ثقافة وأدبسليدر

أحمد عادل: قبل “الست” صنع زكريا أحمد مجدًا مسرحيًا

بين جلال الكلمة وسلطنة النغم، تنبت الهوية المصرية كشجرةٍ ضاربة الجذور في تربة التاريخ، لا تهزها عواصف التغريب ولا يطويها نسيان. وحين يلتقي تضلّع الأديب الباحث بعاطفة الفنان المشحون بوجدان الشارع، تولد دراسة استثنائية تعيد ترتيب أوراق الذاكرة الفنية لأمة بأكملها.

في هذا الحوار، لا تقف “صوت البلد” أمام مجرد توثيق أكاديمي بارد، بل أمام رحلة نبشٍ أثرية في وجدان المسرح الغنائي المصري. يمسك د. أحمد عادل عبد المولى بمشرط النقد الأدبي في يد، ويصدح بصوته كصوليست في دار الأوبرا المصرية باليد الأخرى؛ ليحقق معادلة نادرة توجت بفوزه بالنسخة الأولى من جائزة السيد درويش للدراسات الموسيقية.

يرفع الستار عن الوجه المجهول لعملاق الطرب الشيخ زكريا أحمد، مبرزًا عبقريته المقيدة بذكاء النص الدرامي، ومستعرضًا بالأرقام والوثائق النادرة كيف تحولت ألحانه الـ 588 إلى سجل حيّ نبضت به حارات مصر ومسارحها عقب ثورة 1919. نتجول معه بين المقامات الموسيقية الشجية، ونستمع إلى صدى نادِ الوطن وهو يقاوم النسيان، لنفهم كيف تراجع هذا الفن الرفيع، وكيف يمكن لروح شيخ الملحنين أن تلهمنا لإحيائه من جديد.

مبارك لكم الفوز بجائزة السيد درويش. كيف تلقيتم نبأ الفوز؟

تلقيت النبأ ببالغ السعادة والاعتزاز، ومزيجٍ من الهيبة والمسؤولية؛ فهذه الجائزة لا تحمل مجرد قيمة مادية أو معنوية عابرة، بل تمثل تقدير الدولة الرسمي من وطني الغالي مصر، كما تقترن باسم فنان الشعب سيد درويش، الرائد الأول الذي صاغ وجدان الموسيقى المصرية الحديثة.

يعيدني هذا التتويج إلى مرحلة الدراسة، حين فزت بجائزة الدكتور مهدي علام لحصولي على المركز الأول في قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب بجامعة عين شمس. واليوم، يتجدد الفضل بحصولي على جائزة السيد درويش بعد أن صرت أستاذًا دكتورًا في الدراسات الأدبية والنقدية.

لقد وهبني الله ميزة الجمع بين علوم اللغة العربية وفنون الموسيقى الشرقية كوني مطربًا صوليطًا بدار الأوبرا المصرية؛ وكما توجت في مقتبل حياتي بجائزة في تخصصي الأدبي، أُتوّج اليوم في عشقي الموسيقي. إن صدور هذه الجائزة في نسختها الأولى يمثل اعترافًا أكاديميًا بأهمية إحياء وحفظ تراثنا الفني، وهو تكريم للبحث العلمي الموسيقي الجاد الذي يسعى للنبش في التاريخ وتوثيق عبقرياتنا قبل أن تطالها يد النسيان أو التشويه.

فجوة تاريخية

ما الذي دفعكم لتوجيه بوصلتكم البحثية نحو “المسرح الغنائي” للشيخ زكريا أحمد تحديدًا؟ 

الحقيقة أن هذا الطرح كان موضوع المسابقة المتميز الذي أعلنه المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية. وقد تحمست للمشاركة لما يمثله الشيخ زكريا أحمد (1896 – 1961م) من مكانة راسخة في الوجدان الجمعي عبر ألحانه الطربية الخالدة لكوكب الشرق السيدة أم كلثوم.

لكن ما يجهله الكثيرون هو أن هذا العملاق كان مخضرمًا بين قرنين، وجامعًا بين مدرستين، حيث كرّس شطرًا هائلًا ومبكرًا من عبقريته الإبداعية للمسرح الغنائي، وتحديدًا قبل بدء تعاونه الشهير مع أم كلثوم عام 1930م.

