ثقافة وأدبسليدر

نقاد وأدباء: المثقف تحول من قائد تنويري لـ”إيفيه”

لم يكن المثقف يومًا مجرد قارئٍ للمشهد، بل كان ضابط إيقاع الوعي، وحارس الحقيقة في عواصف التزييف. غير أن قطار الحداثة المتسارع، العابر فوق هويات الشعوب، قد بدّل الأدوار؛ فأنزل المثقف من فوق منابر التنوير والقيادة الفكرية، ليضعه في قفص الاتهام، والأسوأ جعْلُه مادةً دسمة على مقاصل السخرية والتهكم الوجداني. 

فزلت قدمه من قمة التبجيل والقيادة الوطنية، إلى قاع الهامش الكوميدي في شاشات العرض. في رحلة دراماتيكية قاسية قطعها صاحب الكلمة، تحول فيها من حاملٍ لمشاعل التغيير والحرية، إلى شخصية يُسخر من لغتها ويُستخف بوجودها، وقوة ناعمة شوهت ملامحه بـ “الإيفيهات” العابرة.

جذور التحول

أشار  الناقد الدكتور سيد ضيف الله إلى أن صورة المثقف لم تتغير محليًا وعربيًا فقط، بل شهدت تحولًا جذريًا على مستوى العالم؛ إذ انتهى عصر المثقف الإصلاحي أو التنويري ليتحول في الغالب إلى موظف في خدمة نفسه أولًا.

وعلى الصعيد المحلي، تجلت صورة المثقف في عهد عبد الناصر بوصفها تُمثّل دورًا محوريًا في خدمة المشروع الوطني التحرري، فسواء أكان المثقف مؤيدًا للسلطة أم معارضًا لها يُنكّل به في السجون. أما في عهد الرئيس السادات، فقد شهد المنحنى المحلي شرخًا مفصليًا، حيث تجاهل رموز الثقافة المصرية وسخر منهم واصفًا إياهم بـ”الأفندية الأراذل” وصولًا إلى سجنهم، وهو ما جعل المثقف غير مرغوب فيه سياسيًا، وبالتالي صار هدفًا للتصويب الإعلامي والسينمائي.

انعكاس العجز  

وأوضح أن حضور المثقف بصورة العاجز في الروايات ليس تعسفًا، بل هو انعكاس وتجسيد لرؤية الكاتب للمجتمع ودوره فيه؛ إذ يصعب تخيل صورة بطولية لمثقف في سياق اجتماعي لا يمنحه دورًا فاعلًا. مبينًا أن الواقع الراهن لا يسمح بعودة المثقف التنويري صاحب المشروع الفكري؛ لأننا انتقلنا عالميًا إلى عصر الجماهير الغفيرة، حيث أصبحت عملية توجيه العقول عبر الميديا ومنصات التواصل الاجتماعي تتم بتكلفة أقل، وبجودة أعلى، وبسرعة فائقة.

واعتبر أن هذا الوضع يُمثّل تهديدًا حقيقيًا لكيان الدولة في الحفاظ على هويتها وخصوصيتها، في مواجهة عولمة ثقافية شرسة، وهو أمرٌ لا يمكن تحقيقه دون استعادة دور المثقف.

المثقف المهموم 

من جهته، دخل الكاتب صلاح أحمد عبد الحليم إلى عمق الأزمة من زاوية القيم والسلوك الإنساني، معتبرًا أن المثقف الأصيل ينأى بنفسه تمامًا عن السخرية لأنه مهموم بقضايا مجتمعه ويمتلك فائضًا من الجدية والوعي. مستشهدًا بما جرى ذات يوم بين العملاقين طه حسين والعقاد؛ إذ اعتقد البعض حينها أنهما يسخران من بعضهما، بينما كان حوارهما نقدًا راقيًا للتكلف؛ حين قال العميد للعقاد “أنت تكتب ما لا يُفهم” فرد الأديب الكبير “وأنت لا تفهم ما يُكتب!”.

وأضاف عبد الحليم أن المشهد اليوم بات يتصدره الجهل والسطحية، وأن الكاتب الذي يلجأ للسخرية من النخبة لجذب القارئ العادي هو مدعٍ للثقافة يعاني من خواء داخلي، لأن الثقافة منظومة قيمية متكاملة. 

