ثقافة وأدبسليدر

مراد عباس: فخ “الاستهلاك الثقافي” أخطر ما يواجه الشباب

الجوائز الكبرى هي لحظة يتقاطع فيها الزمن مع الذاكرة؛ تستدعي رحلةً طويلة من البحث والأسئلة والكتب والرهان الدائم على قوة المعرفة. التكريم لا يتوقف عند شخصية الفائز، بل يمتد إلى مشروعٍ علمي آمن بأن الأدب جسرٌ بين الحضارات، وأن النقد ليس تفكيكًا للنصوص بقدر ما هو قراءةٌ للإنسان والتاريخ والثقافة.

في هذا الحوار، مع مراد عباس، الأستاذ بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، الفائز بجائزة باشراحيل التقديرية، تفتح “صوت البلد” أبواب تجربته الممتدة بين الإسكندرية ومدريد، وبين التراث العربي والآداب العالمية، متأملًا محطات تكوينه، ومستعرضًا رؤيته لمستقبل النقد والبحث الأكاديمي، وعلاقة الكتاب الورقي بالعصر الرقمي، ومقدمًا وصيته إلى الأجيال الجديدة من الباحثين، عن القراءة بوصفها بداية كل مشروع حضاري، وعن الإيمان بأن الثقافة الجادة لا تزال قادرة على صناعة المستقبل.

ماذا يعني للدكتور مراد عباس أن يُتوج جهده وعطاؤه بهذه الجائزة العربية؟

جائزة الشاعر الكبير الشيخ باشراحيل هي وسام على صدر كل مبدع، وإضافة كبيرة لمن يحصل عليها؛ إذ تُشعرنا بأن هناك من يرعى الثقافة العربية ويعمل على استعادة منارتها الفكرية. إن اقتران اسمي بأعلام أفذاذ نالوا هذه الجائزة سابقًا، أمثال السيد عمرو موسى، والشاعر أدونيس، والعالم الجليل الدكتور حسن عباس، يملؤني بالفخر ويمنحني طاقة أمل متجددة.

هذا التكريم يمثل علامة فارقة في مشهدي الثقافي، وأرى فيه اعترافًا بمسيرة تمتد لعقود في خدمة الأدب والنقد، وتأكيدًا على أن مشروعي الأكاديمي وجد طريقه إلى الفضاء العربي الواسع. وحين بلغني النبأ، امتزج لدي الشعور بالامتنان العميق، بإحساس ثقيل بالمسؤولية؛ فالجوائز من هذا العيار ليست نهاية الطريق، بل هي بداية لعهد جديد من العطاء.

منعطفات ومحطات

الجوائز التقديرية تمثل دائمًا لحظة حصاد دافئة؛ لو عدنا بالذاكرة إلى البدايات، ما أبرز المحطات والمنعطفات الفكرية والشخصيات التي شكلت مشروعكم العلمي والأكاديمي؟

ذاكرتي مليئة بالمحطات التي صقلت وعيي النقدي؛ أولها بلا شك والدي الدكتور حسن عباس، والمكتبة الضخمة التي كونها على مر الأزمنة. ثم يأتي دور أساتذتي الأجلاء في قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية؛ من عمالقة ذلك الجيل أمثال الدكاترة: محمد مصطفى هدارة، ومحمد زكي العشماوي، وفوزي أمين، وزكريا عناني، وفوزي عيسى، وأحمد سليمان، والسعيد الورقي، والبدري عبد الجليل، وعبده الراجحي، وحلمي خليل. هؤلاء جميعًا غرسوا فيّ حب البحث الجاد والدقة المنهجية.

