد”؟
تضعنا الفلسفة الرقمية أمام موت ثانٍ للمؤلف؛ فالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي أذاب الأنا تمامًا لصالح المؤلف الجمعي الخوارزمي. أما الناقد، فقد فَقَدَ عرشه الأكاديمي لصالح المؤثرين. واستعادة سلطة الناقد القديم لن تجدي نفعًا، والسبيل الوحيد هو تحويل الناقد إلى مفكك شفرات يطارد أشباح المؤلف وسط ركام البيانات المكررة.
قطيعة معرفية
يرى البعض أن النقد العربي يعيش حالة من الاجترار؛ كيف يكسر كتابك هذه الدائرة؟
يكسرها بالقطيعة المعرفية مع الدراسات المدرسية الجافة. بلاغة الكود يفتح النقد على مجتمعات المخاطر والعلوم السيبرانية، والحداثة الانعكاسية. نخرج من دائرة الاجترار حين نتوقف عن معاملة النص كوثيقة لغوية، ونعامله ككود ثقافي معقد. والحل يكمن في النص النقدي الإبداعي الذي يجرؤ على أن يكون مؤلفًا موازيًا، يبتكر مصطلحاته، ويخاطب المستقبل بدلًا من البكاء على أطلال المناهج القديمة.
بعد هذا الكتاب، ما المساحات التي تنوي استكشافها؟
لا أملك رفاهية التخطيط لمستقبل بعيد؛ فأنا مسكون باللحظة الراهنة. بناء أي تصور للمستقبل يبدأ من قدرتنا على تفكيك ما يحدث الآن. وفهمنا للماضي سيظل مبتورًا ما لم ننجح أولًا في صياغة سؤال الحاضر بشكل صحيح.
اقرأ أيضًا:
عاطف يمني: استعدنا كنزًا مفقودًا من التاريخ
عبد الحليم: لهذا هربت العائلة المقدسة لمصر تحديدًا
عمرو العادلي: لا أؤمن بالوحي والقوى الكبرى تحتضر
رنا هاني: “دائرة الأمان” درع لحماية الطفل
سعيد شحاتة: “فريدة” جدارية وجع.. أشفق على مقتنيها