وقد تتبع البحث حجم هذا الإسهام الضخم، لنسفر بالأرقام التوثيقية الدقيقة عن حقائق مذهلة، فقد لحّن الشيخ زكريا لـ 53 مسرحية، وتعاون مع 9 فرق مسرحية كبرى، وبلغ مجموع ألحانه للمسرح الغنائي 588 لحنًا في الفترة من 1924م وحتى 1945م.

تكمن الإضافة العلمية للدراسة في سد هذه الفجوة التأريخية، وإعادة الاعتبار للشيخ زكريا كأحد أعمدة المسرح الغنائي وتطويره، فضلًا عن توثيق نصوص هذه الألحان ومقاماتها الموسيقية في جداول تفصيلية لحفظ هذا المنجز من الاندثار.

عبقرية طربية

يحضر اسم الشيخ زكريا دائمًا كعملاق للتطريب، لكن التركيز على المسرح الغنائي يحمل خصوصية شديدة. كيف ترى الفارق بين عبقريته في الأغنية الحرة وعبقريته المقيدة بنص درامي؟

في الأغنية الحرة، يتحرك الملحن في مساحة واسعة؛ يتبع تدفق الكلمات الشعرية، ويستعرض جماليات الصوت الفردي وإمكانات المطرب المطلقة في “السلطنة” والارتجال. أما في المسرح، فإن العبقرية تكون مشروطة بالحدث الدرامي، ورسم الشخصيات، وتحولات الموقف على الخشبة؛ فالموسيقى هنا لا تُطرب فحسب، بل تُمثّل، وتتكلم، وتدفع الحركة الدرامية.

وقد نجح الشيخ زكريا في تطويع عبقريته بمرونة مذهلة داخل هذا الإطار المحدد، فقد صاغ ألحانًا تعبر عن الحركة الجمعية للفرقة (المجاميع). وابتكر الحواريات المتبادلة (الديالوج) لتجسيد الصراع العاطفي أو الدرامي. ووظّف المونولوجات والموشحات والطقاطيق الفردية لوصف حيرة الشخصية أو سخريتها. وقد أفردت في الدراسة ملحقًا خاصًا للتعريف بكل قالب من هذه القوالب).

لقد فرض المسرح عليه تكنيكًا لحنيًا مكثفًا ومباشرًا؛ حيث يجب أن يصل المعنى اللحني فورًا للمشاهد لخدمة النص دون تزيد أو تكرار، وهو ما يكشف عن ذكاء درامي فذ يوازي عبقريته الطربية الحرة.

قضايا الوطن

ارتبط المسرح الغنائي في مصر بتحولات مجتمعية وسياسية ضخمة بعد ثورة 1919. كيف عكست ألحان زكريا أحمد المسرحية تلك الأنماط الثقافية؟

لم يكن المسرح الغنائي في تلك الحقبة ترفيهًا معزولًا عن الواقع، بل كان مرآة حية تنبض بقضايا الشارع وتطلعاته الوطنية. وقد تجلت هذه الانعكاسات بوضوح في ألحان الشيخ زكريا؛ ففي مسرحية “السفور” عام 1927م مع فرقة علي الكسار، عالجت قضية الحجاب والسفور بصورة كوميدية واكبت التحولات الثقافية لعصرها.

في أعمال مثل “ابن الراجا” عام 1925م و”البرنس الصغير” عام 1927م، نجد الألحان تتجه نحو بث الحماسة وحب الوطن والدفاع عنه، كما في لحن الجيوش ولحن “نادى الوطن”. كما عكست أعمال أخرى قضايا الفقر ومحاربة الجشع بقوالب فكاهية هادفة، مثل مسرحيات ناظر الزراعة والوارث  والخمسة مليون. لقد كانت ألحانه بمثابة سجل موسيقي يرصد حركة التحديث الاجتماعي والسياسي للمجتمع المصري بدقة مدهشة.

عُرف الشيخ زكريا بالتصاقه بالبيئة المصرية الأصيلة، كيف تُرجمت هذه “المصرية الخالصة” موسيقيًّا في مواجهة الروافد الغربية التي بدأت تتسلل للمسرح آنذاك؟

إن الهوية الشرقية والمصرية الخالصة للشيخ زكريا تأسست على ركائز فولاذية؛ فهو خريج الأزهر الشريف، وحافظ القرآن الكريم ومجوده، وبدأ حياته منشدًا ومبتهلًا في بطانة كبار مشايخ القرن التاسع عشر أمثال علي محمود وحمودة الكبير، وتلقى علم الموشحات على يد الشيخ درويش الحريري.

