ثقافة وأدبسليدر

مقاربات حديثة في تعليم التربية الدينية الإسلامية

ينطلق د. بليغ حمدي إسماعيل في كتابه ” توجهات معرفية معاصرة في تعليم التربية الدينية الإسلامية” من فكرة أساسية مؤداها أن العالم المعاصر يشهد اتساعًا كبيرًا في المعرفة الإنسانية، وتسارعًا لافتًا في التقدم العلمي والتقني، فضلًا عن حالة انفتاح غير مسبوقة بين المجتمعات والثقافات، وما يصاحب ذلك من تأثيرات مباشرة للعولمة، وتعدد في المرجعيات والاتجاهات الفكرية. غير أن هذا التطور المادي المتلاحق لم يواكبه دائمًا نمو مماثل في الجوانب الروحية والقيمية، وهو ما أفضى إلى أزمات متعددة، منها التطرف، والإدمان، والانفلات الأخلاقي، وتراجع الحس الإنساني، واتساع صور العنف والاضطراب في الحياة الفردية والاجتماعية.

ومن هنا يطرح المؤلَّف – في كتابه الصادر مؤخرا عن ( وكالة الصحافة العربية -ناشرون) – التربية الإسلامية بوصفها أحد المجالات القادرة على الإسهام في استعادة التوازن داخل شخصية الإنسان، من خلال الجمع بين بناء العقل، وتهذيب الوجدان، وترسيخ القيم، وصياغة السلوك في ضوء المبادئ الإسلامية الصحيحة. فهو لا ينظر إلى التربية الدينية باعتبارها مادة دراسية محدودة الأثر، بل يقدّمها باعتبارها عملية تربوية شاملة تمتد آثارها إلى الفرد والمجتمع معًا، وتسهم في حماية الإنسان من الانحراف، وفي صيانة المجتمع من التفكك والاضطراب.

ويؤكد المؤلف أن أهمية التربية الإسلامية لا تقف عند حدود التوجيه الأخلاقي أو الوعظ المجرد، بل تتجاوز ذلك إلى إعداد الإنسان إعدادًا متكاملًا، يربط بين الإيمان والعمل، وبين الأخلاق والإنتاج، وبين الانتماء الروحي والدور الحضاري. ومن هذا المنطلق، تظهر التربية الإسلامية بوصفها عنصرًا مهمًا في بناء شخصية سوية، قادرة على فهم ذاتها، والتفاعل مع مجتمعها، والانفتاح على العالم من غير فقدان الهوية أو التفريط في الثوابت.

أنماط فكرية

كما يلفت إلى أن المجتمعات العربية والإسلامية أصبحت في حاجة ملحّة إلى نوع من التوازن بين التقدم المادي من جهة، والرقي الروحي والقيمي من جهة أخرى، بحيث لا يتحول الانفتاح على العصر إلى ذوبان في أنماط فكرية أو سلوكية غريبة عن البنية الثقافية والحضارية لهذه المجتمعات. وفي هذا السياق، يقدّم المؤلف التربية الإسلامية باعتبارها مجالًا قادرًا على الإسهام في تحقيق هذا التوازن، عبر تكوين إنسان واعٍ بدينه، ومدرك لعصره، ومتمسك بقيمه، من دون انغلاق أو جمود.

ويتناول أيضًا الأبعاد النفسية والاجتماعية للتربية الإسلامية، مبينًا أنها تسهم في إشباع حاجات الإنسان النفسية والوجدانية، وتمنحه شعورًا بالطمأنينة والانتماء والأمن الداخلي، كما تساعده على مواجهة الأزمات والضغوط والمتغيرات التي يفرضها الواقع الحديث. فالتربية الدينية، في هذا التصور، ليست مجرد تلقين لمعلومات أو أحكام، وإنما هي بناء متكامل يربط الإنسان بمعنى وجوده، ويمنحه الإحساس بقيمته ودوره ومسؤوليته داخل المجتمع.

