البلد خانةسليدر

الإسكندرية تسترد أرصفة شارع القاهرة

شارع “القاهرة” يستعيد مظهره الحضاري

كانت عقارب الساعة تشير إلى ساعات النهار الأولى حين بدأت الحركة تدب غير عادية في محيط حي المنتزه أول. لم يكن الصباح يشبه سابقيه في “شارع القاهرة” ومتفرعاته الجانبية بمنطقة سيدي بشر قبلي؛ فالشارع الذي طالما ضج بصخب الباعة الجائلين، وتزاحم الكتل الخرسانية التي اقتطعت من حرم الطريق عنوة، كان على موعد مع فجر جديد يعيد إليه ملامحه الغائبة.

خلف هذا التحرك، رؤية واضحة وضعتها محافظة الإسكندرية كخطوة حاسمة للقضاء على مظاهر العشوائية. على مدار سنوات، تحولت بعض المسارات الحيوية في سيدي بشر إلى ساحات مفتوحة للتعديات، حيث باتت أرصفة المشاة ممتلكات خاصة لبعض المنشآت، وحواجز حديدية تحرم المارة من السير بسلام. هذا الوضع أثار موجة من شكاوى المواطنين الذين ضاقوا ذرعاً بالاختناق المروري اليومي وصعوبة التنقل. ولم تكن الاستجابة هذه المرة مجرد وعود شفهية، وإنما تحولت إلى خطة ميدانية مكثفة قادتها الأجهزة التنفيذية بالحي بالتنسيق الكامل مع رجال شرطة المرافق بالإسكندرية، لتبدأ الملحمة اليومية لاسترداد هيبة القانون في الشارع.

حصار العشوائية

مع شارة البدء، تحركت المعدات والسيارات التابعة لحي المنتزه أول، يرافقها مسؤولو المتابعة الميدانية وإشغال الطريق. المشهد كان أشبه بإعادة ترتيب لوحة فنية تشوهت تفاصيلها؛ فالبلدورات الخرسانية التي زرعها البعض لحجز أماكن للسيارات تساقطت واحدة تلو الأخرى تحت ضربات المعدات، ليرتفع عن كاهل الطريق نحو 20 بلدورة خرسانية كانت تعوق حركة السير. الحواجز الحديدية والكتل الأسمنتية التي كانت تقسم الشارع وتلتهم حرمه العام رُفعت بالكامل، مما أتاح مساحات بصرية وحركية لم يشهدها قاصدو منطقة سيدي بشر قبلي منذ أمد بعيد.

وعلى أرصفة الشارع المستردة، تُرجمت ملامح الارتياح فوراً على وجوه المارة من كبار السن والأمهات اللاتي طالما عانين من دفع عربات أطفالهن وسط نهر الشارع المزدحم بالسيارات خوفاً من عوائق الرصيف؛ إذ عبر العديد من سكان سيدي بشر عن امتنانهم لإنهاء هذا الكابوس اليومي، معتبرين أن عودة الرصيف لملكيته العامة كمتنفس آمن للمشاة هو انتصار حقيقي لمنطق الدولة والتنظيم على حساب الفوضى التي فرضتها يد العشوائية لسنوات طوال.

ولم تتوقف جهود الحملة عند إزالة العوائق الفيزيائية فقط، حيث امتدت يد الضبطية لتطال قلب المخالفات التجارية. وقد أسفرت المتابعة الدقيقة والدخول في عمق الشوارع الجانبية عن التحفظ على نحو 250 حالة إشغال متنوعة كانت تفترش حرم الطريق العام وتتسبب في شلل مروري تام. الباعة وأصحاب المحلات الذين اعتقدوا أن الرصيف جزء من مساحات العرض الخاصة بهم، واجهوا حزماً قانونياً صارماً لم يترك مجالاً للمحسوبية أو التهاون، إذ كان الهدف الأسمى للحملة هو إعلاء المصلحة العامة للمواطنين السكندريين.

ردع المخالفين

الضربة الموجعة للفوضى تجسدت في قرارات الغلق الفوري والتشميع، والتي طالت 12 محلاً تجارياً مخالفاً. هذه المنشآت لم تكتفِ بإشغال أرصفة المشاة وحرمان المارة من مسارهم الآمن، بل تبين أن بعضها يمارس أنشطة تجارية كاملة دون الحصول على التراخيص القانونية اللازمة من الجهات المختصة. التشميع بالشمع الأحمر كان الرسالة الأقوى لكل من يحاول تجاوز القانون، ولم يقتصر الأمر على الغلق؛ حيث تم اتخاذ كافة الإجراءات القانونية وتحرير محاضر إتلافات للأرصفة وطبقة الأسفلت بالطريق العام نتيجة التعدي عليها، لإلزام المخالفين برد الشيء لأصله وتحمل تكلفة التخريب.

الجرافات والمعدات أثناء العمل

وتأتي هذه التحريرات والمحاضر الصارمة لترسيخ مبدأ “المُفسد يُصلح ما أفسده”، حيث أصبحت الأجهزة التنفيذية بالمحليات تُحمل المخالفين التبعات المالية الكاملة جراء تدمير البنية التحتية والمظهر الحضاري للمدينة، وهو توجه يهدف إلى خلق ردع حقيقي يمنع تكرار هذه التجاوزات مستقبلاً ويحافظ على موارد الدولة التي تُنفق على رصف وتطوير الشوارع.

في نهاية اليوم، بدا شارع القاهرة ومتفرعاته بوجه مختلف؛ مساحات واسعة للمشاة، انسيابية مرورية ملحوظة للسيارات، وارتياح واضح على وجوه السكان الذين استعادوا رصيفهم المفقود. إن ما شهدته منطقة سيدي بشر هو جزء من استراتيجية مستدامة تؤكد عليها محافظة الإسكندرية بصفة مستمرة. فالإدارة المحلية تعتزم فرض الانضباط بالشارع بشكل دائم عبر حملات ميدانية مكثفة ومفاجئة بمختلف الأحياء، لضمان عدم عودة العشوائية مجدداً، وللحفاظ على حق كل مواطن في استخدام الطريق العام بصورة آمنة، منظمة، وتليق بالعاصمة الثانية لمصر.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=27100

موضوعات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي في ترميم الآثار المصرية ثورة جديدة

هدير عادل

زاب ثروت وحودة بندق في «يوم بـ يومه»

أحمد عاشور

شرق الإسكندرية يواجه تحديات مرورية

أيمن مصطفى

هشام ماجد يثير الجدل بـ «برشامة»

فرصة أخيرة… صراع العدالة والدم في رمضان 2026

حسن عبدالعال

رحلة آمنة مع ابنك.. دليل نيلسون للأمومة الحقيقية

المحرر