ثقافة وأدبسليدر

انتخابات كتاب مصر.. مواجهة حاسمة بين حرس قديم وجديد


حالة ترقّب تسود الساحة الإبداعية المصرية مع اقتراب انتخابات مجلس الإدارة الجديد لاتحاد كُتّاب مصر، حيث سيجري اختيار 30 عضوًا من بين 85 مرشحًا. تأتي أهمية الانتخابات كونها تتعلق لا بمجرد نقابة مهنية، بل قلعة تلخص قيم الهوية والإبداع المصري، والتي تئن أيضا من أزمات متراكمة تعوق فاعليتها على الأرض.

تأسس اتحاد كتاب مصر في عهد الرئيس السادات أواسط السبعينيات، وقد وضع حجر الأساس الأديب يوسف السباعي وزير الثقافة آنذاك، وضم إليه نجوم الإبداع ليصبح أول نقابة مهنية للكتّاب، كانت الآمال عريضة لكن شيئا فشيئا بدأ الوهن يسري في الجسد، وعانى الاتحاد انقسامات داخلية وضعفا في الميزانية، ولم يعد بالإمكان مقارنته بروابط كتاب أوروبا التي تمثل ورقة ضغط لصالح مجتمعاتها وقضاياه وإبداع كتّابه ونشره حول العالم.

 

هذا العام يرفع ائتلاف “مشروع ورؤية” والذي يضم النسبة الأغلب من الكتّاب وبينهم رئيس الاتحاد الحالي ذاته د.علاء عبد الهادي، سجلا من التعهدات والتي تحول الاتحاد لبيت خبرة عبر استكمال مسيرة “الإنجازات” التي تحققت جزئيا، ومنها: شراء أرض لتدشين مقر للاتحاد بدلا من مقره التاريخي المستأجر في الزمالك، والتعهد بتطوير منظومة الحماية الصحية بسقف يتجاوز 100 ألف جنيه، رفع المعاشات وتفعيل جمعية الإسكان، استكمال قانون اتحاد الكتاب، مع مواصلة التفاوض مع وزارة الثقافة للحصول على نسبة 5% من عقود النشر.

وتشمل قائمة التعهدات: تدشين قناة تليفزيونية، التحول الرقمي للنقابة، وتسويق الأرشيف البصري داخليا وخارجيا بعد إنجاز أكثر من 200 فيلم عن المبدعين، إضافة لاعتزام إطلاق أكاديمية الأدب العربي ومتحف الأدباء، وأخيرا إنعاش الجوائز الدولية والتبادل الثقافي مع أندية القلم حول العالم.

تيار الإصلاح

الوعود السابقة لا يراها فريق آخر من الكتاب قابلة للتحقق في ظل الوضع الراهن، ولهذا انطلق تيار “الإصلاح والتغيير” وهؤلاء الذين يصفهم الشاعر أحمد سويلم بمن يستعيد الاتحاد بيتا لجميع المبدعين، بعيدا عن الفردية في اتخاذ القرار، وبعيدًا عن سيف التحقيقات والفصل المسلطين ضد كل مبدع ينتقد السياسات داخل قلعة الكتّاب.

يعيدنا شعار التغيير الذي يرفعه مرشحو هذه الدورة لمحاولة قادها الكاتب المسرحي الراحل سعد الدين وهبة وبمعاونة عدد من الكتاب بينهم السيناريست وحيد حامد واحدة من أشهر حملات التغيير للاتحاد في التسعينيات، ضد جبهة الكاتب ثروت أباظة، ثم محاولة أخرى عدد من الكتاب البارزين مطلع الألفية ومنهم بهاء طاهر وابراهيم عبد المجيد وجمال الغيطاني؛ وقد استقالوا من مجلس الإدارة تباعا لتردي الأوضاع..

صورة متداولة عبر التواصل الاجتماعي لجبهة الإصلاح

يشخّص د.عمرو منير، أستاذ الحضارة، والمرشح لعضوية مجلس اتحاد الكتاب، طبيعة الداء الذي يعاني منه هذا الكيان بقوله: لقد ورثنا شكلًا مؤسسيًا كان مناسبًا لزمنه، لكنه لم يعد قادرًا على استيعاب ما نحن فيه. كأننا نرتدي حلة ضيقة على جسد كبر واتسع.
ويؤكد “منير” أن اتحاد كتاب مصر ينبغي أن يكون بيتًا لكل الأجيال. وأول مشكلات الاتحاد هي الكثرة التي تشوب مجلس إدارته (انتخاب 30 عضوا) والتي تُنتج تشتتًا وتتراجع معها القدرة على إنجاز مشروع حقيقي. هناك أيضا فجوة هائلة بين اتحاد الكتاب والجيل الجديد؛ حتى أصبح وجوده بالنسبة لكثيرين أمرًا هامشيًا، وهذا يجعلنا نتساءل: لماذا لا يفتح الاتحاد أبوابه لمبادرات مثل “أصدقاء اتحاد الكتاب”، ويوفر للشباب مسارات للنشر الرقمي والورقي، فيتحول من كيان نخبوي إلى حاضنة فعلية للإبداع. ولماذا لا ينزل لمراكز صناعة الوعي الأولى وهي المدرسة والجامعة ويجري لقاءات بينهم وبين كبار الكتاب؟.

إن اتحاد كتاب مصر يمتلك قوة ناعمة هائلة لم تُستثمر وهو بحسب المؤرخ المصري لا يزال بعيدا عن الحضور الإعلامي المؤثر في صوغ قناعات الرأي العام، والمواكب لتحديات العصر. وهو أيضا ككيان نقابي لا يضمن كرامة الكاتب ماديًا ومهنيًا، ويفتقد آليات الحوكمة بحيث تصبح عملية اتخاذ القرار أكثر شفافية وفاعلية.

