ثقافة وأدبسليدر

العقل الإجرامي في العصر الرقمي تحت مجهر النقد

في كتابه “العقل الإجرامي في العصر الرقمي.. رؤية في علم النفس الجنائي” يقترب الدكتور جمال حسنين من منطقة شديدة الالتباس في العالم المعاصر: تلك المنطقة التي لم تعد فيها الجريمة حدثا معزولا يقع في الشارع أو في العتمة المادية وحدها، بل صارت فعلا ذهنيا وتقنيا واجتماعيا يتحرك عبر الشاشات، ويعيد تشكيل نفسه بأدوات جديدة، ووجوه أقل ظهورا، وآثار أبعد امتدادا. منذ العنوان، يعلن الكتاب انحيازه إلى سؤال مزدوج: كيف يفكر المجرم؟ وكيف يتبدل هذا التفكير حين تدخل الجريمة العصر الرقمي؟ وهذه البداية وحدها تمنح العمل جاذبيته، لأنه لا يكتفي بتتبع الجريمة بوصفها واقعة قانونية، بل يعاملها بوصفها بنية نفسية ومعرفية وسلوكية تتشكل داخل عالم سريع التحول.

أول ما يلفت النظر في هذا الكتاب- الصادر عن (وكالة الصحافة العربية – القاهرة ) أنه لا يكتب من داخل هاجس الإثارة، بل من داخل رغبة جادة في الفهم. المؤلف يدرك أن الجريمة الرقمية ليست مجرد نسخة حديثة من الجريمة التقليدية، وإنما هي انتقال في البيئة وفي الأدوات وفي صورة الفاعل نفسه. لهذا تأتي المقدمة محملة بإحساس واضح بأن العالم لم يعد يملك ترف التعامل مع الجريمة بمفاهيم قديمة، لأن الفضاء الرقمي لم يغير شكل الجريمة فقط، بل أعاد صياغة معناها، وجعلها أكثر تشابكا مع الاقتصاد والتقنية والهوية والاغتراب والسلطة. ومن هنا يبدو الكتاب، في جوهره، محاولة لتوسيع مجال علم النفس الجنائي كي يصبح قادرا على قراءة هذا التحول الجديد.

يتحرك الكتاب في بنية واضحة، تبدأ بتأصيل علم النفس الجنائي، من تعريفه وتاريخه ونماذجه التفسيرية وتداخله مع حقول أخرى، ثم تنتقل إلى شخصية الجاني والجذور النفسية للسلوك الإجرامي، قبل أن تذهب إلى التطبيقات المعاصرة في أنظمة العدالة والجرائم الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وما يثيره من أسئلة أخلاقية. هذه البنية تمنح القارئ إحساسا بأنه لا يقرأ فصولا متجاورة بقدر ما يقرأ سلما تصاعديا، يبدأ من المفهوم وينتهي إلى العالم الذي يتحرك فيه المفهوم اليوم. وهي ميزة أساسية في كتاب من هذا النوع، لأن الموضوع بطبيعته قد يغري بالتشعب والفوضى، غير أن المؤلف يحرص غالبا على إبقاء الخيط الفكري ممسوكا من أوله إلى آخره.

ومن أجمل ما في العمل أنه يعيد الاعتبار إلى التعقيد الإنساني. فهو لا يسقط في التفسير الاختزالي الذي يرد الجريمة إلى عامل واحد، فلا هي نتاج فقر فقط، ولا مرض فقط، ولا خلل بيولوجي فقط، ولا انحراف أخلاقي مجرد. بل يصر على أن السلوك الإجرامي ثمرة تفاعل بين عناصر بيولوجية ونفسية واجتماعية، وهو ما ينسجم مع النموذج التكاملي الذي يطرحه في الفصول الأولى. هذه الرؤية تمنح الكتاب عمقا حقيقيا، لأنها ترفض الأحكام السهلة، وتدفع القارئ إلى إدراك أن الجريمة ليست فعلا منفصلا عن سياقها، بل عقدة كثيفة من التكوين النفسي والظرف الاجتماعي والفرصة المتاحة والتبرير الداخلي.

الجاني والشخصية الإجرامية

وحين يصل المؤلف إلى الشخصية الإجرامية، ينجح في فتح الباب على واحد من أكثر محاور الكتاب حيوية. فهو يميز بين الجاني الذي تدفعه ظروف قاهرة أو خبرات قاسية أو بيئات مشوهة، وبين الشخصية الإجرامية التي تتسم بقدر من الثبات في الاندفاع ونقص التعاطف وتشوهات التفكير وتبرير الأذى. هذه التفرقة ليست نظرية فقط، بل لها أثر واضح في تصور العدالة نفسها: إذ لا يعود كل جان نسخة مطابقة لغيره، ولا تعود العقوبة الآلية جوابا كافيا على كل انحراف. هنا تبرز القيمة الفكرية للكتاب، لأنه لا يطلب من القارئ أن يتعاطف مع الجريمة، بل أن يفهم طبقاتها النفسية كي تصبح المواجهة أكثر دقة وإنسانية.

