
لا يمكن قراءة المشهد الراهن للعلاقات بين مصر وتنزانيا بمعزل عن قراءة التاريخ؛ فالروابط التي تجمع بين القاهرة ودار السلام لم تولد نتيجة توازنات سياسية مؤقتة أو مصالح اقتصادية عابرة، بل هي قصة ممتدة عبر العقود تشكلت ملامحها في أفران الكفاح المشترك والتحرر الوطني وحماية الجغرافيا الاستراتيجية للقارة الإفريقية، حيث إن هذه العلاقات تمثل نموذجاً حياً لكيفية تحول الروابط الطبيعية، والمتمثلة في شريان نهر النيل العظيم، إلى روابط سياسية وفكرية متينة أسست لوعي إفريقي موحد، وصاغت ملامح الهوية السياسية لشرق القارة وشمالها.
شريان طبيعي
تُمثل الجغرافيا السياسية حجر الزاوية في صياغة العلاقات التاريخية بين البلدين؛ كون تنزانيا إحدى دول حوض النيل الهامة، وهو ما جعل الرابط الطبيعي بين الشعبين ممتداً منذ فجر التاريخ عبر تدفق المياه التي تحمل معها الحياة والنماء؛ حيث لم يكن النيل مجرد مجرى مائي يربط بين الدولتين، بل كان جسراً للتواصل الإنساني والثقافي، وصاغ فهماً مصرياً مبكراً لأهمية منطقة البحيرات العظمى كعمق استراتيجي للأمن القومي المائي، وهو الفهم الذي انتقل من جيل إلى جيل ليصبح عقيدة دبلوماسية راسخة في العقل السياسي المصري عبر العصور.
كفاح مشترك
تأسس العصر الذهبي للعلاقات السياسية الرسمية في منتصف القرن الماضي، وتحديداً خلال فترة الخمسينيات والستينيات، والتي شهدت ذروة حركة التحرر الإفريقي من الاستعمار، حيث فتحت مصر بقيادتها الثورية آنذاك أبواب القاهرة لجميع الأشقاء في القارة السمراء، وكانت تنزانيا (تنجانيقا وزنجبار قبل الوحدة) في قلب هذا الاهتمام الدبلوماسي والميداني؛ إذ قدمت مصر دعماً لوجستياً وسياسياً وإعلامياً هائلاً لحركات التحرر التنزانية لتمكينها من نيل استقلالها، وهو موقف تاريخي لم تنسه الذاكرة الوطنية التنزانية وظل محفوراً في وجدان نخبها الحاكمة.
تلاحم فكري
تجسد هذا التلاحم التاريخي بشكل أعمق من خلال الصداقة الاستراتيجية والفكرية الاستثنائية التي جمعت بين الزعيمين الراحلين جمال عبد الناصر وجوليوس نيريري. ولم تكن العلاقة بين عبد الناصر ونيريري مجرد تنسيق دبلوماسي بين رئيسين، بل كانت تلاقياً فكرياً حول مبادئ الوحدة الإفريقية، والاشتراكية، ومناهضة الإمبريالية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها؛ إذ إن هذا التناغم الفريد بين الزعيمين سمح لمصر وتنزانيا بلعب دور قيادي ومحوري في تأسيس “منظمة الوحدة الإفريقية” عام 1963، ووضع اللبنات الأولى للعمل الإفريقي المشترك.
دبلوماسية رائدة
في أعقاب قيام جمهورية تنزانيا المتحدة عام 1964 بعد اتحاد تنجانيقا وزنجبار، كانت مصر من أوائل الدول التي سارعت لتثبيت دعائم هذه الوحدة؛ حيث احتفل البلدان في نفس العام بتأسيس العلاقات الدبلوماسية الرسمية بينهما. وحلّ الدبلوماسي التنزاني البارز “سالم أحمد سالم” (الذي شغل لاحقاً منصب الأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية) كأول سفير لبلاده في القاهرة، مما أعطى الزخم الدبلوماسي طابعاً رفيع المستوى، لتصبح القاهرة مركزاً رئيسياً لإدارة السياسة التنزانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبوابة دار السلام نحو العالم العربي.