سند أهل الإبداع

يصف الروائي د.حاتم رضوان اتحاد الكتّاب بسند المبدعين لمواجهة ضغوط الحياة، خاصة وأن الكتابة في مصر لا يعوّل عليها كمصدر للدخل. من جهة أخرى يمتلك الكاتب خبرة بحكم عمله الطبي، لتطوير مشروع علاج خاص بنقابة اتحاد الكتاب بالتعاقد المباشر مع المستشفيات وبما يوفر أموال الاتحاد المهدرة لدى شركات تأمين خاصة.
ويرى “رضوان” أن المجتمع بحاجة لدور الاتحاد في ترسيخ الهوية لمواجهة الفكر المتطرف، وإحياء التراث والإبداع من خلال ندوات ذات أثر داخل مقاره بالقاهرة والمحافظات. كما لا يزال الاتحاد بحاجة لضوابط صارمة ترتبط بجودة إبداعات الشباب المنشورة، بمعايير فنية وبتكافؤ الفرص بعيدا عن المحاباة.

وفي جانب الإبداع، يرى “رضوان” أن دعم الأعمال المنشورة والحصول على حقوق المبدعين، يستلزم تفعيل عقد موحد ملزم لجميع دور النشر يراعي حقوق الطرفين وتحدد فيه نسب الجوائز ونسب التوزيع مع تفعيل الباركود للكتب، وتنفيذ الحماية القانونية حال انتهاك الملكية الفكرية.

إسكات المعارضة
تعتبر الكاتبة نفيسة عبد الفتاح أن تطوير الاتحاد يبدأ بحقوق أعضائه والوفاء بها بشكل عادل عبر تنسيق مع وزارة الثقافة والدولة بمؤسساتها، وبما يشمل النشر والإعلام والجوائز، وصولا للرعاية الصحية التي يندر أن تصل لما تم الترويج له برفع سقف العلاج لـ80 ألفا، وإضافة لقائمة أعضائه المحرومين من المعاش اللائق، وكتّاب في انتظار تنفيذ أحكام بأحقهم في العضوية التي حرموا منها بشكل متعنت.

وتكشف الأديبة المرشحة لعضوية مجلس الإدارة هذا العام عن حملات شرسة ممنهجة للنيل من كل من يتصدى لأخطاء رئيس الاتحاد، وقد وقعت هي نفسها ضحية إحداها، بينما لا تزال هناك دعوة أقامتها الكاتبة هالة فهمي تنظر في ساحة القضاء. يأتي ذلك مع شيوع حالة الاستقطاب الحادة التي تعرقل أي عمل إيجابي.
وبخصوص ميزانية الاتحاد، تتساءل “عبد الفتاح” كيف لاتحاد كتاب أن يترك مبدعين من كبار السن يستجدون العلاج، ويترك واجباته الاجتماعية والصحية تجاه الكتاب، بل ويعجز عن إنجاز مشروع نشر أو ترجمة أو مكتبة أو متحف، ومع ذلك يسارع بتدشين جوائز عربية ضخمة ترهق ميزانيته الهزيلة؟!

حقوق مشروعة
تتجه رؤية الروائي د.إيهاب بديوي لإصلاح الاتحاد عبر حلول عملية وعادلة تشمل القاهرة والمحافظات؛ بحيث تقام فعاليات كبرى بشكل دوري خارج العاصمة المحتكرة للنشاط دوما، ويتم توفير فرص لكتابة مدفوعة الأجر بالتعاون مع مؤسسات ثقافية بشفافية كاملة، مع توفير تقارير مالية وإدارية ربع سنوية للإنفاق المالي والجوائز واكتشاف المواهب .

ويؤكد “بديوي” أهمية استعادة قيمة كارنيه كتاب مصر بمظلة خدمات ملموسة للعضو وتخفيضات في منظومة العلاج والصحة، ومنظومة الترفيه أيضا كالرحلات واشتراكات الأندية، مع أهمية تفعيل شعار “الكاتب أولا” عبر المسارعة في تدشين موقع الكتروني يليق بكتاب مصر واستحداث صفحة تليق بكل كاتب ينتمي للاتحاد.

وبدوره يدعو الناقد السينمائي الأمير أباظة، لتعزيز موارد الاتحاد باعتبارها ركيزة تحقيق خدمة اجتماعية وصحية وثقافية تليق بالكتاب، وتتضمن مشروع علاجي بالتعاون مع الخدمات الطبية بوزارة الدفاع، وزيادة معاش الكتاب، وإعداد مشروع نشر متكامل، وإعادة الاتحاد إلى المشاركة الفاعلة فيما يتعلق بقضايا الوطن، وعودة المثقف لطليعة فئات الشعب حاملا لشعلة التنوير.

أخيرا يطالب “أباظة” بالتوقف أمام قضية الحريات باعتبارها جوهر أصيل في كيان يعبر عن كتّاب مصر ويربأ بنفسه عن مقاضاة كاتب لأنه انتقد الأداء أو عبر عن رأيه بشكل حضاري.

اقرأ أيضا: الوزير والمهرجان.. والثقافة التائهة عن شوارع مصر

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=16298

موضوعات ذات صلة

البابا تواضروس: الموبايل انهى على عصر الإنسانية

حازم رفعت

تحت رماد الطبول .. إيران ليست فريسة سهلة

ضاحى محمود

2025 : حضور عالمي للأزهر ورؤية متجددة

محمود على

رنا هاني: “دائرة الأمان” درع لحماية الطفل

سارة الدسوقى

رمضان.. مَرافئُ السكينة وتجليات العبور الروحي

أيمن مصطفى

حسان النعماني: جامعة سوهاج تولي الرياضة اهتمامًا خاصًا

محمد عطا