دين ودنياسليدر

الشيخ مصطفى شلبي لـ”صوت البلد”: عاشوراء مدرسة اليقين

 

الشيخ مصطفى شلبي الأزهري

 

تتجدد مع مطلع كل عام هجري النفحات الربانية التي تذكر الأمة الإسلامية بأيام مجدها وعزها، ولعل يوم “عاشوراء” يأتي في مقدمة هذه الأيام المباركة؛ فهو ليس مجرد مناسبة عابرة، بل حدث مفصلي في تاريخ البشرية، شهد على نصرة الحق وهزيمة الطغيان.

بمناسبة حلول هذا اليوم المبارك، التقت “صوت البلد” بالداعية الإسلامي، فضيلة الشيخ مصطفى شلبي الأزهري، من علماء الأزهر الشريف، ليفتح لنا قلبه وعقله، ويحدثنا عن الأسرار الإيمانية، والدروس المستفادة، والبدع والمعتقدات الخاطئة التي تحيط بهذا اليوم، وكيف يصنع المسلم من عاشوراء محطة للتزود باليقين والثقة في نصر الله.. فإلى نص الحوار:

بمطلع العام الهجري الجديد، يحل علينا يوم عاشوراء.. كيف ننظر إلى هذه المناسبة في سياق التاريخ الإسلامي والرباني؟

إن عاشوراء من أعظم الأيام التي تهل على الأمة المسلمة مع بداية العام الهجري؛ إذ يرتبط بحدث مفصلي في التاريخ، حين نصر الله نبيه موسى عليه السلام وأهلك فرعون وجنده. لقد غدا هذا اليوم شاهداً حياً على سنة ربانية خالدة؛ مفادها أن العاقبة للمتقين، وأن الحق مهما حورب فإن الله يؤيده وينصر أهله.

وعاشوراء يمثل يوماً مجيداً من أيام الله التي قال فيها سبحانه: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾، وهي الأيام التي تجلت فيها القدرة الإلهية وعظمته في نصرة عباده المؤمنين. ومن هنا، يجدر بالمؤمن الوقوف عند هذه الذكرى متأملاً ومتدبراً؛ لكونها تذكيرًا بليغاً بأن القوة المادية مهما بلغت سطوتها، لا يمكنها الوقوف أمام مشيئة الله تعالى وتأييده المستمر لأهل الحق.

زوال الجبروت

يقدم لنا مشهد النجاة في هذا اليوم درساً بليغاً في مواجهة الطغيان البشري.. كيف تجلى ذلك؟

لقد وقف سيدنا موسى عليه السلام أمام طغيان فرعون الذي ادعى الألوهية وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. لكن الله سبحانه أراه وأرى الدنيا كلها أن الملك لله وحده، وأن الجبروت البشري إلى زوال.

يصور لنا القرآن الكريم هذا المشهد المهيب في قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. إنها كلمة اليقين الخالدة التي فتحت طريق النجاة، فشق الله البحر لموسى وقومه وأغرق فرعون وجنوده، ليبقى هذا المشهد درساً وعبرة لكل الأجيال إلى قيام الساعة

ما السبب وراء صيام النبي لهذا اليوم عند قدومه إلى المدينة المنورة، وما دلالة قوله: “نحن أحق بموسى منكم”؟

عندما قدم رسول الله ﷺ المدينة المنورة، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن سبب صيامهم، فقالوا: “هذا يوم مبارك نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى شكراً لله”. فقال النبي ﷺ: «نحن أحق بموسى منكم»، ثم صامه وأمر بصيامه.

هذا الموقف النبوي يحمل معاني عقائدية وتربوية عظيمة؛ فالنبي ﷺ لم يرفض المناسبة لأنها ارتبطت بنبي سابق، بل أقر أصلها الصحيح، وأعلن أن المسلمين هم الامتداد الحقيقي لرسالة الأنبياء جميعاً. فالإسلام لا يبدأ بمحمد ﷺ فقط، وإنما يبدأ بآدم عليه السلام، ويمر بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء عليهم السلام، حتى يُختم برسالة سيدنا محمد ﷺ.