هذه النشأة جعلت ذائقته محصنة ضد التغريب السطحي. ففي عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، عندما بدأت بعض الروافد الموسيقية الغربية (كالمارشات الصامتة) تتسلل لخشبة المسرح، واجهها زكريا أحمد بتمصير القوالب الوافدة.

لقد صاغ ألحانًا شعبية حية نابعة من قلب البيئة المصرية، مثل: لحن السماكين في مسرحية أنوار، ولحن الفلاحات في مسرحية الكنوز، ولحن الحطابين في مسرحية حكيم الزمان.

استلهم الشيخ نبرة الحارة الشعبية وبساطتها، وحافظ على ركوز المقامات الشرقية الأصيلة والنبض الإيقاعي الذي يألفه رجل الشارع البسيط، فظلت موسيقاه ناطقة باللسان المصري الخالص دون تكلف.

التكنيك المقامي

يتطلب المسرح مرونة في الانتقال بين المقامات للتعبير عن المواقف المتناقضة. ما أبرز ملامح “التكنيك اللحني” لزكريا أحمد في المسرح؟

تميز التكنيك اللحني للشيخ زكريا بالذكاء المقامي الفائق والقدرة على التلوين السريع؛ حيث كان يعتمد بشكل لافت على مقام العجم في الألحان الجماعية والاستعراضية وبدايات الفصول لبعث روح البهجة، والحيوية، والفخامة المسرحية كما في مسرحيات الأستاذ وأبو النوم. ومقام الراست للأحاديث والديالوجات الوجدانية التي تتطلب ثباتًا ووقارًا.

 ومقامي الحجاز والحجاز كار للتعبير عن المشاعر العاطفية الدافئة واللوعة كما في مسرحية دولة الحظ وبدر البدور. ومقامات النهاوند، والجهاركاه، والهزام، والكرد للتعبير عن الغموض، أو النبرة الدرامية الجادة، والتهكم الساخر.

والحقيقة، أنا لا أؤمن بالتوقيف الجامد في ارتباط المقامات بالأغراض بصفة مطلقة، ولكن ما أريد تأكيده هو أن زكريا أحمد استثمر التنويع المقامي بذكاء شديد ليعكس مختلف الأحوال الشعورية والسياقات الدرامية المتغيرة.

العقبة الكبرى

كيف تعاملتم في دراستكم مع إشكالية ندرة أو ضياع التسجيلات والنصوص النوتية للمسرحيات القديمة؟

كانت هذه العقبة الكبرى والتحدي الأضخم في هذا العمل الببليوغرافي والتحليلي؛ فالكثير من النصوص والألحان تشتت بفعل الزمن وغياب التوثيق. وللتغلب على ذلك، اتبعت منهجية استقصائية وأثرية دقيقة شملت البحث الأرشيفي في الصحافة القديمة، مثل جريدة الأهرام، ومجلات المصور والستار، وجريدة كوكب الشرق؛ حيث حفظت لنا هذه الصحف إعلانات العروض، وصور الشخصيات، وتحليلات النقاد المعاصرين التي تصف الألحان وتفاعل الجمهور معها.

اعتمدت بشكل أساسي على الوثائق والنوت النادرة المحفوظة لدى المشروع القومي لتوثيق التراث المسرحي بمكتبة الإسكندرية، ومركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي. وتضم الدراسة صورًا تاريخية لإعلانات ومخطوطات أصلية قمت بنسخها وتحليلها مقاميًا.

 كما بحثنا عن الترميمات الإذاعية التي أعادت الإذاعة المصرية تسجيلها لاحقًا لبعض الأعمال الهامة، مثل أوبريت بدر البدور الذي أُعيد إنتاجه إذاعيًا بصوت الفنان محمد فوزي وعصمت عبد العليم بمصاحبة موسيقى وتوزيع علي فرج، وكانت هذه التسجيلات طوق النجاة لحفظ النبض اللحني الحي.

الانفجار الأول

حملت الجائزة اسم سيد درويش رائد المسرح الغنائي. كيف ترى العلاقة بين مشروعه ومشروع زكريا أحمد؟

مشروع سيد درويش كان بمثابة الانفجار الإبداعي الأول والهزة التأسيسية التي أطلقت حداثة المسرح الغنائي المصري وخلصته من الرتابة. أما الشيخ زكريا أحمد، فيمثل في رأيي العلمي الامتداد الذي طوّر الأدوات وخلق بصمة مغايرة وخاصة جدًا.