ومن أبرز المحاور التي يركز عليها المؤلف قضية تجديد الخطاب الديني والتربوي، بوصفها واحدة من القضايا الأكثر إلحاحًا في المرحلة الراهنة. ويوضح أن التجديد المقصود لا يعني المساس بجوهر الدين أو أصوله وثوابته، بل يعني مراجعة طرائق الفهم والعرض والتوصيل، وتطوير اللغة والأساليب والأدوات، بما يجعل الخطاب أكثر قدرة على مخاطبة الإنسان المعاصر، والاستجابة لأسئلته، والتفاعل مع قضاياه الفعلية. فالمشكلة، كما يراها، لا تكمن في النص الديني الثابت، وإنما في بعض أشكال الفهم البشري له، أو في الخطابات التي تجمدت عند صيغ قديمة لم تعد قادرة على التأثير أو الإقناع.

وفي هذا الإطار، يفرّق بوضوح بين الدين بوصفه وحيًا ثابتًا، وبين الفكر والخطاب الدينيين بوصفهما نتاجًا بشريًا قابلًا للاجتهاد والمراجعة والتطوير. ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى خطاب ديني جديد، لا يكتفي بردود الأفعال، ولا ينشغل بالدفاع السلبي، بل ينطلق من فهم عميق للنصوص، ووعي حقيقي بالواقع، وقدرة على استيعاب المتغيرات الاجتماعية والثقافية والفكرية التي تحيط بالإنسان المعاصر.

تجديد الخطاب التربوي

ويرصد المؤلف عددًا من الأسباب التي تجعل تجديد الخطاب التربوي الديني ضرورة لا يمكن تأجيلها، من بينها الفهم الخاطئ لبعض النصوص، وتصدر غير المؤهلين للفتوى والوعظ، وظهور أنماط متشددة من الخطاب تقوم على الإقصاء والتكفير، فضلًا عن عدم ملاءمة لغة بعض الخطابات للفئات التي تخاطبها، ولا سيما فئة الشباب، الذين يعيشون في عالم مفتوح تحاصره الوسائط الرقمية والثقافات المتعددة والمؤثرات الإعلامية المتلاحقة.

كما يشير إلى عدد من الجهود المؤسسية التي سعت إلى دعم هذا الاتجاه، سواء عبر الوثائق الفكرية الصادرة عن الأزهر الشريف، أو من خلال المبادرات الرسمية التي دعت إلى تجديد الثقافة الإسلامية وتنقيتها من شوائب التعصب والانغلاق. ويعرض هذه الجهود بوصفها مؤشرات على تنامي الوعي بأهمية بناء خطاب ديني أكثر وعيًا بالعصر، وأكثر اتصالًا بحاجات المجتمع، وأكثر قدرة على حماية الأجيال الجديدة من التشدد والانحراف وسوء الفهم.

ويقع هذا المؤلَّف في 394 صفحة من القطع المتوسط، ويقدّم معالجة فكرية وتربوية تسعى إلى تأكيد أن إصلاح التعليم الديني لا ينفصل عن إصلاح المجتمع كله، وأن بناء الإنسان المتوازن، الواعي بهويته، والمنفتح على عصره، يحتاج إلى رؤية تربوية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين ثبات المبادئ ومرونة الوسائل. ومن هذه الزاوية، تبرز أهمية هذا الإصدار بوصفه محاولة علمية جادة لفتح نقاش أوسع حول مستقبل تعليم التربية الدينية الإسلامية، ودوره في بناء الفرد، وصيانة المجتمع، وإعداد أجيال أكثر فهمًا لدينها، وأكثر قدرة على التفاعل مع عالمها.

أحمد مروان

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15684

موضوعات ذات صلة

يورشيتش يفتح الباب أمام مواهب بيراميدز

محمد عطا

زيادة جديدة في أسعار السجائر

المحرر

قصة لقاح أسترازينيكا.. حقيقة الأثار الجانبية وتقديم تعويضات

المحرر

الزراعة: الذكاء الاصطناعي كلمة السر لزيادة الإنتاجية

المحرر

التعليم الفني.. المستقبل يبدأ من هنا

المحرر

تحت القبة.. عهد جديد

أيمن مصطفى