توافق سياسي
امتدت ثمار هذا الإرث المشترك لتنعكس على المواقف السياسية التنزانية في اللحظات التاريخية الحرجة التي مرت بها الدولة المصرية؛ فخلال معارك مصر الدبلوماسية والعسكرية في عقود الستينيات والسبعينيات، كانت تنزانيا دائماً في خندق المؤيد والمدافع عن الحقوق المصرية في المحافل الدولية ومنظمة الوحدة الإفريقية. وتكرر هذا الوفاء التاريخي في العصر الحديث، حينما وقفت تنزانيا بقوة وبشكل معلن في عام 2014 لتدافع عن شرعية الدولة المصرية وتطالب بإنهاء تعليق عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي، برهانًا على عمق الروابط الإستراتيجية.
إرث ممتد
لم يقتصر الرابط التاريخي على الجوانب السياسية والعسكرية فحسب، بل امتد ليتغلغل في البنية الثقافية والتعليمية؛ إذ لعب الأزهر الشريف والكنيسة القبطية المصرية أدواراً رائدة وممتدة عبر العقود في تقديم الدعم الديني والتعليمي والإنساني للشعب التنزاني، حيث قد استقبلت الجامعات المصرية آلاف الطلاب التنزانيين عبر بعثات تعليمية مستمرة منذ ستينيات القرن الماضي، مما خلق جيلاً من النخب التنزانية يتحدث اللغة العربية ويرتبط وجدانياً بمصر، ليشكل هذا التبادل الثقافي صمام أمان حقيقي استطاع حماية العلاقات من أي تقلبات سياسية.
رؤية مستقبلية
إن القراءة الدقيقة لـ”الجذور التاريخية” تؤكد أن ما يجمع مصر وتنزانيا اليوم هو إرث مشترك متجذر يتجاوز حدود الجغرافيا والمصالح الاقتصادية ليدخل في مساحة المصير المشترك، حيث إن هذا التاريخ المشرف يمنح الأجيال الحالية والقيادات السياسية المتعاقبة أرضية صلبة للانطلاق نحو آفاق أرحب من التعاون، مستندين إلى حقيقة أن القاهرة ودار السلام شريكان تاريخيان في صياغة استقلال القارة وفي حماية مقدراتها التنموية. وهو ما تجسد بشكل عملي في زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الحالية إلى دار السلام، لتأتي هذه التحركات كترجمة حية لإرث الماضي وتطلعات المستقبل؛ حيث لم تعد العلاقات مجرد توافق سياسي تاريخي، بل تحولت إلى جراحة إدارية وتنموية كبرى تقودها القاهرة لدعم الأشقاء على الأرض.
وقد تكللت المباحثات رفيعة المستوى مع الرئيسة سامية صلوحو حسن بخطوات تنفيذية بالغة الأهمية، شملت توقيع مذكرات تفاهم استراتيجية في مجالات النقل والكهرباء والطاقة المتجددة لخدمة رؤية “تنزانيا ٢٠٥٠”، فضلاً عن المتابعة المستمرة لملحمة بناء سد “جوليوس نيريري” الكهرومائي بأيادٍ وخبرات مصرية، ليقف السد كشاهد حي على تلازم مساري “النيل والتحرر”؛ إذ إن هذا الزخم الاستثماري المكثف يبرهن على أن القاهرة ودار السلام نجحتا في نقل إرثهما التاريخي من أطر التنسيق السياسي إلى آفاق التكامل الاقتصادي الفعلي على الأرض، لتظل هذه القمة التاريخية علامة فارقة في مسيرة العلاقات المصرية الإفريقية، وتأكيداً راسخاً على أن مصر ستظل دائماً الشريك الأوفى لتنزانيا في معركتها المصيرية نحو البناء، والتنمية، والرخاء المشترك.
