ثقافة وأدبسليدر

تراثيون: الذكاء الاصطناعي يخدم التراث بضوابط صارمة

شهدت الآونة الأخيرة تسارعًا مذهلًا في إمكانيات الذكاء الاصطناعي، مما جعله وسيلة مساعدة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، ودفع بالمعنيين بالشأن الثقافي إلى ضرورة التعامل المباشر مع هذه التقنيات وتوجيهها لخدمة التراث الإنساني.

في هذا الصدد، أوضحت د. سحر محمد، مدير مركز دراسات التراث الشعبي بجامعة القاهرة، أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة مهمة للتعامل مع التراث الشعبي الشفهي مثل السير والأمثال والحكايات، مؤكدة أن الأمر يحتاج إلى اهتمام مؤسسي لرقمنة هذا الإرث وحمايته. فهذه التقنية تتيح صناعة محتويات ترويجية جاذبة عبر محاكاة أصوات الرواة الشهيرة وتصميم فيديوهات وأفلام وثائقية موجهة لمختلف الفئات. وأن التوجيه البشري الواعي يظل هو الضامن لعدم الوقوع في فخاخ التزييف أو السطو، وأن الإنسان يتجلى بصفته المبدع الأصيل لهذا الإرث والمخترع لهذه التقنية القادر على ضبط مسارها دون المساس بطابعها الإنساني.

منافسة البشر

وإذا كانت التقنية تقدم حلولًا ذكية لإحياء التراث الشعبي الشفهي، فإن التحدي يزداد دقة وصعوبة عندما يتعلق الأمر بالمخطوطات والوثائق التاريخية؛ وهو ما يعيد طرح السؤال حول مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على منافسة العقل البشري في فك رموز النص وتطبيق المناهج النقدية.

من جهته، أشار د. عاطف يمني، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر بأسيوط، إلى أثر الذكاء الاصطناعي في تحقيق النص التاريخي، مؤكدًا أن تحقيق المخطوطات يتطلب حصيلة نظرية وتراكمات عملية ومعرفة دقيقة بسياقات المؤلف ومناهجه واللزمات اللغوية والمعرفية لصاحب المخطوط وأسلوبه في الكتابة وإحالاته، وهو ما يجعل الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي أمرًا غير ممكن لإصدار الأحكام العلمية. مبينًا أن التقنية تشكل أداة مساعدة عالية الكفاءة في الأعمال المتمثلة في قراءة المخطوطات، والمقارنة بين النسخ، واكتشاف الاختلافات، وفهرسة المحتوى، وترميم النصوص، بينما يظل القرار النهائي في يد المحقق المتخصص.

حدود الآلة 

هذا التمايز بين الدور المساعد للآلة والقرار النهائي للمحقق يمتد ليصل إلى قلب العملية النقدية ذاتها، حيث أضاف يمني أن التقنية لا تستطيع استبدال المنهج النقدي الذي يعتمد على إعمال الفكر والتدبر لدى المؤرخين، ولا سيما في علوم الحديث والجرح والتعديل؛ فالنقد عملية ذات شقين ظاهري -خارجي- يركز على فحص شكل الرواية التاريخية ومصادرها، للتأكد من صدق نسبتها وسلامتها من التزييف ، ونقد باطني -الداخلي- يهدف منها إلى تحليل مضمون النصوص وفهم المعاني الحقيقية لها، ثم التحقق من صدقها، ومدى أمانة المؤلف وتجرده من الميول والأهواء، وهي أمور تعتمد بشكل كبير إعمال الفكر والتدبر والنظر في النصوص. مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي لا يملك أهلية إصدار الحكم العلمي المستقل على صحة الروايات، لكن يمكنه جمع المعلومات، وتسريع البحث، واقتراح العلاقات بين الرواة والنصوص.

ولفت إلى أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في بطء المؤسسات الثقافية في رقمنة المخطوطات، وعدم إنشاء قواعد بيانات موثقة، وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي مدربة على الوثائق الأصلية تحت إشراف متخصصين، فالمستقبل سيرسخ التقنية كمساعد لا غنى عنه يختصر الوقت والجهد، مع بقاء مسؤولية التفسير والترجيح للإنسان.