الثمار الفاسدة

وربط بين هذا التصدير الساخر وبين الثمار الفاسدة التي يجنيها المجتمع والشباب اليوم من غياب الاحترام وانتشار التحرش واستسهال الغش، موضحًا أن إعادة صياغة المثقف تتطلب إبداعًا فكريًا خلاقًا يبتعد عن فخ الوعظ والتلقين الباهت والمثالية الزائفة والمبالغة، فقد أصبحنا نعيش في عالم التكرار العقيم، من الأزياء إلى التجميل، وصولًا إلى البرامج الإعلامية والدينية. فالكل يقلد، وغاب الإبداع. مؤكدًا أن المثقف الحقيقي اليوم يتوارى خجلًا عن اللهاث وراء شهرة السوشيال ميديا ويفضل العيش بالكفاف صونًا لكرامته.

عقاب شعبي

وفي مقاربة وجدانية، وضع الشاعر أحمد فضل شبلول يده على الجرح الفني، لافتًا إلى أن معظم الأفلام والمسرحيات المصرية تعمدت تقديم المثقف والشاعر ورجل الدين بصورة كوميدية تثير الضحك؛ واستدل على ذلك بأفلام ومسرحيات عادل إمام، وتحديدًا إيفيه “العلم لا يكيل بالبتنجان” في مسرحية مدرسة المشاغبين، ونطقه الكوميدي المقعر للشعر، مرورًا بنماذج مدرس اللغة العربية البائس التي قدمها عبد المنعم إبراهيم، أو نجيب الريحاني في “غزل البنات”، وصولًا لأغنيات شهيرة حملت استهزاءً باللغة العربية، مثل أغنية شادية وفاتن حمامة.

ونبه إلى خطورة هذا المنحنى، إذ أن إيفيهًا واحدًا في فيلم كفيل بأن يهدم وينسف ما تبنيه خطط الثقافة والتعليم في سنوات.  مُرجعًا هذا التشويه إلى احتمال كونه عقابًا جماهيريًا وشعبيًا للمثقف بسبب تخليه عن لغة الشارع البسيطة وابتعاده عن الناس من خلال لغة قديمة مقعرة تحتاج لقواميس، أو لغة حداثية مترجمة لا صلة لها بالواقع. فالتاريخ يشهد على وجود شعراء عامية عظماء وزجالين كبار وكتاب أغاني رائعين، وكان أمير الشعراء أحمد شوقي أحد معجبي أزجال بيرم التونسي، مشيرًا إلى أن هذا المغرق في التخصص جعل الجمهور ينصرف نحو محطات تسليه وتنسيه همومه. 

استرداد الهيبة 

ونوه شبلول إلى أن الحل لا يكمن في تسطيح الأمور، بل في تقديم سلاسل معرفية مبسطة وخفيفة تناسب الشباب، مثل: سلسلتي “ما” و”تراث الإنسانية للنشء والشباب”، التي تصدرها مكتبة الإسكندرية وخرج منها أكثر من مائة عدد، في جميع أنواع المعرفة، مع التركيز على الشخصيات المصرية والعربية والعالمية التي قدمت نفعًا وعلمًا، بأسلوب سهل وميسر، وقد قدم فيها كتابين للشباب هما: محمود سعيد رائد الفن التشكيلي والتجاني يوسف بشير أمير شعراء السودان. 

واختتم رؤيته بالتأكيد على أن القصيدة الفصحى قادرة على استرداد هيبة المثقف واللغة إذا اجتمع فيها حسن الموضوع وجودة الإلقاء، داعيًا إلى استغلال وسائل التواصل الاجتماعي وتوظيف تقنياتها ببراعة لتقديم رسالة لغوية وأدبية رشيقة قادرة على اختراق الكتل الجماهيرية الكبيرة والوصول لعقول الشباب.

 

اقرأ أيضًا: 

تامر عبد العزيز: التبعية أخطر أزمات النقد العربي

مراد عباس: فخ “الاستهلاك الثقافي” أخطر ما يواجه الشباب

شريف صالح: “مجانين أم كلثوم” انحياز للضلع الرابع

نجلاء رسول: لوحاتي ولدت من رماد الفقد لتحلّق

شيماء مجدي: حين تهتز السلطة تولد الذكورة التعويضية

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=22582

موضوعات ذات صلة

وداعًا سوق زعربانة

أيمن مصطفى

الرياضة في المدارس .. واقع أم طموح

محمد عطا

ميليشيات الظل تربك حسابات إسرائيل

ضاحى محمود

بضغطة زر.. كيف غيرت التكنولوجيا أضحية العيد؟

أيمن مصطفى

غضب بيراميدز بسبب سوء أرضيات الملاعب

محمد عطا

مثقفون يقدمون روشتة للارتقاء بالذوق العام

المحرر