أما المنعطفات الخارجية الحاسمة، فتمثلت في حصولي على منحة لدراسة الأدب الإسباني في جامعة أوتونوما بمدريد عام 1993، تلتها منحة لدراسة التاريخ الأندلسي من جامعة كومبلوتنسي عام 2000. هذه التجربة فتحت أمامي آفاقًا جديدة في الأدب المقارن، وجعلتني أرى التراث الأندلسي من منظور مغاير، وهو ما تجسد لاحقًا في أطروحتي للدكتوراه حول “صورة الأندلس في الرواية العربية والإسبانية”، لتحدد هذه الرحلة بين الثقافتين ملامح مشروعي النقدي بأكمله.

التراث والعالمية

من واقع مسيرتكم الطويلة، ما أبرز الأطروحات أو القضايا النقدية التي أوليتها اهتمامًا خاصًا وسعيت لتأصيلها في المكتبة العربية؟

يمكنني حصر مشروعي النقدي في محورين رئيسين، هما: الدراسات المقارنة وما يتصل بالأدب الأندلسي وتفاعله مع الآداب الأوروبية، حيث سعيت عبر كتبي، مثل: الأندلس في الرواية العربية والإسبانية وأندلسيات مقارنة إلى تجاوز النظرة الأحادية للتراث والانفتاح على العالمية.

القراءة النقدية الشاملة للنصوص حيث لا تفصل بين البنى الفنية والجمالية من جهة، وبين السياقات التاريخية والثقافية من جهة أخرى. وهو توجه تجلى في مؤلفاتي عن المسرح والشعر والنظرية، ومنها: المؤثرات الأجنبية في مسرح صلاح عبد الصبور، ومدارس الشعر العربي الحديث والمعاصر، ونظرية الأدب، ومناهج النقد الأدبي المعاصر، وأدب الطفل بين الشرق والغرب.

المشهد الأكاديمي

كيف ترى واقع البحث الأكاديمي الأدبي والنقدي في مصر والعالم العربي اليوم؟

المشهد الأكاديمي يعاني حاليًا من تناقض حاد؛ فمن جهة هناك ازدياد كمي غير مسبوق في عدد الباحثين والرسائل العلمية، ومن جهة أخرى تعاني بعض البحوث من ضعف الجودة والعمق، وتدور حول قضايا شكلية أو تطبيقات آلية للنظريات دون أن يحمل الباحث همًا علميًا أو رسالة حقيقية. فضلًا عن أن كثيرًا من هذه الدراسات يظل حبيس الرفوف ولا يتفاعل مع الحراك النقدي الحي.

ومع ذلك، أظل متفائلًا لوجود طاقات شبابية واعدة تبحث عن مناخ ملائم. وأعتقد أن المفتاح يكمن في تجديد المناهج الدراسية وإعادة الاعتبار للبحث النقدي الجاد القادر على مخاطبة القارئ المعاصر.

جرأة الشباب

بصفتك أستاذًا جامعيًا معاصرًا لمختلف الأجيال؛ كيف ترى جيل الشباب من الكتاب والنقاد؟

يبهجني في الشباب جرأتهم المعرفية على كسر القوالب الجاهزة، وتنوع اهتماماتهم الممتدة من الشعر الجاهلي إلى لوركا وإليوت، وجمعهم الذكي بين الأدب والفنون والتكنولوجيا، وقدرتهم على التفاعل مع الآداب العالمية بطلاقة لغوية لافتة.

لكن ما يقلقني هو التسرع أحيانًا على حساب التأسيس النظري والقراءات العميقة؛ فالكتابة النقدية الحقيقية تحتاج إلى دأب ومعرفة متراكمة لا إلى انطباعات عابرة. أخشى عليهم من فخ الاستهلاك الثقافي؛ أي أن يقرؤوا ليكتبوا سريعًا، لا أن يقرؤوا ليفكروا بعمق. ونصيحتي لهم: لا تستعجلوا النشر قبل النضج، وتذوقوا الأدب قبل تحليله.