إمكانيات هائلة 

وفي الوقت الذي يُحيط فيه المؤرخون حدود الآلة بالتحفظ العلمي، يرى متخصصون آخرون أن الإمكانيات التطبيقية للذكاء الاصطناعي تتجاوز مجرد المساعدة التقنية لتفتح آفاقًا غير مسبوقة في الترميم والمعالجة. 

ففي سياق متصل، استعرض د. محمد حجاج، نائب مقرر لجنة إحياء التراث المعاصر باتحاد كتاب مصر، مجالات الخدمة التقنية للتراث، مشيرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي يسهم في فك رموز اللغات القديمة، واستخدام المسح الضوئي ثلاثي الأبعاد لقراءة المخطوطات المتداخلة، فضلًا عن الترميم الرقمي، وإعادة بناء شجرات التحقيق، وإتاحة المادة للمكفوفين. فالنماذج اللغوية تؤثر بالفعل في إعادة صياغة التراث وتسهيل عبارته، وفي تأليف الشعر أيضًا، رغم وقوعها في أخطاء عروضية وفنية تؤكد حتمية التدخل البشري لضبط الصياغة.

خارطة حماية 

غير أن هذه القفزات التقنية في صياغة التراث وإتاحته تظل سلاحًا ذا حدين ما لم تقترن بجدار حماية قانوني ومؤسسي، فقد شدد حجاج على ضرورة مواجهة القرصنة الرقمية والتنسيب الخاطئ من خلال تحديث القوانين وتطبيق تقنية البصمة الرقمية، وتعزيز الشراكات الدولية مع منظمات كاليونسكو والألكسو والإيسيسكو. كما يدعو إلى تحول المؤسسات الوطنية من مرحلة الاستهلاك إلى الإنتاج عبر إنشاء قواعد بيانات مركزية موثقة، وتقنين الاطلاع، وفرض عقوبات صارمة على المتلاعبين بالتراث.

واختتامًا لرؤيته، طرح حزمة من المبادرات والسياسات الثقافية الواجب تبنيها، وفي مقدمتها إنشاء مكتبة وطنية رقمية ومنصة أرشيفية موحدة تؤرشف المخطوطات المصرية كاملة؛ لتعزيز السيادة الفكرية، وتحديث تشريعات الملكية الفكرية بالبرلمان؛ لتواكب مستجدات الذكاء الاصطناعي، وإطلاق تحالف نقابي يضم المحامين والكتاب والقضاة والناشرين لمواجهة القرصنة الرقمية والتزييف المتعمد واستغلال النصوص التراثية بغير وجه حق، إلى جانب التنسيق مع كليات الحاسبات والذكاء الاصطناعي لوضع استراتيجيات حفظ طويلة الأمد وتحديث وسائط التخزين دون تلف أو هدر، منوهًا إلى أن هذه الخطوات قادرة على نقل مصر والمنطقة العربية إلى مرحلة إنتاج أدوات ذكاء اصطناعي خادمة للتراث ومحافظة على أصالته، بدلًا من مجرد استهلاكه.

 

اقرأ أيضًا: 

شبلول: أنا صنيعة أمي والإسكندرية بطلة كتاباتي

يوسف نوفل: الشللية قتلت النقد ووصلنا لاستئجار نقاد بالمال

الصغير وصفوت: الذكاء الاصطناعي بين الإبداع والخطر الوجودي

نقاد وأدباء: المثقف تحول من قائد تنويري لـ”إيفيه”

لوحة موت يوليوس قيصر.. لماذا تقتلنا طعنة بروتوس؟

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23642

موضوعات ذات صلة

نجوم الدراما يقتحمون السينما

مي صلاح

الحب .. أمان في زمن الزيف

أيمن مصطفى

فيلم “الهنا اللي أنا فيه”.. كليشيه مستهلك تخذله الأحداث

سارة الدسوقى

أشرف صبحي لـ ( صوت البلد ) : الشباب شركاء صناعة المستقبل

محمد عطا

صاحب مدرسة الجن: “أخيطُ الشيبَ ظلًا” لأهزمَ مرآةَ الزمنِ

سارة الدسوقى

سر الشُكر… فرح روحي بالكنيسة الإنجيلية بسراي القبة

حازم رفعت