
منذ أن وجد الإنسان نفسه في مواجهة التاريخ، ظل الأدب مرآته الأكثر صدقًا ومكرًا في آنٍ واحد؛ لا ينقل الواقع كما هو، بل يُعيد تفكيك ظلاله وهتك أستاره. وفي المساحة الممتدة بين المشرق العربي وضفاف شبه الجزيرة الإيبيرية، تنبت أساطير ونماذج بشرية تختزل في ملامحها تحولات شعوب بأكملها، وأزمات هويات تتأرجح بين وهج السلطة وانكسار الوجود.
في أطروحتها النقديّة الفائزة بجائزة الشيخ باشراحيل، “من الفتوة إلى الدنجوان: تمثلات الرجولة وأزمات السلطة في السرد العربي والإسباني”، لا تقف المترجمة شيماء مجدي، المدرس في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، عند عتبات المقارنة السطحية بين جغرافيا وأخرى، بل تغوص في أعماق الذكورة التعويضية. تبحث عن تلك اللحظة الحرجة التي يتصدع فيها جدار السلطات السياسية والأبوية والمجتمعية، فيتحول الفتوة في الحارة العربية من حامٍ للشرعية إلى ذاتٍ مأزومة تبحث عن دور مفقود، ويتشظى الدنجوان الإسباني من غاوٍ متمرد إلى رمز لتلاشي المركزية أمام وعيٍ إنساني جديد.
عبر هذا الحوار، تُبحر “صوت البلد” في كواليس رحلة البحث البينية، لنكتشف كيف تتناغم الرواية مع الموسيقى والسينما، وكيف ينطق النص الأدبي بأوجاع الإنسان وخيباته، متجاوزًا حدود اللغة ليؤكد أن الأسئلة الجوهرية واحدة، وإن اختلفت ألسنة الرواة.
نبارك لكِ الفوز بالجائزة؛ ما الذي يمثله هذا الاعتراف العربي لدراستكِ النقديّة؟
هذا التتويج بالنسبة لي أكثر من مجرد تكريم؛ فهو اعتراف بقيمة البحث الأكاديمي الجاد، وبأهمية الدراسات المقارنة التي تسعى إلى بناء جسور معرفية بين الثقافات. لقد آمنتُ منذ بداية مسيرتي البحثية بأن النقد ليس مجرد قراءة للنصوص، وإنما هو تفكيك للتحولات الحضارية والإنسانية التي تنعكس داخل الأدب.
استقبلتُ الخبر بامتنان كبير؛ لأنه جاء كحصاد لسنوات من البحث الشغوف والعمل المتواصل بين الأدبين العربي والإسباني. وهو في الوقت ذاته مسؤولية كبيرة تدفعني نحو تقديم دراسات أكثر عمقًا، تُثبت قدرة الباحث العربي على الإسهام في النقاش النقدي العالمي برؤية أصيلة ومنهج علمي رصين.
الذكورة التعويضية
اختيار عوالم السرد المقارن بين الثقافتين العربية والإسبانية مغامرة بحثية ممتعة؛ ما الشرارة الأولى التي قادتكِ لربط الفتوة بالدنجوان في إطار دراسة تمثلات الرجولة؟
في الحقيقة، لم تبدأ الشرارة من المقارنة المباشرة، بل ولدت من رحم الترجمة. لقد قمتُ بترجمة رواية إسبانية إلى العربية لأول مرة، وكانت تلك التجربة نقطة تحول حقيقية في مسيرتي. عشتُ مع شخصيات الرواية فترة طويلة من القراءة والمراجعة، حتى شعرت أنني لا أنقل الكلمات فحسب، بل أشارك في إعادة خلق النص داخل ثقافة جديدة. ومن هنا ترسخ إيماني بأن المترجم ليس ناقلًا محايدًا، بل هو كاتب ثانٍ يمنح العمل حياة أخرى.
من خلال هذه المعايشة، بدأت أقرأ الرواية بزاوية مختلفة؛ فلم تعد بنظري نصًا أدبيًا مجردًا، بل فضاءً تتداخل فيه الفنون. استوقفتني بشدة البنية السردية التي تستلهم شكل “الصوناتا” الموسيقية؛ إذ تقوم على تكرار الثيمات وتطويرها، وهو ما فجّر شغفي بالدراسات البينية والعلاقة بين الأدب والموسيقى، والسينما، والفنون التشكيلية.
وفي أثناء هذا المسار، برزت أمامي شخصية الدنجوان في الرواية الإسبانية، لكنني لم أتعامل معها كرمز سطحي للإغواء، بل كتجسيد لأزمة حضارية تعكس تحولات السلطة والقيم. وفي المقابل، وجدت أن صورة الفتوة في الرواية العربية والمصرية تحديدًا تؤدي وظيفة ثقافية مشابهة؛ فهي تبدو في ظاهرها رمزًا للقوة والحماية، لكن تفكيكها نقديًا يكشف أنها نتاج لأزمة اجتماعية وسياسية.
عندما قارنت الصورتين، وجدت أن كلًا منهما يمثل ما يمكن تسميته بالذكورة التعويضية؛ أي محاولة الشخصية تعويض شعورها بفقدان السلطة أو اهتزاز المكانة الاجتماعية عبر المبالغة في استعراض القوة أو الفحولة. ومن هنا أدركت أن المقارنة الحقيقية لا تقوم على التشابه السطحي، بل على تتبع كيف تعيد المجتمعات تشكيل مفهوم الرجولة عندما تمر بأزمات السلطة والتحولات التاريخية الكبرى.
