ثقافة وأدبسليدر

شريف صالح: “مجانين أم كلثوم” انحياز للضلع الرابع

ثمة أصوات لا تمر على تاريخ الشعوب مرور العابرين، بل تتحول إلى تضاريس ثابتة في جغرافية الوجدان، وأعمدة ساندة لذاكرة الأمة وسلوكها العاطفي. هكذا كانت -ولا تزال- أم كلثوم؛ ليست مجرد حنجرة ذهبية جادت بها المقادير، بل حالة من المرجعية الروحية التي صاغت ذائقة القرن العشرين، ووحدت في لحظات تجليها شعوبًا من المحيط إلى الخليج.

في روايته “مجانين أم كلثوم”، لا يسلك الروائي شريف صالح الدرب التوثيقي التقليدي؛ إنه لا يكتب عن أم كلثوم، بل يلتف بذكاء روائي حول الهامش الكلثومي، ليصنع من جمهورها ومريديها وعشاقها أبطالًا للمتن. يغوص في تفاصيل ذلك الجنون الجمعي بوصفه أرقى درجات الافتتان الإنساني، متخذًا من صوت الست مرايا عاكسة لتحولات المجتمع المصري والعربي منذ حقبة التسعينيات وحتى الراهن.

عبر حيلة سردية ممتعة، يلملم الكاتب شتات أبطاله داخل جمعية سرية تحرس الإرث والهوية، ليفكك من خلالهم ثنائيات العشق والوجع، ويعيد قراءة العلاقات المعقدة التي دارت في فلك الأسطورة كعلاقة القصبجي ورامي بها، في نص كُتب بروح “السلطنة” وعُزف على مقاطع قصيرة تشبه جمل الموسيقى الصافية.

في هذا الحوار، تبحر “صوت البلد” مع الكاتب شريف صالح في كواليس عالمه الروائي، لتفتش معه عن تلك النغمة الأخيرة التي أراد زرعها في وجدان القارئ، وكيف يتحول الفن من مجرد أغنية عابرة إلى وطن بديل يسكننا ونسكنه.

مجانين أم كلثوم.. عنوان يحمل شحنة مكثفة من النوستالجيا والهوس الجمعي في آن واحد. من أين نبتت بذرة هذه الرواية؟

طالما أننا نتحدث عن أيقونة بحجم أم كلثوم، فمن الطبيعي أن يثير اسمها حنينًا جارفًا لزمن مضى وموسيقى مغايرة. الجنون هنا ليس هوسًا مرضيًا أو اندفاعًا لا إراديًا، بل هو ذروة الحب والافتتان الصوفي. أما بذرة الرواية، فقد نبتت من شغفي الشخصي بكوكب الشرق منذ الطفولة؛ إذ كانت -ولا تزال- شريكة أيامي، وصوتها يملأ الفضاء المحيط بي في غرفتي، في الشارع، وعلى المقاهي.

الضلع الرابع

في السينما والأدب، غُزلت قصص كثيرة حول أم كلثوم، لكنك اخترت الالتفاف حولها من خلال مريديها. لماذا فضّلتَ التركيز على الهامش الكلثومي (الجمهور والأبطال) بدلًا من المركز شخصية أم كلثوم نفسها؟

لأن النص في نهاية المطاف رواية قائمة على التخييل والابتكار، بينما التوثيق التاريخي لشخصية أم كلثوم ومسيرتها الفنية متاح بكثرة في بطون الكتب والمراجع. الجمهور هو الضلع الرابع في الأغنية إلى جانب الشاعر والملحن والمغني، لكنه مع الأسف يسقط دائمًا من المعادلة النقديّة ولا يحظى بالاهتمام الاستحقاقي. ورغم أن نجاح أي مطرب أو استمرار أثره بعد رحيله بعقود يعود إلى هذا الجمهور، فقد تعمدتُ في الرواية أن أمنحه الصدارة وأجعل صوته مسموعًا.

مرآة للواقع

تأسيس جمعية باسم مجانين الست داخل الرواية يبدو حيلة سردية ذكية للمّ شتات الأبطال. هل وظّفت هذه الجمعية لتمرير إسقاطات اجتماعية أو سياسية أو نفسية على الواقع المعاصر؟

بالتأكيد؛ فجمعية المجانين ما هي إلا مرآة عاكسة لعصرها، وتحديدًا حقبة التسعينيات وما تلاها من تحولات واهتزازات اجتماعية وسياسية. كل شخصية داخل الجمعية -سواء كان القس، أو الشيخ، أو القبطان- تعبر عن نمط إنساني مختلف، يجسد التنوع الهائل والشريحة الفسيفسائية لجمهور الست.

غلاف الرواية

تداخلت في الرواية ثنائيات معقدة: العشق والوجع، والبحث عن الذات. إلى أي مدى تعتقد أن صوت أم كلثوم كان مرآة لعيوب ومميزات الشخصية العربية التي تشكلت في القرن العشرين؟

أم كلثوم لم تكن مجرد مطربة عابرة، بل كانت أهم سيدة عربية وأبرز ظاهرة ثقافية وفنية في القرن العشرين. من الطبيعي أن يرتبط بها الوجدان العربي ويوحدهم صوتها من المحيط إلى الخليج. ومن خلال هذا الارتباط تتكشف طبائع الشخصيات وتناقضاتها، ذوقها الفني وسلوكها العاطفي. في الرواية حاولت عقد مقارنة بين الجيل الذي عاصرها وتعلق بها، والجيل الذي ظهر بعد رحيلها، ليكون العمل بمثابة تأريخ ثقافي واجتماعي لمصر بالتوازي مع استكشاف العالم الكلثومي.