وحدة الرسالات

يفهم من هذا المقصد أن الإسلام يعزز قيم التواصل واحترام كل الأنبياء، فما أثر ذلك على عقيدة المسلم؟

من أعظم ما يبرزه يوم عاشوراء أن الإسلام دين يحترم جميع الأنبياء والرسل، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾.

إن المسلم لا يصح إيمانه مطلقاً إلا إذا آمن بموسى وعيسى وسائر الأنبياء عليهم السلام. ولهذا كان صيام عاشوراء إعلاناً عملياً عن هذا الارتباط العقدي العظيم بين المسلمين وبين جميع رسل الله؛ فالمسلمون يحبون موسى عليه السلام، ويوقرونه، ويؤمنون برسالته، ويعتقدون أن نجاته كانت نصراً حقيقياً للحق والتوحيد.

ما الفضل والأجر الكبير الذي يعود على المسلم من صيام هذا اليوم المبارك؟

ورد في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله». وهو فضل عظيم جداً يدل على رحمة الله تعالى وسعة مغفرته لعباده. ومن كرم الله سبحانه أن جعل أبواب الخير في هذه الأمة كثيرة ومتنوعة، ومن هذه الأبواب صيام يوم عاشوراء الذي يكفر ذنوب سنة كاملة بإذن الله تعالى. وقد كان النبي ﷺ شديد الحرص والتحري لصيامه، حيث قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء”.

مراتب الصيام

هل لصيام يوم عاشوراء درجات أو مراتب حددها أهل العلم؟

نعم، لقد أفاض علماء الأمة في بيان أحكام هذا اليوم، موضحين أن صيام عاشوراء يتدرج في ثلاث مراتب تفصيلية؛ تبدأ أولاها بصيام الأيام الثلاثة معاً: التاسع والعاشر والحادي عشر، في حين تتجلى المرتبة الثانية في صيام يومي التاسع والعاشر، لتقتصر المرتبة الثالثة على إفراد اليوم العاشر وحده بالصيام. غير أن أفضل هذه المراتب وأكملها على الإطلاق هو صيام اليومين التاسع والعاشر؛ عملاً بالوعد النبوي الشريف: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، وهو هدي مقصود لتعليل مخالفة أهل الكتاب وتأكيد تميز الهوية الإسلامية المستقلة.

ما هي أهم الدروس المستفادة والعبر التي يجب أن نستحضرها في واقعنا المعاصر من ذكرى عاشوراء؟

لعل أبرز هذه العبر تتلخص في جملة من الدروس الجوهرية التي تمس واقعنا؛ وفي مقدمتها حتمية الثقة بالله عند اشتداد الأزمات، وتجلى ذلك حين أحاط الخطر بنبي الله موسى وقومه من كل جانب، فسطر بلسان اليقين عقيدة المؤمن في كل زمان ومكان قائلاً: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. هذا اليقين يقودنا مباشرة إلى درس ثانٍ وهو أن النصر لا يقاس أبدًا بالأسباب المادية وحدها؛ فقد كان المستضعفون بلا قوة مادية تحميهم أمام فرعون وجنده وعدته وسلطانه، ومع ذلك انتصر الحق وزهق الباطل. ومن هنا ينبثق درس ثالث يرسخ أهمية شكر الله على نعمه؛ إذ صام موسى شكراً، وتبعه نبينا محمد ﷺ شكراً، والشكر كما نعلم مستجلب للمزيد من الفضل الإلهي. كما يبرق هذا اليوم بذكرى خالدة تؤكد أن الظلم والطغيان مآلهما إلى زوال حتمي، ففرعون الذي كان رمزاً للاستبداد أهلكه الله وجعله عبرة للعالمين، ليتوج ذلك كله بالدرس الخامس والأهم؛ وهو عمق ارتباط الأمة الإسلامية بجميع الأنبياء، فالأمة ليست منقطعة عن التاريخ، بل هي الوارث الحقيقي لرسالاتهم والحامل الأمين لأمانتهم عبر العصور.