الفتوة والدنجوان
الفتوة في المخيال السردي المصري ترتبط بالحماية والشهامة، بينما الدنجوان في السرد الغربي يحيل إلى الغواية والتمرّد؛ كيف يلتقي هذان النموذجان في تعبيرهما عن مفهوم الرجولة؟
قد يبدو النموذجان متباعدين في الظاهر، لكن القراءة النقدية المعمقة تكشف أنهما ينطلقان من السؤال نفسه: ماذا يحدث للرجولة عندما تتغير بنية المجتمع؟
الفتوة في المخيال العربي تأسس تاريخيًا على القوة المرتبطة بالشرعية الشعبية وحماية الجماعة، بينما الدنجوان الإسباني تأسس على الحرية الفردية المطلقة والتمرد على القيود الأخلاقية. لكن في الرواية الحديثة، يتحول كلاهما إلى شخصية مأزومة؛ فالفتوة يفقد شرعيته ودوره التقليدي أمام سطوة الدولة الحديثة، والدنجوان يفقد قدرته على الإغواء والسيطرة أمام تحولات الوعي الاجتماعي وتغير وضع المرأة.
إذن، لم تكن الدراسة مجرد مقارنة بين نمطين، بل رصدًا لانتقال مفهوم الرجولة من سلطة مستقرة إلى هوية تعيش أزمة وجودية وأخلاقية.
تصدع السلطة
يربط عنوان دراستكِ بين هذه التمثلات وبين أزمات السلطة؛ هل تعكس التحولات من الفتوة إلى الدنجوان تصدعًا في البنية المؤسسية السياسية، أو الاجتماعية، أو الأبوية في المجتمعين العربي والإسباني؟
بالتأكيد، وهذه إحدى النتائج الأساسية للدراسة. إن تحولات صورة الفتوة والدنجوان لم تكن انعطافات فردية في مخيلة الكتاب، بل كانت انعكاسًا مباشرًا لتصدع السلطة وتحولاتها.
فكلما اهتزت السلطة السياسية أو الاجتماعية أو الأبوية، أعادت الرواية تشكيل صورة الرجل لتعبر عن هذا التصدع؛ لذا لم يعد البطل التقليدي قادرًا على احتكار القوة أو الحقيقة، بل أصبح هو نفسه موضوعًا للنقد والتفكيك. الرواية هنا تؤدي وظيفة تتجاوز الحكي؛ إنها تسجل التحولات الهيكلية للمجتمع، وتكشف كيف تؤثر الأزمات الكبرى في بناء الهوية الإنسانية.
مفهوم الرجولة
هل وجدتِ نقاط التقاء غير متوقعة بين الروائيين العرب والإسبان في معالجتهم لهذه الثيمات، ما أبرز النتائج التي توصلتِ إليها الأطروحة؟
المفاجأة الأكبر كانت أن التقارب بين الأدبين كان أعمق بكثير مما توقعت. فرغم اختلاف المرجعيات الدينية، والجغرافية، والتاريخية، فإن الروائيين في الثقافتين استخدموا هذه الشخصيات الرمزية بالطريقة نفسها تقريبًا، بوصفها مرآة تعكس أزمات مجتمعاتهم.
وأبرز نتائج الأطروحة، يمكن تلخيصها في أن مفهوم الرجولة ليس قالبًا بيولوجيًا ثابتًا، بل هو بناء ثقافي مرن يتشكل ويعاد إنتاجه بتغير الظروف السياسية والتاريخية. كما أثبتت الدراسة أن الأدب المقارن الحقيقي لا يبحث عن التشابهات السطحية، بل يغوص ليكشف عن البنى الفكرية المشتركة التي تربط التجارب الإنسانية مهما تباعدت البيئات.
بعد هذا الجهد النقدي المميز، ما المحطة البحثية القادمةبالنسبة لك ؟
أنظر إلى هذه الجائزة باعتبارها بداية لمرحلة جديدة وليست محطة وصول. أنا مستمرة في مشروعي البحثي في الأدب المقارن، وتحديدًا في تتبع تحولات النماذج الثقافية بين الأدبين العربي والإسباني، وكيفية انتقال الأساطير والشخصيات بين النصوص والوسائط الفنية.
لقد أصبحت أكثر اهتمامًا بتقاطعات الأدب مع الفنون الأخرى كالسينما، والموسيقى، والفن التشكيلي، باعتبارها لغات جمالية تتكامل لإنتاج المعنى وصياغة الوعي.
أطمح في المرحلة المقبلة إلى تقديم أبحاث تتجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات؛ فأنا أؤمن أن مستقبل الدراسات الأدبية يكمن في هذا الحوار الخلاق بين الفنون، وأن وظيفة الأدب المقارن ليست إثبات أننا متشابهون، بل الكشف عن خصوصية واختلاف طرائقنا في التعبير عن القضايا الإنسانية الجوهرية التي تظل ثابتة عبر العصور مهما تغيرت أشكالها الجمالية.
اقرأ أيضًا:
الشاعرة ياسمين صلاح: هذا “أول ما رآه الطين”
الجبوري: هذا ما يختبئ خلف مجاز القصيدة العربية
جاد الكريم: “قمر تأكله الأيام”.. حكايات البشر بقبضة الزمن
علي: “إزاي بنرقص” حالة شعورية كرقص الطير المذبوح
نجم للشباب: اكسروا غاركم وابحثوا عن يثربكم الخاصة
