اقتصاد وأعمالسليدر

الإسكندرية تدشن قلعة تصنيع الطماطم

في خطوة استراتيجية تعكس تسارع خطى الدولة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، شهد المهندس أيمن عطية محافظ الثغر، والدكتور أحمد عادل عبد الحكيم القائم بأعمال رئيس جامعة الإسكندرية، افتتاح صرح تنموي جديد بقلب كلية الزراعة بمنطقة الشاطبي؛ حيث جرى تدشين المركز الخدمي التعليمي لسلسلة قيمة الطماطم، والذي يجسد نموذجاً فريداً للتعاون البناء بين المؤسسات الأكاديمية والمنظمات الأممية والهيئات الدولية، إذ جاء هذا المشروع نتاج تضافر الجهود المشتركة بين الجامعة ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “يونيدو”، والوكالة الإيطالية للتنمية والتعاون، وسط حضور دبلوماسي رفيع المستوى عزز من الأبعاد الدولية والسياسية للحدث.

وقد جمعت منصة الافتتاح حشداً من القيادات التنفيذية والأكاديمية، بحضور الدكتورة عفاف العوفي نائب رئيس الجامعة لخدمة المجتمع وتنمية البيئة، والدكتورة هبة سلامة عميد كلية الزراعة، إلى جانب السفير ساشو بودليسنيك سفير جمهورية سلوفينيا، والدكتور أحمد مغاوري مساعد وزير الصناعة للتعاون الدولي، والدكتور باتريك جيلابير ممثل منظمة “يونيدو”، والدكتور تيبيرو كياري مدير الوكالة الإيطالية، وهو الحشد الذي يعكس الأهمية البالغة التي توليها الأطراف المحلية والدولية لتطوير قطاع التصنيع الزراعي في مصر، والاهتمام بملف الأمن الغذائي كأحد ركائز الأمن القومي.

تمويل ضخم

وتأكيداً على جدية المشروع، قامت هذه الشراكة على أسس تمويلية راسخة وتخطيط هندسي دقيق؛ إذ بلغت التكلفة الإجمالية لخط الإنتاج والمعدات الحديثة نحو 1.3 مليون يورو تم ضخها عبر الوكالة الإيطالية للتنمية والتعاون، وفي المقابل، ساهمت جامعة الإسكندرية بتمويل ذاتي بلغ 45 مليون جنيه مصري وُجهت بالكامل لتطوير أعمال التجهيزات الفنية وتأهيل البنية التحتية والمباني المصاحبة للمركز، مما يضمن توازناً تمويلياً يسمح باستمرارية التشغيل وفق أعلى المعايير القياسية العالمية للتصنيع الغذائي داخل المؤسسات التعليمية المصرية وبأيدي كوادرها الوطنية.

ومن الناحية التشغيلية، يعمل خط الإنتاج المتطور بطاقة إنتاجية متميزة تصل إلى 4 أطنان من الطماطم المصنعة في الوردية الواحدة التي تستغرق 8 ساعات، وقد صُمم المصنع التعليمي خصيصاً ليعمل بكفاءة مستمرة تتيح له استيعاب كميات ضخمة من المحاصيل الطازجة وتحويلها إلى منتجات ذات جودة عالية وقدرة تنافسية كبيرة، بالاعتماد على آليات ميكانيكية متطورة تضمن سلامة الغذاء وتطبيقه لشروط التصنيع الجيد المعتمدة دولياً، لتتحول الجامعة من الاستهلاك الأكاديمي إلى الإنتاج الفعلي.

منشأة رائدة

وفي السياق ذاته، يكتسب المشروع أهمية استثنائية لكونه يعتبر أول منشأة تعليمية وتطبيقية متخصصة في تصنيع الطماطم الكاملة المقشرة، والطماطم المقشرة المقطعة، داخل الحرم الجامعي في مصر، مما يخرج بالبحث العلمي من عباءة النظريات الأكاديمية الجافة إلى فضاء التطبيق العملي المباشر الذي يخدم الأسواق المحلية، حيث تسعى الدولة من خلال هذا النموذج إلى سد فجوة تصنيعية مزمنة في قطاع كان يعتمد لسنوات طويلة على الاستيراد من الخارج لتأمين بعض المكونات الغذائية الأساسية لخطوط الإنتاج.