 وما حكم البدع والعادات المحدثة فيه؟

المشروع والثابت في يوم عاشوراء هو الصيام، والذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، والصدقة، وسائر أعمال البر والتقرب إلى الله. أما ما أحدثه بعض الناس من بدع، أو خرافات، أو تخصيص اليوم بعادات واحتفالات معينة لم تثبت عن النبي ﷺ، فلا أصل لها في الشرع الحنيف، ولا ينبغي اتباعها.

فتاوى عاشوراء

نود من فضيلتكم تسليط الضوء على الأحكام والمسائل الفقهية التي تشغل بال الصائمين؛ ما حكم صيام هذا اليوم، ومدى مشروعية إفراده بالصوم أو إلزامية ضم يوم تاسوعاء إليه؟

إن صيام يوم عاشوراء هو سنة مؤكدة ومستحبة وليس فرضاً، ومن ثم فإن من أفطر فيه لا إثم عليه ولكنه يفوّت على نفسه أجراً عظيماً. أما عن كيفية صيامه، فيجوز إفراد يوم عاشوراء وحده بالصوم عند جمهور العلماء، إلا أن الأفضل والأكمل اتباعاً للهدي النبوي هو عدم الوجوب بل استحباب صيام يوم قبله (تاسوعاء) أو يوم بعده، تحقيقاً للأفضلية ومخالفة لأهل الكتاب.

هل يرتبط صيام المسلمين لعاشوراء باليهود، وما الأبعاد العقائدية وراء الكلمات النبوية الشريفة “نحن أحق بموسى منكم”؟

صيامنا لعاشوراء ليس مرتبطاً باليهود بأي حال؛ بل إن المسلمين يصومونه اتباعاً واستناناً بنبيهم ﷺ وشكراً لله تعالى على نجاة سيدنا موسى عليه السلام. وحين قال النبي ﷺ: «نحن أحق بموسى منكم»، كان ذلك إعلاناً عظمياً بأن المسلمين يؤمنون بسيدنا موسى ويسيرون على خطى رسالته، ويوقرون جميع الأنبياء الذين أرسلهم الله لهداية البشرية، فنحن الامتداد الحقيقي لشرائعهم وتوحيدهم.

ما هي حدود المغفرة الربانية المفاضة على صائم عاشوراء، وهل يُشرع للمسلم الاحتفاء بهذا اليوم وعمل أطعمة مخصوصة؟

إن كرم الله واسع، وصيام هذا اليوم المبارك يُكفر ذنوب الصغائر بإذن الله تعالى بناءً على الوعد النبوي، أما الذنوب الكبائر فلا بد لها من توبة نصوح تامة، وندم صادق، وعزم أكيد على عدم العودة إليها. وفيما يخص مظاهر الاحتفاء، فلا يوجد في السنة النبوية المطهرة ما يدل على مشروعية تخصيص هذا اليوم بطعام معين أو احتفال مخصوص، وإنما العبادة الحقيقية والمشروعة فيه تتجلى في الصيام، والذكر، وتلاوة القرآن، والتقرب إلى الله رب العالمين.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20919

موضوعات ذات صلة

21 عملية ناجحة في يوم واحد بمستشفى منيا القمح

محمد مرسي

كورس جاما أكاديمى بالثقافى القبطي للأطفال

إسحاق يوسف فرج

كيف تحمي أسرتك من مخاطر العواصف الترابية؟

أيمن مصطفى

بيراميدز يدعم الفراعنة بمروان حمدي

محمد عطا

منصة الغوص الرقمية تصل الغردقة

هدير عادل

دموع الكاميرون وعبور تاريخي للمغرب

أيمن مصطفى