 أسطورة القصبجي

يستشهد بطل الرواية بعلاقة أم كلثوم بالملحن محمد القصبجي، الذي ارتضى أن يعيش في ظلها لأربعين عامًا عازفًا خلفها، مقابل حبها لأسطورتها أكثر من الرجال. هل ترى أن كل عاشق يحمل في داخله نموذجًا يشبه القصبجي ويرتضي الهامش لحماية أسطورته؟

ليس بالضرورة. قراءتنا السائدة لعلاقة “الست” بالقصبجي أو أحمد رامي -وهما أكثر من ظلا بجوارها- هي قراءة منقوصة، وربما نسقط عليها أحيانًا رغباتنا وتفسيراتنا الرومانسية. القصبجي هو من صنع أسطورة أم كلثوم؛ نقلها من صبية ريفية مجهولة لتصبح المطربة الأولى في مصر، أسس فرقتها وقادها لربع قرن، ومنحها الألحان التي حررتها من قوالب ضيقة سَجنت نفسها فيها. علاقتُه بها ليست رضوخ عاشق مستسلم، بل افتتان صانع بالأسطورة التي شارك في صياغتها، وهذا هو التفسير الذي انتصرتُ له في الرواية، لإيماني بأن علاقة القصبجي بالست كانت أكثر تعقيدًا وعمقًا من علاقتها برامي.

البطل والرموز

أين تلتقي سيرة البطل بسيرة أم كلثوم في هذا النسيج؟

البطل جلال وُلد بالتزامن مع رحيل أم كلثوم، ونشأ وهو يرى في أمه تجسيدًا حيًا للست في تسريحة شعرها وفساتينها، ثم انضم لاحقًا إلى جماعة شبه سرية تعمل على حفظ تراثها. بالتالي، أصبحت أم كلثوم جزءًا بنيويًا في سيرته الذاتية، ومفتاحًا رئيسيًا لفهم تركيبته النفسية؛ بل يمكن القول إن جلال اخترع لنفسه “أم كلثوم” خاصة به تناسب عوالمه.

إذا كانت روايتك رحلة ممتعة بين مقامات الموسيقى والحب والسياسة، فما المقام الموسيقي الذي ضُبطت عليه إيقاعات “مجانين أم كلثوم” من البداية إلى النهاية؟

لم أتعمد الكتابة وفق مقام بعينه، بل حرصت على صياغة الرواية في مقاطع قصيرة ومكثفة، تحمل عناوين أغاني الست أو جملًا مشهدية منها، مع تقديم إضاءات سردية لملحنيها الكبار كالقصبجي، وزكريا أحمد، والسنباطي، وعبد الوهاب، وبليغ، والموجي. لكن إذا كان هناك إجابة قريبة، فقد يميل العمل نحو مقامي “الراست” أو “الصبا”، تقديرًا للروح التي بثها الشيخ زكريا أحمد في صوتها؛ إذ أوصلها إلى ذروة “السلطنة”. وأنا أريد من قارئ الرواية أن يصل إلى حالة من السلطنة الموازية، وأن يتلذذ بكل مقطع دون الاضطرار لمطاردة حبكة تقليدية ساذجة.

النغمة الأخيرة

هل ترى أن رواية “مجانين أم كلثوم” نالت الإنصاف النقدي والجماهيري الذي تستحقه؟

أعتقد ذلك إلى حد كبير. حظيت الرواية باحتفاء واسع في الوسائل الإعلامية، وكتب عنها العديد من النقاد البارزين، ناهيك عن الانطباعات الممتازة التي تصلني باستمرار من القراء. يمكنني القول إنها من أكثر كتبي حظًا من حيث الاهتمام والحفاوة.

ما النغمة الأخيرة التي يرجو شريف صالح أن تتركها “مجانين أم كلثوم” في وجدان القارئ بعد إغلاق الصفحة الأخيرة؟

كل كتاب أنشره أعيش معه حالة حب طويلة قد تمتد لسنوات؛ فالعمل مكتوب بالحب أولًا، وأمنيتي الوحيدة أن يصل هذا الدفء إلى القارئ ويجد في النص متعة قرائية خالصة. إذا كانت هناك نغمة أخيرة أومن بها، فهي نغمة الحب.. لا أريد أكثر من ذلك ولا أقل.

 

 

اقرأ أيضًا:

مراد عباس: فخ “الاستهلاك الثقافي” أخطر ما يواجه الشباب

نورين أحمد: هكذا صدرنا خفة الدم المصرية إلى العالم

أحمد عادل: قبل “الست” صنع زكريا أحمد مجدًا مسرحيًا

تامر عبد العزيز: التبعية أخطر أزمات النقد العربي

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=22370

موضوعات ذات صلة

المخدرات في الفن.. حين يصبح الإدمان مرآة المجتمع

سارة الدسوقى

صدام العمالقة يلهب مربع “كان 2025” الذهبي

أيمن مصطفى

«لعبة وقلبت بجد».. دراما اجتماعية على dmc

مي صلاح

دار الكتب وعلاء الدين تطلقان برنامجاً لإبداع الأطفال

أحمد الفاروقى

استراتيجيات الدمج الثقافي.. مصر وعُمان نموذجًا .. في معرض القاهرة للكتاب

المحرر

الذكاء الاصطناعي يطور جراحات العمود الفقري الحديثة

مروة رزق