العصر الرقمي

نعيش الآن زمنًا رقميًا بامتياز غيّر من عادات التلقي؛ هل ترى أن الكتاب الأكاديمي والنقدي ما زال قادرًا على الصمود والتأثير، أم أن الوسائط الجديدة سحبت البساط؟

هناك فرق جوهري؛ فالمعلومة في الكتاب الأكاديمي موثقة ورصينة ويقوم عليها باحث متخصص، في حين أن معلومات الوسائط الرقمية غالبًا ما تكون عابرة ومتناقضة. الكتاب الأكاديمي ما زال حيًا ولم تسحب الوسائط البساط من تحته، لكنها بالتأكيد غيرت قواعد اللعبة.

يحتفظ الكتاب الورقي بقدسيته وفعل قراءته المتأنية، لكن الباحث اليوم مطالب بإعادة التفكير في أدواته لأن الأدب الرقمي أصبح ظاهرة تستحق الدراسة. دور الكتاب لم ينحسر بل تحول ليصبح مرجعية أساسية في بحر معلوماتي متلاطم، وسر بقائه يكمن في جودة المضمون وقدرة الباحث على تقديم رؤيته بأسلوب يجمع بين الرصانة والوضوح بعيدًا عن التعقيد.

مشاريع مرتقبة

التكريم والجائزة التقديرية هما وقود متجدد؛ ما المشروعات البحثية والكتب الفكرية التي تعكفون عليها حاليًا؟

أعمل حاليًا مع طلابي على استكمال مشروعنا الأندلسي المشترك بين الأدبين العربي والإسباني، كما أنكب على دراسة النماذج الإنسانية، مثل: نموذج الحب العذري أو الخائن الأعظم، عبر الآداب المختلفة كالعربية والصينية والإسبانية والروسية.

هناك أيضًا مشروع يتناول تأثير الأدب العربي في آداب العالم، مثل أثر كتاب طوق الحمامة لابن حزم في كتاب الحب الطيب لخوان رويث، وأثر ألف ليلة وليلة في الأدب الإسبانو-أمريكي. وبجانب هذا، أعكف على مشروع طموح بعنوان الأدب الرقمي والتفاعل النقدي في الثقافة العربية المعاصرة، بالإضافة إلى وفائي بوعدي القديم بترجمة المزيد من الأدب الإسباني إلى العربية.

وصية للأجيال

أخيرًا، ما الرسالة التي تود توجيهها لكل باحث وطالب علم يخطو خطواته الأولى؟

رسالتي هي ذاتها الكلمة الإلهية العظيمة التي بدأ بها القرآن الكريم: “اقرأ”.. اقرأ، وفكّر، ولا تخف من أن تكون مختلفًا. النقد الحقيقي لا يصنعه اتباع المناهج الرائجة، بقدر ما يصنعه الموقف النقدي الشجاع والمستقل. الشغف وحده لا يكفي ما لم يتسلح بالمعرفة الواسعة والمنهج الراسخ، ولابد أن يتذكر أبنائي دائمًا أن إسهامهم في المكتبة العربية ليس مجرد إضافة عددية، بل هو فعل حضاري يثري وعي الأمة.

اقرأ أيضًا:

أحمد عادل: قبل “الست” صنع زكريا أحمد مجدًا مسرحيًا

نورين أحمد: هكذا صدرنا خفة الدم المصرية إلى العالم

حنظلة.. طفل حافٍ واجه الاحتلال بظهره

تامر عبد العزيز: التبعية أخطر أزمات النقد العربي

 شيماء مجدي: حين تهتز السلطة تولد الذكورة التعويضية

 

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=22287

موضوعات ذات صلة

التحول الرقمي ينظم خدمات وزارة السياحة

هدير عادل

وعي المستهلك.. لجام الغلاء

أيمن مصطفى

الكنيسة الإنجيلية تجمع بين التسامح الديني والسياسة

حازم رفعت

الإسكندرية: حبر البحر في محراب النور الجديد

أيمن مصطفى

برلمانية تطالب بكشف أسباب خصم ٣٠٪ من راتب معلمي الحصة

المحرر

المدينة المهجورة.. فيلم يعيد إحياء عاصمة إخناتون

هدير عادل