وتتنوع خطوط الإنتاج داخل المركز لتلبي كافة احتياجات الفنادق والمطاعم ومصانع الأغذية الكبرى التي تشترط مواصفات قياسية دقيقة، مما يسهم بشكل مباشر في تعظيم القيمة المضافة للمحاصيل الوطنية بدلاً من بيعها خاماً بأسعار منخفضة في مواسم الذروة، فضلاً عن كون المركز سيعمل كدرع واقٍ للمزارعين عبر استيعاب فائض الإنتاج الزراعي وحمايتهم من تقلبات الأسعار وخسائر التلف السريع التي تلتهم أرباحهم السنوية.

توطين الصناعة

ومن جانبه، ثمن محافظ الإسكندرية هذه الخطوة مؤكداً في كلمته أن إطلاق أول خط إنتاج للطماطم المقشرة محلياً يمثل وثبة حقيقية نحو توطين الصناعات الغذائية الاستراتيجية، في وقت أصبح فيه تحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد ضرورة حتمية لحماية الاقتصاد الوطني وتوفير العملة الصعبة، لافتاً إلى أن تواجد هذا المشروع داخل كلية الزراعة يعكس الرؤية التنموية الشاملة للدولة والمتمثلة في ربط منظومة العلم بالإنتاج الفعلي وتعميق المكون المحلي في الصناعة الوطنية.

واستطرد المحافظ موضحاً أن عروس المتوسط تعزز مكانتها اليوم كمركز علمي وصناعي رائد بفضل هذه المبادرات القائمة على اقتصاد المعرفة، والتي تفتح آفاقاً استثمارية جديدة وتشجع القطاع الخاص على محاكاة هذه النماذج المتطورة لتوسيع رقعة التصنيع الزراعي، مؤكداً دعم المحافظة الكامل لكافة المشروعات البحثية والتنموية التي تخدم المجتمع السكندري وتخلق بيئة إنتاجية مستدامة للأجيال القادمة.

ربط علمي

وفي ذات الإطار، أعلن الدكتور أحمد عادل عبد الحكيم أن هذا المركز يعد تتويجاً لجهود جامعة الإسكندرية في تقديم نموذج متكامل يربط البحث العلمي بالتطبيق، مستنداً إلى ما تمتلكه الجامعة من كوادر وخبرات قادرة على قيادة قاطرة التطوير الصناعي وتحويل الأبحاث الورقية إلى منتجات ملموسة في الأسواق، ومشيراً إلى أن الشراكة مع “يونيدو” وإيطاليا تعكس الثقة الدولية الكبيرة في قدرة المؤسسات التعليمية المصرية على إدارة المشروعات التنموية الكبرى بكفاءة.

وأضاف عبد الحكيم أن هذا الصرح يمثل إضافة نوعية لإمكانيات كلية الزراعة التاريخية، وسينعكس إيجابياً على جودة التعليم والتدريب، من خلال توفير بيئة مثالية للباحثين لإجراء الدراسات التطبيقية حول سلامة الغذاء وتطوير السلالات وتحسين كفاءة التعبئة والتغليف، ليمتد دور الجامعة هنا من التعليم التقليدي إلى الدور التنموي الشامل الذي يمس حياة المواطن ويدعم خطط التنمية الشاملة للدولة.

تأهيل الشباب

ولم يغفل المشروع البعد البشري؛ إذ يضع المركز قضية بناء القدرات وتدريب الطلاب والخريجين والكوادر الفنية على رأس أولوياته الاستراتيجية والتعليمية، حيث يخضع الطلاب لتدريبات عملية مكثفة داخل المصنع تعزز جاهزيتهم التنافسية للالتحاق بسوق العمل المحلي والإقليمي فور تخرجهم، ويتعلم المتدربون من خلالها كيفية التعامل مع أحدث تقنيات التصنيع الغذائي، وإدارة خطوط الإنتاج المعقدة، وتطبيق معايير الجودة الصارمة.

