ثقافة وأدبسليدر

“ماذا تفعل لو كنت مكاني؟”.. حكاية تجّار الموت

في عالم تجارة الموت حيث تُشترى الضمائر بأكياس مسحوق أبيض وشحنات عابرة للحدود. عالم لا يعترف بالرحمة، ولا القانون، ولا ينظر للإنسان إلا كجثة مؤجلة، يجوب بنا اللواء وليد السيسي في كتابه الهام “ماذا تفعل لو كنت مكاني” حكايات من أشهر القضايا التي واجهته في عمله بمجال مكافحة المخدرات بدءًا من أباطرة المافيا لأصغر موزّع في الحارات والنجوع.
الكتاب محاولة لتوعية المجتمع بمكامن الخطر التي يظنون أنها بعيدة عن أبنائهم حتى يقع الفأس في الرأس. وامتاز السرد بالطابع القصصي لحياة كل مجرم بل وجعل القاريء شريكا في البحث عن الجاني الحقيقي كما كنا نفعل مع برامج الجريمة في الراديو والتي نبحث فيها مع العدالة ونربط خيوط اعترافات الشهود.

بلا قناع
من دروس الكتاب ألا ننخدع بالمظاهر؛ فخلف قناع التقوى تخفى “محسن بسيوني” زير النساء والذي يمارس الرزيلة حتى مع ابنة عمه التي أراد خطبتها، وللأسف يكون مصيره القتل على يد أخيها الذي تتورط قدمه في دائرة الدم انتقاما للشرف وبعيدا عن يد العدالة والقانون.
مع قصة أخرى لأحد البهوات المزعومين نرى كيف يرتدي بطل الجريمة قناع أصحاب النفوذ والسلطة ليوقع بضحاياه. وكيف أن المخدرات تجارة وتعاطيا عادة تجتمع مع البغاء وكأنها دوائر شيطانية متحاضنة، فنرى رجل يتعزز بسلطته القديمة ويدير شقة بغاء وتعاط ويورط فيها فتيات جامعيات.

عالم المخبرين
يخترق الكتاب الصادر عن دار “ديير” عالم المخبرين السريين وهم أداة دوما في يد ضابط العدالة اليقظ. تتنوع فئات المخبر الأمني بين الشرفاء وأصحاب السوابق التائبين والذين يصير الفرد منهم مرشدا للعدالة عن الدائرة المتورطة في الشغب والبلطجة والإتجار في المخدرات، لكن أحيانا يعود المرشد ذو السوابق لماضيه الإجرامي كما حدث مع “رضا” بلطجي منطقته والذي رأى الضابط خلال خدمته بالصعيد كيف كان يكبل ابنته ويعذبها لتتزوج قسرا، وندرك كيف يرتبط التعاطي دائما بسلسلة لا تتوقف من الجرائم.

قراءة الوجوه
من الأمور اللافتة في الكتاب قدرة رجل الأمن على قراءة وجوه الشهود وانفعالاتهم كالارتباك والتعرّق واللعثمة، والتي تؤكد الشكوك داخله. من جهة اخرى هناك أمارات للمدمن والتي يجب اليقظة من اجتماعها في شخص ومنها مظهره المهمل وملامحه المتوترة المجهدة وعينيه الذين يحيطهما السواد وأنفه السائل وانفعاله الزائد وحركته غير المتزنة وطريقة حديثه.
عن طريق قراءة الوجوه تمكن المؤلف من معرفة كيدية بلاغ الأب الحاج شندي جلاب المخدرات القديم والذي أبلغ عن ابنه واتضح انه يبتزه ليصبح في طوعه للأبد، وهي صفة تتكرر في أسر يقودها المدمنون وتجار السموم حيث لا يحق لفرد أن يشذ عن القطيع الخارج عن القانون.

عزبة الخوف
في الكتاب يتمثل أمامنا الخوف المقيت من الفتوة المجرم، كما في قضية عزبة الخنازير التي تديرها عائلة الويشي وهم من البلطجية وتجار المخدرات والذين يمكنهم التنكيل بأي بريء يعترض جرائمهم. هذه النفسية المرتعشة لسكان العزبة وأي مكان هي التي تسوّل للمجرم أن يهيمن طويلا.
يقول الكاتب: لا أنسى مظهر الفرحة في قلوب الفلاحين وهم يزفوننا على الطريق ونحن نجر هؤلاء المجرمين جرا مكبلين بالأغلال.. لقد أعدنا لهم الحياة بأمر الله بعد أن عاشوا منغمسين في الرعب.