غير أن القسم الأكثر راهنية وإثارة في الكتاب هو ذاك الذي يتناول الجريمة الإلكترونية والعقل الإجرامي داخل البيئة الرقمية. هنا يخطو المؤلف خطوة مهمة إلى الأمام، لأنه لا يكتفي بتعريف الجرائم الإلكترونية أو تعداد صورها، بل يحاول قراءة الشروط النفسية والاجتماعية التي تجعل الفضاء الرقمي بيئة مواتية للانحراف. يتوقف عند الإحساس بالهوية المجهولة، واللاوجهية، والانتماء إلى جماعات مغلقة تمنح الفاعل دعما وتبريرا، وتخفف من شعوره بالذنب عبر ما يسميه الكتاب آليات “التحييد الأخلاقي”. كما يربط بين الدافع والفرصة التقنية وضعف الحماية، بما يجعل الجريمة في هذا السياق نتيجة لتفاعل الرغبة مع الإمكان. هذا التحليل من أقوى ما في الكتاب، لأنه يخرج الجريمة الرقمية من كونها حيلة تقنية إلى كونها بنية نفسية جماعية وفردية في آن واحد.

ولعل إحدى فضائل الكتاب الكبرى أنه لا ينظر إلى علم النفس الجنائي من موقع التأمل الأكاديمي فقط، بل من موقع الوظيفة العملية داخل أنظمة العدالة الحديثة. فهو يوضح أن هذا الحقل لم يعد مجرد ترف معرفي، بل صار جزءا من عمل المحاكم، ومن تقييم أهلية المتهمين، وفهم حالتهم النفسية، وتصميم برامج إعادة التأهيل، وتمييز من تصرف بوعي كامل ممن كان تحت ضغط اضطراب أو حالة عقلية مؤثرة. بهذا المعنى، الكتاب لا يدافع عن العلم بوصفه ذخيرة نظرية، بل بوصفه أداة قد تجعل العدالة أكثر إنصافا وأقل عمى. وهي نقطة تحسب للمؤلف، لأنه يدرك أن العدالة التي لا تصغي إلى النفس البشرية تبقى عدالة ناقصة.

الخصوصية والمراقبة والتحيز الخوارزمي

     ثم يأتي حديث الذكاء الاصطناعي ليضيف إلى العمل أفقا مستقبليا واضحا، حيث يرى في هذه الأدوات إمكانات كبيرة في تحليل السلوك والكشف عن مؤشرات الكذب أو التوتر ودعم التنبؤ بالمخاطر، لكنه لا يذهب إلى التفاؤل الساذج. بل يقف عند المعضلات الأخلاقية التي تفرض نفسها بقوة: الخصوصية، والمراقبة، والتحيز الخوارزمي، وخطر أن تتحول التقنية من أداة مساعدة إلى سلطة صامتة تنتج ظلما جديدا باسم الدقة. هذه الموازنة بين الوعد والخطر تمنح الكتاب نبرة ناضجة، وتدل على أن المؤلف يكتب بعين على العلم وأخرى على الإنسان.

     أما من الناحية الأسلوبية، فالكتاب ينتمي بوضوح إلى الكتابة الأكاديمية المفسرة، وهو خيار يناسب موضوعه، لكنه يجعله أحيانا أكثر ميلا إلى الشرح من السرد، وإلى التقرير من المشهد. لذلك يشعر القارئ، في بعض المقاطع، أن الفكرة حاضرة بقوة أكبر من الصورة، وأن المرجع يسبق اللمسة الإنسانية. وهذه ليست عيبا كاملا، لأن الكتاب في الأصل دراسة فكرية علمية، لكنها ملاحظة نقدية مشروعة: كان يمكن لبعض الفصول أن تزداد حياة لو دعمت بأمثلة أوسع من الواقع العربي، أو بحالات تطبيقية أكثر تفصيلا، أو بسرديات جزئية تجعل “العقل الإجرامي” أقرب إلى التمثل وأبعد عن التجريد. كذلك كان من الممكن، في بعض المواضع، تقليل التكرار المفهومي بين الفصول المتجاورة، حتى يظل الإيقاع أكثر إحكاما. ومع ذلك، فإن هذا لا ينتقص من قيمة العمل بقدر ما يشير إلى أفق تطويره في طبعات لاحقة.

     قيمة هذا الكتاب الحقيقية أنه يقرأ الجريمة بوصفها مرآة لعصرها. ففي العالم الرقمي، لم يعد المجرم مجرد جسد يتحرك في مكان معلوم، بل صار عقلا يعمل عبر الشبكات، ويتخفف من حضوره المباشر، ويستفيد من تشظي الهوية وضعف الرقابة وتبدل أنماط الانتماء. ومن هنا تأتي أهمية “العقل الإجرامي في العصر الرقمي”: إنه كتاب يوسع فهمنا لا للجريمة فقط، بل للهشاشة الجديدة التي يعيشها الإنسان الحديث، وهو يظن أن اتساع الاتصال يعني اتساع الأمان. في هذا المعنى، ينجح الدكتور جمال حسنين في تقديم عمل جاد ومهم، يربط بين العلم والعدالة والتقنية، ويضع القارئ أمام سؤال معاصر لا يمكن الهروب منه: كيف نحمي المجتمع من الجريمة الجديدة من دون أن نفقد إنسانيتنا ونحن نفعل ذلك؟

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=17186

موضوعات ذات صلة

كارت الفلاح يحارب أزمة الأسمدة

المحرر

السوق الحرة.. كوميديا وصراع الإدارة في مطار لا ينام

حسن عبدالعال

هنادي مهنا: التمثيل جاء بالصدفة

تأجيل محاكمة عصام صاصا في قضية لحن «على بالي»

مي صلاح

درس «العامرية».. ما وراء الإقالة

أيمن مصطفى

سامح فوزي يقرأ تحديات الوعي في زمن الرقمنة

أيمن مصطفى