ويسهم هذا الفكر التدريبي المتقدم في خلق جيل جديد من الفنيين والمهندسين الزراعيين المؤهلين لقيادة المصانع الحديثة بأسلوب علمي متطور، مما يقضي على الفجوة التقليدية بين المناهج الأكاديمية النظرية والمتطلبات الفعلية المتجددة لشركات الأغذية الكبرى، حيث تمنح هذه الخبرة الميدانية المبكرة خريجي جامعة الإسكندرية أفضلية نسبية في مجالات التوظيف، الابتكار، وريادة الأعمال بمجال التصنيع الزراعي.

تنمية مستدامة

وفي سياق متصل، ألمحت الدكتورة هبة سلامة إلى أن المركز يجسد التكامل الحقيقي بين الباحث والمزارع والمصنع تحت مظلة التنمية المستدامة، انطلاقاً من إيمان الكلية بالدور الحيوي لسلاسل القيمة الزراعية في رفع كفاءة الإنتاج، وخاصة في المحاصيل الاستراتيجية كطماطم مصر، مشيرة إلى أن المركز يهدف لتقديم خدمات استشارية وتدريبية شاملة تواكب رؤية مصر المستقبلية للاقتصاد الأخضر النظيف.

ونوهت “سلامة” إلى أهمية دور المركز في تقليل الهدر والفاقد في حقول الطماطم، وهو ما ينعكس طردياً على تحسين دخل صغار المزارعين، حيث يسهم الربط المباشر بين الحقل وخط الإنتاج في تحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية كالمياه والطاقة، ويدعم استقرار سلاسل الإمداد الغذائي، مما يعكس التزام الكلية بمسؤوليتها المجتمعية والبيئية عبر حلول علمية مبتكرة لمواجهة التحديات الاقتصادية الحالية.

آفاق مستقبلية

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أكد السفير السلوفيني “ساشو بودليسنيك” عمق العلاقات الثنائية وسعادته بالتعاون في مشروعات الاقتصاد الأخضر وحماية البيئة، مشيراً إلى أن التحول المستدام يمثل الركيزة الأساسية لصناعة المستقبل، وأن الجامعة تقود هذا التوجه بكفاءة تامة، ومن جانبه ثمن الدكتور “تيبيرو كياري” التعاون الإيطالي المصري، واصفاً المشروع بالجسر الاستراتيجي لتبادل الخبرات وتطوير الزراعة المستدامة بين البلدين.

وفي الختام، أشار الدكتور أحمد مغاوري إلى أن المركز يمثل نموذجاً لاقتصاد المعرفة الذي يعظم العوائد ويستثمر في طاقات الشباب المصري، تلا ذلك عرض تقديمي للدكتور علي بدارنة، رئيس قسم الأمن الغذائي بـ”يونيدو” في فيينا، استعرض فيه أبرز إنجازات مشروع سلسلة قيمة الطماطم في مصر، مؤكداً على الدور المحوري للمشروع في تعزيز القيمة المضافة للمنتجات المحلية وتحقيق التنمية المستدامة الشاملة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=19670

موضوعات ذات صلة

الصادرات الزراعية المصرية تسجل نمواً غير مسبوق عالمياً

عمر عزوز

جدران تنطق بالثورة.. “قاذف الزهور” لوحة تتحدى الاحتلال

سارة الدسوقى

موعد مباراة الزمالك القادمة بكأس عاصمة مصر

محمود المهدي

حكايات فنية من دفاتر صحافة زمان.. جديد طاهر البهي

المحرر

د. عمرو عبد العزيز لـ(صوت البلد): الاكتشاف المبكر للأورام السرطانية يرفع نسبة الشفاء

المحرر

تجديد ولاية عز العرب رئيسًا تنفيذيًا للبنك التجاري الدولي

المحرر