الأزمة الاكبر أنه بمرور الوقت قد يفرض البلطجي نفسه وكأنه حام للمنطقة عبر تقديم بعض الخدمات للناس أو إقراضهم وإطعامهم وإعادة مسروقاتهم، فترى أحدهم وقد عاش حياته يتمرغ في حرام المخدرات والسلاح لكن البسطاء يسمونه “الحاج” وقد يثورون على الشرطة لأنها تنتزعه من بينهم كما فعلوا مع “رضا”.
ويدفع الإدمان غالبا لانتهاك أقرب المقربين. سنرى نموذجا خسيسا لمدمن في شخصية “قطشة” حين اعتدى على ابنة مدير مدرسة الذي أصبحت عينه مكسورة، فما كان من الأب المراق شرفه إلا الصمت والتستر على الجاني خوفا من بطشه. وهو ما يحدث كثيرا في دنيا المهمشين. لقد سقط “قطشة” والذي انتهك عرض الابنة الصغرى لذات الرجل فوقع في مصيدة العدالة، لكن كم قطشة مازال خارجها؟.

جبروت امرأة
قصة المعلمة “قطة” تكشف أن المرأة قد تكون أشد إجراما من أعتى الرجال في عالم المخدرات، وقد دأبت على توزيع الهيروين عبر شبكة كبيرة من الموزعين في المناطق الراقية والشعبية على حد سواء وبرغم كونها امرأة مبتورة الساق وقعيدة لكنها كانت معروفة بشراستها التي تصل لتعذيب وقتل من يعترف عليها.
تبدو شخصية عبير “الكافرة” نسخة ثانية من قطة، فهي لا ترحم حتى أبيها وتتركه يموت أمامها إذا لم يكمل سعر تذكرة المخدرات. نشأت كل منهن في بيت مدمن وعرفت الطريق سريعا لعالم الجريمة وهو ناقوس خطر للمجتمع؛ فلقد جرى اغتصاب عبير في طفولتها من شاب مدمن، “شعرت أنها خٌلقت لتهان كحشرة لا قيمة لها” ومن هنا حلت القسوة محل أي رحمة بقلبها.

إبراهيم الأبيض 
يتعرض الكتاب لقضية الثأر الذي يلتهم الأبرياء في الصعيد بلا هوادة والانتقام بقتل خيرة شباب وأطفال العائلة الأخرى لمجرد حرق قلب ذويهم عليهم. لكن الغريب أن القضية التي تعرض لها الكتاب كانت لرجل هان عليه طفله الرضيع على أن يسلم سلاحه للحكومة، وهو ما يستلزم التعامل بحكمة لحقن الدماء!

ويشير الكاتب لأخطر ما يواجه قضايا مكافحة المخدرات وهي القوانين التي لا تزال تكمم فاه العدالة وتغل يدها عن المجرمين بحجة “غياب الدليل”، كما حدث مع شخصية عبد الملك زرزور الذي جسد دوره الفنان محمود عبد العزيز في “إبراهيم الأبيض”، وهو نموذج للمجرم الذي استطاع أن يبسط محبته في القلوب ويخفي أدلة تورطه عن العدالة. يبدو المجرم شهما في عيون الجهلة فهو يسرق الأغنياء ليعف الفقراء كما لو كان هو “حكومة الظل”، وحين نتأمل شخصية المجرم “الليثي” في الكتاب سنتذكر حرافيش نجيب محفوظ الذين يصل سلاحهم لرقبة الجميع ولكن البؤساء يظنون أن البلطجي الذي تعرفه خير ممن لا تعرفه، ويشترونه كبيرا لهم حتى يطالهم جبروته!

رسالة أخيرة
الكتاب جعلنا نقترب من حياة رجال مكافحة المخدرات والذين يواجهون الموت في كل عملية يستهدفون بها حماية الشباب من السموم التي تدمر عقولهم وأرواحهم، وهم الذين يطالبهم الكاتب بأن يضعوا القانون والضمير ميزانا لأفعالهم بعيدا عن مغريات السلطة. سنقترب أيضا من التخطيط لمداهمة أوكار المخدرات وأخطر إشكالية وهي حماية المدنيين الأبرياء مهما تطلب الأمر.
أما المجتمع فيهمس الكاتب في أذنه بأن أمانه يبدأ من البيت لا خارجه، وأن أخطر ما يواجه الأوطان هو العقل حين يترك فريسة للتضليل.

اقرأ أيضًا: العقل الإجرامي في العصر الرقمي تحت مجهر النقد

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=18280

موضوعات ذات صلة

البريطانية آلي سميث تراقب الحرب وتكتب عن حال أمة

المحرر

نائب رئيس جامعة سوهاج: زراعة أكثر من 6 آلاف شجرة مثمرة

المحرر

عالية ممدوح في أحد طوابق الستينات

المحرر

رئيس الإنجيلية ينضم إلى احتفال مجمع نيقية مع البابا تواضروس

حازم رفعت

الغضب يجتاح الاتحاد

أيمن مصطفى

بين جدران الصمت.. معاناة الطلاب ذوي الإعاقة في المدارس

المحرر