سيد درويش أرسى دعائم التعبير الدرامي باللحن، والشيخ زكريا الذي عاصر هذه الفورة وتشبع بالتراث، أخذ هذه المبادئ وصبغها بصبغة شعبية حيوية شديدة الالتصاق بالشارع المصري، مستفيدًا من شراكته الطويلة مع عمالقة الكوميديا مثل علي الكسار ونجيب الريحاني.

لقد دمج زكريا أحمد بين التعبيرية الدرامية المبتكرة عند سيد درويش، والطربية الرصينة المكتسبة من خلفيته كمنشد أزهري؛ مما أوجد توازنًا فريدًا بين الدراما والتطريب الشرقي المحبب، فكان بحق جسرًا عبقريًا يربط بين تقاليد القرن التاسع عشر الفنية وآفاق القرن العشرين.

غياب الإنتاج

تراجع المسرح الغنائي المصري تدريجيًا ليصبح شبه غائب اليوم. أين يكمن الخلل من خلال قراءتكم التاريخية؟

يعود تراجع المسرح الغنائي إلى غياب الإنتاج المؤسسي المتكامل؛ فهو قالب مكلف ومعقد، يتطلب نصًا متميزًا، وملحنًا ذا حس درامي، وممثلين يجيدون الغناء والتمثيل والحركة الإيقاعية في آن واحد. وبدأ الخلل عندما انفصل المطربون عن الخشبة واتجهوا نحو الغناء الفردي والسينما، بينما استسهل صناع المسرح تقديم الكوميديا اللفظية (الإيفيهات) الخالية من الموسيقى كعنصر بنيوي.

يمكننا بقوة استلهام تجربة الشيخ زكريا لإحياء هذا القالب من خلال إعادة قراءة هذه الكنوز برؤية معاصرة. نحن لا نريد تقديم المسرحيات القديمة كقطع متحفية جامدة، بل نريد استلهام فلسفة زكريا أحمد في التلحين: كيف نجعل الأغنية في خدمة الدراما وتعبيرًا عن قضايا المجتمع ببساطة وعمق؟ نحتاج اليوم إلى ورش عمل أكاديمية تدرب الممثل المغني وتعيد الاعتبار للملحن كشريك رئيسي في صياغة النص المسرحي.

الانتصار للمنسيين

بعد هذا التتويج المستحق، أين تتجه بوصلتكم البحثية والشخصية في الخطوة القادمة؟

إن التتويج بجائزة السيد درويش ليس نهاية المطاف، بل هو وقود دافع للمستقبل. تتجه بوصلتي البحثية القادمة نحو استكمال هذا المشروع القومي لتوثيق وتحليل إسهامات الملحنين الكبار والمظلومين تاريخيًا في بدايات القرن العشرين، والذين طواهم النسيان في ظل التركيز الأكاديمي التقليدي على بضعة أسماء فقط.

وعلى الصعيد الشخصي والعملي، أسعى لاستكمال مشروعي في الربط بين لغتنا العربية وموسيقانا الشرقية. وأسأل الله أن تتحول هذه الدراسات النظرية إلى مشاريع حية بالتعاون مع معاهد الموسيقى والفرق المسرحية الوطنية، لإعادة تدوين هذه النوت الموسيقية وتقديم عروض مسرحية غنائية تستلهم أصالة الماضي بروح الحاضر، لتبقى ذاكرتنا الموسيقية دافئة وحية ونابضة بالجمال الأصيل.

 

اقرأ أيضًا:

حنظلة.. طفل حافٍ واجه الاحتلال بظهره

تامر عبد العزيز: التبعية أخطر أزمات النقد العربي

محمد عطوة: كل أسطورة تنتظر راويًا يعيد بعثها

أحمد الصغير: الشعر لا يستعير الفنون بل يصهرها

 شيماء مجدي: حين تهتز السلطة تولد الذكورة التعويضية

الشاعرة ياسمين صلاح: هذا “أول ما رآه الطين”

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=22088

موضوعات ذات صلة

هل يفعلها “العميد” ورفاقه؟

أيمن مصطفى

اليونسكو تُحيي ذاكرة الإسكندرية التراثية

أيمن مصطفى

أحمد مراد ينسحب من مسلسل محمد رمضان قبل التصوير

كسر نير البطالة… الكنيسة تفتح أبواب الوظائف الشاغرة   

حازم رفعت

الزلوعي: شجرة الميلاد لها جذورعميقة في مخيلة البشر

المحرر

مقترح باكستاني لوقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن

محمود كرم